ما المخرج مما نحن فيه من هذه الكوارث العِظام، والنكبات الجِسام، والفتن الطَّوام؟

 

هذه الكارثة الكبرى، والمصيبة العظمى، والداهية العمياء التى تعيشها الأمة الإسلامية في هذا العصر، المتمثلة في خذلان حكام المسلمين لإخوانهم المنكوبين جراء هذه المحرقة والمجزرة التي تتولى كِبرها إسرائيل نيابة عن قوى الاستكبار من ناحية، وبعض الأنظمة العربية من ناحية أخرى، ما هي إلاَّ حلقة من مسلسل إجرامي كبير للحرب الصليبية التي أشعلتها أمريكا وأذنابها، بدءً بغزو أفغانستان، ومروراً بإحتلال عراق العروبة والإسلام ثم جاء الدور للإجهاز على حركة المقاومة الباسلة في فلسطين.

هذا بجانب ما عاناه إخواننا في البوسنة والهرسك، وما يعانيه المسلمون الآن في كشمير، والشيشان، والصومال، والفلبين، وغيرهامن ديار الإسلام.

اتجهت إلى الإسلام في بلد    تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

هذا الخذلان الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الأمة، مكَّن الكفار من الانفراد باخوتنا العزَّل، إلاَّ من الإرادة والعزيمة الصادقة، فنَكَّـلوا بهم، وقتلوهم، ودمروا كل شيء بهذه الترسانة الهائلة، وباستعمال الأسلحة المحرمة دولياً، هذا الخذلان ما هو إلاَّ عرض من عدة أعراض ابتليت بها الأمة لأدواء خبيثة، وأمراض فتاكة قاتلة قديمة، لا يحل للأمة التشاغل عنها بهذه الأعراض على الرغم من خطورتها وفداحتها، وتتفاعل بها في وقتها ثم تغفل عن أسبابها الرئيسة.

تعيش الأمة الإسلامية منذ أن قضي على الدولة العثمانية كوارث عدة، ومصائب شتى لم تجتمع عليها من قبل قط، أخطرها ما يأتي:

1. التشتت، والتفرق، والاختلاف، والتشرذم الذي حل محل الاجتماع، والائتلاف.

2. تسلط الكفار على حكام المسلمين، واستغلال ثروات هذه الأمة.

3. خذلان حكام المسلمين لإخوانهم المنكوبين.

4. التباغض، والتدابر، والتنافر، والتحاسد حيث دبَّ إلى الأمة داء الأمم السابقة، الحالقة التي تحلق الدين.

وغير ذلك كثير..

ليس هناك من سبيل للخروج من هذه الكوارث والمصائب إلاَّ بالعودة إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما أجمعت عليه الأمة،و إلاَّ بنصر دين الله، وإلاَّ بالكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في ذاك اليوم.

وإلاَّ كيف يحق لنا أن نطلب العون والنصرمن الله ونحن نجاهر اللهَ ورسولـَه بحرب، ونبارزه ورسلـَه العداوة والبغضاء؟

ويكون ذلك بالآتي:

أولاً: الاشتغال بالعلم الشرعي، فالعلم أساس العمل ومافسد وخرِّب لا ينصلح إلاَّ بالعلم الشرعي.

ثانياً: التوبة النصوح، فالتوبة هي وظيفة العمر.

عندما شكا قوم نوح ما أصابهم من القحط والضيق، أرشدهم العبد الصالح إلى التوبة والاستغفار قائلاً: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا".

ثالثاً: التضرع والدعاء الصادق، فالدعاء سلاح المستضعفين، وهو جند من جند رب العالمين، به يستنزل النصر، وتنكشف الكرب، وتنقشع الظلم.

  • قال ابن الجوزي: (أن قتيبة بن مسلم لما صافَّ الترك، هاله أمرهم، فقال أين محمد بن واسع؟ فقيل: هو في أقصى الميمنة جانح على سية قوسه يومئ بإصبعه إلى السماء. فقال قتيبة: تلك الأصابع القارة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وسنان طرير ـ فلما فتح عليهم سأله: ما كنت تصنع؟ قال: كنت آخذ لك بمجامع الطرق).

  • وكان البراء بن مالك يستنزل النصر بالإقسام على الله عز وجل.

رابعاً: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل، بالتخلي عن كل الممارسات الشركية، والأعمال الوثنية، وما أكثرها في ديار الإسلام وما اعظم ضررها.

خامساً: تحقيق العقيدة الضائعة، عقيدة الولاء والبراء وبعثها من جديد.

لم ينج من ذلك حتى أهل السنة حيث كانوا في الماضي يداً واحدة على من سواهم من أهل الأهوء.

سادساً: رفع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتسويق لها، فالنصيحة صمام الأمان لهذا الدين( فالدين النصيحة؟ قلنا لمن يا رسول الله؟ قال:"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم:").

سابعاً: الاعتداد بالدين (لقد أعزنا الله بالإسلام فمن أراد العزة في غيره أذله الله).

ثامناً: رفع راية الجهاد، جهاد الدفع والطلب "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ".

تاسعاً: التحاكم إلى شرع الله ونبذ القوانين الوضعية.

عاشراً: التخلي عن الفساد الخلقي، فالمعاصي بريد الكفر فهي سبب النكبات، ومانعة من إجابة الدعوات، ونزول البركات.

الشروع في ذلك مع صعوبة الطريق، وقلة المعين، مع الصبر واليقين بوعد الله هو بداية الخروج من هذه الكوارث "فلا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، فالعلماء هم رواد هذا التغيير والمسؤولون عنه، والمحاسبون عليه، فهم أتباع الرسل، و ورثة الأنبياء.

فكونوا أيها العلماء وطلاب العلم تلك المنارات التي تهدي الضُلَّال، وترشد الحَيارى، وبينوا طريق الحق، واحذروا من بُنَيَّات الطريق، والاشتغال بسفاسف الأمور والتخلي عن معاليها، وادعوا إلى الله على بصيرة وبصدق، وتذكروا أنه لا صلاح لآخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها، واقتدوا بأسلافكم الصالحين، وتجنبوا سبيل علماء السوء الممقوتين الممحوقين، وتذكروا أنكم أنتم الدواء فلا تكونوا من أخطر الأدواء.

ولو أن أهل العلم صانوه صانهـم      ولو أنهم عظموه في النفوس لعظما

ولـكــن أهانــوه ودنســوا      محيـاه بالأطمـاع حتى تجهـمـا

 والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

  بداية الصفحة