بحسب المرء إثماً أنْ يحدث بكل
ما سمع، وأنْ يصدق كل ما قرأ ونشر1
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا2
أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"3
لو تأدب المسلمون بالآداب القرآنية، وتخلقوا بالأخلاق
الربانية، واقتدوا بسيرة خير البرية، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان لفازوا
ونجحوا وتخلصوا من سائر الأخلاق الردية نحو:
-
قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ".
-
وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا
كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا
وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ
تَوَّابٌ رَّحِيمٌ"3.
-
وقوله: "وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم
بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ وَلا
تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ
الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"4.
-
وقوله صلى الله عليه وسلم: "التبين من اللّه والعجلة من
الشيطان".
-
وقال عمر رضي الله عنه: (لا يؤسر أحد في الإسلام بغير
العدول).
لقد أمرت هذه الآيات، والحديث، والأثرالمؤمنين بلآتي:
أولاً: التثبت والتبين والتحري في رواية الأخبار والأخذ
بها.
ثانياً: أمرت بتحسين الظن بالمسلمين.
ثالثاً: عدم الأخذ بالظنون الفاسدة والأوهام الباطلة.
رابعاً: نهت عن التنابز بألقاب السَّوء الرديئة.
قال ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ..."، الآية: (هي أصل عظيم في
تصرفات ولاة الأمور، وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل
ما يروى ويخبر به...
والأمر بالتبين أصـل عظيم في وجوب التثبت في القضاء، وأن لا
يتتبع الحـاكم القيل والقال، ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون
والأوهام.
إلى أن قال: دلَّ قوله تعالى: "فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"، أنه تحذير من الوقوع فيما يوجب الندم شرعاً، أي ما
يوجب التوبة من تلك الإصابة، فكان هذا كناية عن الإثم في تلك الإصابة فحذر
ولاة الأمور من أن يصيبوا أحداً بضر، أو عقاب، أوحدٍ، أوغرم دون تبين وتحقق
توجه ما يوجب تسليط تلك الإصابة عليه بوجه اليقين، أوغلبة الظن، وما دون
ذلك فهو تقصير يؤاخذ عليه).
لقد تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلق بتلك الأخلاق
القرآنية، ولهذا قالت أمنا عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلقه: "كان
خُلُقُه القرآن"، يدل على ذلك تثبته وتبينه وتحريه في أمور كثيرة منها على
سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
1. في أمر عائشة رضي الله عنها عندما رميت بحادثة الإفك.
2. وفي كعب وصاحبيه رضي الله عنهم حتى نزلت براءتهم من
السماء.
3. وفي أمر بني عبد المصطلق، وذلك عندما أَرسل إليهم
خالداً أمره أن لا يغزوهم حتى يتثبت من أمرهم.
وقد سار على هذا النهج، نهج التثبت والتحري وعدم الأخذ
بالظنة، خلفاؤه الراشدون:
لقد خسر الإسلام والمسلمون بقتل عمر وعلي رضي الله عنهما
خسراناً مبيناً، ولكنهم ربحوا ربحاً عظيماً بالمحافظة على مبدأ عدم الأخذ
بالظنة.
إذا أخذ رسولنا صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، وكذلك
خلفاؤه الراشدون المهديون بمبدأ التثبت والتحري في الأخبار التي وصلت إليهم
من أناس أخيار، فالأولى والأحرى أنْ يأخذ المسلمون اليوم حكاماً ومحكومين
بهذا المبدأ سيما مع ضعف الوازع الديني، وقلة العلم وتفشي الجهل، وعلى وجه
الخصوص من وسائل الإعلام المشبوهة؛ مسموعة كانت أم مقروءة أم مشاهدة، حيث
صار كثير منها وسائل هدم للعقيدة، وإفساد للأخلاق، ونشراً للرذيلة.
من البدع الخبيثة التى عمت بها البلوى في هذا العصر، الذي
كثرت فيه البلايا، وعظمت فيه الرزايا، بدعة التنابز بألقاب السَّوء،
والتصنيف الجائر التي نتجت من فتنة الخليج الأولى.
ومما يُؤْسف له أن هذه البدعة قصرت على طائفة من أهل السنة
الأخيار والسلفيين الأطهار، وسلم منها الكفرة والمبتدعة الأشرار الفجار،
وهم أهلها وأحق بها، وممن صدرت؟ من شريحة من إخوانهم السلفيين.
لقد تولى كبر هذه البدعة قلة من المشايخ هدانا الله وإياهم،
وقلدهم فيها تقليداً أعمى فئة من الشباب، وقد استغلها أسوأ استغلال،
المفسدون في الأرض، لهذا كان المستفيد الأول من ذلك هم أعداء الإسلام،
والخاسر الأكبر مثيروهذه البدعة والمروجون لها، شعروا بذلك أم لم يشعروا،
في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا بزرع سوء الظن، والحقد، والفرقة، وكثرة
الانقسامات والانشطارات، والهجر بين أخوة العقيدة، وفي الآخرة بالقصاص
بالحسنات والسيئات إنْ لم يتمكنوا من استسماح المصنفين، والمجروحين،
والمؤذين قبل الممات، وأنَّى لهم ذلك فقد مات منهم من مات؟.
هذا التنابز لم يسلم منه الأموات على الرغم من أنهم افضوا
إلى ما قدموا، فما فتئت ألقاب السَّوء والتصنيف الجائر لاحق بهم في قبورهم،
فما نال الشهيد العُبَيْد بن عبد الوهاب قبل أيام ليس عنا ببعيد، لأنَّ
الله أراد أنْ يكون ذلك لهم صدقة جارية، بعد مفارقتهم لهذه الحياة الدنيا.
الدافع الأساس لهذا الافتراء، الجهل بعقيدة الولاء والبراء،
والتأثر بعقيدة المرجئة المخزولين التعساء، المخرجون للأعمال من مسمى
الإيمان، والغرور الزائد، والتحكم الظالم لإدخال من شاء هؤلاء إدخاله في
مسمى أهل السنة والجماعة، وإخراج من يريدون إخراجه من غير دليل ولا برهان.
وإلاَّ فما الذي يبرر لهذه الفئة موالاة وموادة الكفار، والشيوعيين،
والمنافقين ومن والاهم بتكثير سوادهم، والانضمام إلى الحركة الشعبية كما
جرى ذلك لأشخاص من اخواننا أنصار السنَّة بمنطقة جبال النوبة والإنقسنا،
عندما غُرر بهم وخدعوا بأن أدخلوهم في الحركة الشعبية لاعلاقة له بعقيدتهم،
فما لله لله، وما لقيصر لقيصر، فقط بحجة أنهم مهمشون!!، وما علم هؤلاء
بدخولهم هذا أنهم قضوا على عقيدة الولاء والبراء التي هي أساس هذا الدين،
والفارق المميز بين أهل السنَّة وأهل البدع والأهواء المتخلفين.
ما الذي جعل هؤلاء يوالون ويشاركون الكفار والمشركين،
أويسكتون عنهم ويتطاولون على إخوانهم، وينالونهم بألسنة حداد، ويلمزونهم
بألقاب سوء شداد، ويحذرون من دروسهم والصلاة خلفهم، ويهجرونهم هجر المبتدعة
الضُلال؟!.
لقد برأ الله أهل السنَّة من هذه البدعة، حيث كانوا إلى وقت
قريب جداً، يداً واحدة على أهل البدع والأهواء، متصافين متحابين، كيف لا
وهم نقاوة المسلمين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
إلى أنْ حلَّتْ بهم هذه النازلة، وغشيتهم هذه الطامة الكبرى
والمصيبة العظمى!!.
إذا كان يجب على المسلم أن يوالي أخاه المسلم بقدر مافيه من
إيمان، فكيف بموالاة أهل السنة بعضهم لبعض وإنْ اختلفوا في بعض الفروع، إذ
الاختلاف في الفروع لا يفسد للود قضية؟!.
لماذا لم يقتد هؤلاء بالسلف الصالح والخلف الفالح؟
فهاهما الإمامان الكبيران الشافعي وأحمد رحمهما الله،
اختلفا في تكفير تارك الصلاة كسلاً، فلم يؤثر ذلك في العلاقة الودية بينهما
حيث كان كل واحد منهما يثني على الآخر، وفي هذا العصر كان سماحة الشيخ
عبدالعزيز بن باز رحمه الله يوالي كل المسلمين بقدر ما فيهم من إيمان،
وكذلك كان ينحو هذا النحو الشيخ محمد هاشم الهدية رحمه الله.
ولله در ابن عبد البر عندما قال معلقاً على اختلاف الصحابة
عندما استشارهم عمر في الدخول على الطاعون، قبل مجيء عبد الرحمن بن عوف:
(وفيه دليل على أنَّ المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد5،
ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيه عيب مخالفه، ولا الطعن عليه
لأنهم اختلفوا وهم القدوة، فلم يعب أحد منهم على صاحبه اجتهاده، ولا وجد
عليه في نفسه، إلى الله المشتكى وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها6،
تستحل الأعراض والدماء إذا خولفت فيما تجيء به من الخطأ)7 .
فمال هؤلاء عن الصراط ناكبون، ولسلفهم وخلفهم الصالح الفالح
مغايرون، ولسنة نبيهم هاجرون، ولبدع الخوارج والمرجئه محيون، فإنَّا لله
وإنَّا إليه راجعون، ولاحول ولاقوة إلاَّ بالله.
اللهم ألِّف بين قلوب أهل السنة، واهدهم سبل السلام، وجنبهم
الحقد، والحسد، والشحناء، والانشطار، والخصام، إنك ولي ذلك، والقادرعليه.
وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة،
والسراج المنير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
الأمين الحاج محمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء و الدعاة
لثلاث ليالٍ بقيت من جمادى الأولى 1430 هـ
ã
|