الإكفار ملك لله ولرسوله، فمن
أكفراه فهو كافر
هذا تعقيب على ما كتبه الأستاذ
الطيب زين العابدين في جريدة الصحافة
العدد[5804]،
الأحد 9 رمضان 1430هـ = 30/8/ 2009م
من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر بسبب التسيب
الفكري والانفلات في نظم التعليم ووسائل الإعلام المختلفة، توهم البعض
هدانا الله وإياهم أنَّ المرء إذا نطق بالشهادتين، أو وُلِدَ لأبوين مسلمين
فقد عُصم من الكفر، والشرك، والردة بل خَدعوا، وغرروا، وغشوا الكفار
الكتابيين بأنهم مؤمنون رداً لقوله تعالى: "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ"1،
"لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ"2،
"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن
تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا*وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن
رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا*قَالَ
لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا*لَّكِنَّا هُوَ اللهُ
رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا"3،
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"4،
"يَحْلِفُونَ باللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ
وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ"5.
ورداً لقوله صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل مؤمناً ويمسي
كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً"، الحديث6.
ولو كان اليهود والنصارى مؤمنين لما أمرنا في سورة الفاتحة
بالتعوذ من طريقتهم وملتهم.
ومن ثمَّ فليس عند هؤلاء ثمة كفر، أوشرك، أوبدعة، أوردة،
فهؤلاء هم أهل الفوضى، فهم شر خلف لشر سلف المرجئة التعساء من غير انتساب
إليهم، فالأول صالحاً كان أم طالحاً لم يترك للآخر شيئاً كما يقولون.
لهذا وجب إلقاء الضوء على هذا الأمر العقدي الخطر، وبيان
حكم الشرع فيه، وتوضيحاً لما جاء في مقال أستاذ الطيب فأقول:
أولاً:
الإكفار7
ملك لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أكفراه فهو كافر بإثبات ما نفياه،
أو نفي ما اثبتاه، أو بعبارة أخرى: بانكار ما هو معلوم من الدين ضرورة،
وإنَّما العلماء هم موقعون عن الله ورسوله.
ثانياً:
الإكفار منه ما هو يدعى محرم منكر، وهو الإكفار بالمعاصي لمن لم يستحلها،
أو نتيجة هوى، وتعصب، وتقليد، وهذا هو الذي ورد الوعيد فيه.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "أيَّما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إنْ كان
كما قال، وإلاَّ رجعت إليه"8.
فمن شرب الخمر وهو يعتقد حرمتها فهو مسلم عاصٍ، ومن لم
يشربها وقال بحلها فهو كافر.
ومنه ما هو شرعي سني وهو الإكفار بإنكار ما هو معلوم من
الدين ضرورة.
وكل البلاء واللغط في هذا الباب ناتج عن الجهل والخلط بين
الإكفار البدعي والإكفار الشرعي السني.
ثالثاً:
الإكفار منه ما هو مطلق بأن نقول من قال، أوعمل أواعتقد كذا، فهو كافر.
ومنه ما هو معين يُنَزَّل على شخص بعينه، ولهذا أكفر
الصحابة جاحدي الزكاة وقاتلوهم هذا مع اقرارهم بالشهادتين، ومع صلاتهم
وصومهم، لكن المعين لا يكفر إلاَّ بتوفر الشروط وهي: البلوغ، والعقل،
والاختيار، وانتفاء الموانع وهي: الجهل لحديثي الإسلام، والتأويل المستساغ،
والإكراه.
فمن توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع لابد من إكفاره،
وإعلان ذلك ليعلم الناس فكما نقول للزاني زانٍ، وللمرابي مرابٍ، كذلك نقول
للكافر كافر ولا نتحرج من ذلك أبداً. ورحم الله الإمام أحمد عندما قال:
(إذا سكت العالم تقية والجاهل لجهله، فمن للحق؟). أمَّا الإستتابة وتنفيذ
حد الردة فيتولاها الحاكم.
رابعاً:
الإكفار حكم شرعي، فقد زلت فيه أقدام وضلت بسببه أفهام، ولهذا لا يحل لكل
أحد أنْ يخوض فيه، بل ينبغي أنْ يتولى ذلك العلماء الحكماء الأثبات، وتأخير
العلماء وتوانيهم في هذا الأمر وتأخيرهم للبيان عن وقت الحاجة هو الذي يدفع
البعض لتعاطيه.
خامساً:
من الذنوب العظيمة، والجرائم الكبيرة التي يقع فيها كثير من السياسيين،
والاعلاميين، وغيرهم التنابز بألقاب السَّوء: هذا تكفيري، وهذا خارجي، وهذه
الرابطة أوالنفر تكفيريون وما شابه ذلك، ولهذا حذر الله عز وجل من هذا
السلوك المشين، والخلق اللئيم، والبهتان العظيم فقال: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا
خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا
مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ
بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"9.
يقول العلامة ابن عاشور في تفسير10
قوله تعالى "بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ
يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ": (تذييل للمنهيات إذ لا مناسبة
بين مدلول هذه الجملة وبين الجمل التي قبلها لولا معنى التعريض بأنَّ ذلك
فسوق، وذلك مذموم ومعاقب عليه، فدلَّ قوله: "بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ
بَعْدَ الْإِيمَانِ" على أنَّ ما نهوا عنه مذموم لأنَّه فسوق يعاقب عليه
ولا تزيله إلاَّ التوبة، فوقع إيجاز يحذف جملتين في الكلام إكتفاء بما دلَّ
عليه التذييل، وهذا دال على أنَّ اللمز والتنابز معصيتان لأنهما فسوق، وفي
الحديث: "سباب المسلم فسوق".
إلى أنْ قال: وإذ كان كل من السخرية، واللمز، والتنابز
معاصي فقد وَجَبَتْ التوبة منها فمن لم يتب فهو ظالم، لأنه ظلم الناس
بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع
عن ذلك، فكان ظلمه شديداً جداً. فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم
كأنه لا ظالم غيرهم؛ لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على
سبيل المبالغة ليزدجروا.
والتوبة واجبة من كل ذنب).
فاعتبروا يا أولي الألباب، ولا تتمادوا في هذا المسلك
الوعر، ولا تأخذنَّكم العزة بالإثم.
إنكم تحسبون وصف العلماء الأخيار بألقاب السَّوء هيناً وهو
عند الله عظيم جد عظيم، وتذكروا قوله تعالى: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"11.
وقوله في الحديث القدسي: "من عادى لي ولياً فقد آذنته
بالحرب"12،
فالعلماء هم الاولياء كما قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي: (إنْ لم يكن
العلماء هم الاولياء فليس لله ولي)، ومن حاربه الله قصمه.
سادساً:
لا ينقضي عجب الإنسان من دفاع ومحاماة بعض الأخيار عن الشيوعيين، والمغضوب
عليهم، والضالين من الكفار الكتابيين13،
ومنكري ما هو معلوم من الدين ضرورة، ومحاولة رفع الكفر عن جميعهم، الذين لو
سئل عنهم عجائز أهل الإسلام لما ترددوا أنْ يحكموا عليهم بحكم الله ورسوله،
هذا من ناحية.
ومحادة، ومعاداة، وتحريض المسؤولين على نفر من المشايخ
الفضلاء، والعلماء الأجلاء، وهم يعرفونهم كما يعرفون أبناءهم أنهم على
الصراط المستقيم، والنهج القويم، ومع ذلك يصفونهم بأوصاف السَّوء، فأي
الفريقين أحق بالموالاة، والمحاماة، والدفاع، فأنا أو إياهم لعلى هدى أو في
ضلال مبين.
سابعاً:
لقد بلغ التدليس، والتضليل، والخلط، والجهل مداه في هذا العصر مما حدا
بالشيوعيين، الملحدين، الكافرين، المشركين، الضالين، العملاء الخائنين أنْ
يستنكفوا ويستكبروا أنْ يُرموا بالكفر بل ورفع راية محاربة من يكفرهم، ولقد
شهدوا على أنفسهم بالكفر بدخولهم في الشيوعية، وارتدادهم عن الإسلام إنْ
صلوا وصاموا طالما أنهم يعتقدونها، مما يدل على عودة غربة الإسلام كما أخبر
الصادق الأمين.
ثامناً:
إذا أكفر من لم يكفره الله ورسوله فإنَّ هذا لا يضره بل ينفعه، وأمَّا من
أكفره الله ورسوله فلن يفيده دفاع أهل الأرض جميعاً عنه، فلماذا هذا
التباكي؟!.
وكذلك إذا رُميَ برئ بأنه تكفيري لا يضره ذلك، بل يرفع شأنه
ودرجته.
تاسعاً:
من أكفره الله ورسوله أكفرناه ولا كرامة ولا نعمة، وأعلنا ذلك على الملأ ما
استطعنا إلى ذلك سبيلاَ، ومن أشرك بالله بيَّنا شركه وضلاله، ومن ابتدع
بدعة كفرية وجهر بها ودعا لها بدَّعناه ولا يضرنا من خذلنا، ولا من عادانا،
ولا من حرَّض وألَّب علينا، أو لقبنا بألقاب السَّوء.
عاشراً:
ما تقوم به الرابطة من إكفار من أكفرهم الله ورسوله سبقهم إلى ذلك سلفهم
الصالح رضوان الله عليهم، فها هو الإمام الشافعي رحمه الله يقول لحفص الفرد
المعتزلي عندما قال القرآن مخلوق: كفرتَ ورب الكعبة.
وعندما نُقِلَ للإمام أحمد قول ابن قتيلة: (أصحاب الحديث
قوم سوء)، قال لتوه: زنديق، زنديق، ونفض ثوبه متبرئاً منه، هذا على سبيل
المثال لا الحصر، ولو كان المجال يتسع لنقلنا الكثير من حكمهم بالكفر
والردة على أعمال وأقوال لا تدانيها أعمال وأقوال كفار، ومشركي، وزنادقة
هذا العصر، فهل يتجرأ أحد أنْ يصف هؤلاء بأنهم تكفيريون؟!.
الحادي
عشر:
يقول الأستاذ الطيب: (أصدرت الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة التابعة
للمجمع الإسلامي بالجريف غرب).
فالرابطة ليست تابعة للمجمع الإسلامي بالجريف غرب، وإنَّما
إمام وخطيب هذا المجمع هو أحد أعضائها فقط كغيره من الأعضاء.
فما أدري ما السبب الذي أوقع الأستاذ في هذا الخلط؟!.
الثاني
عشر:
الإكفار حكم شرعي باقٍ إلى يوم القيامة لمن تعاطاه لا يلغيه غلو الغالين،
ولا تسيب وتفلت المتسيبين والمتفلتين إذ ما فتئت ظاهرتا الغلو -الخروج-
والإرجاء من أوائل البدع التي ظهرت في الإسلام، فلم يتعطل هذا الحكم الشرعي
من أجل ذلك، فما الذي جد الآن يا ترى؟!.
الثالث
عشر:
زعم الأستاذ الطيب: أنَّ شباب الجريف غرب اقتحموا دار الحزب الشيوعي
وحاولوا نشر فتواهم.
غير صحيح، إذ الدعوة كانت عامة، واجتهد نفر من الصبية
وكانوا عزلاً، ودخلوا وجلسوا كغيرهم من الجالسين، وكانوا يحملون في جيوبهم
بعض البيان الذي أصدرته الرابطة، ولم يقوموا بتوزيعه إلاَّ عندما تحرش أحد
الشيوعيين بأحد أولئك الشباب، وأخرج البيان من جيبه وضرب بعضهم بالحديد
والسيخ الذي كان قد خبأه الشيوعيون، ساعتئذ انتهز بعض الصبية الفرصة و
وزعوا البيان، وبعدها حمل بعض الشباب المعوقين إلى المستشفى وفتحت بلاغات
ضد المعتدين ويشهد على ذلك مضابط شرطة الرياض في تلك الليلة.
الرابع
عشر:
واجب الحاكم الرئيس في الإسلام حماية حوزة الدين، ورعاية حقوق العباد
والبلاد، وهذا ينبغي أنْ يترجم في القانون والدستور.
فالإسلام هو الحاكم لا الدستور والقانون إنْ كانا مخالفين
لحكم الله ورسوله، فمن أوجب واجبات الدستور حماية العقيدة، ومحاربة الكفر،
والإلحاد، والرذيلة، ولهذا يعجب المرء مما قاله أستاذ الطيب: (ويصبح الأمر
شاذاً وغريباً إذا تعرض المرء لتهمة التكفير حين يمارس حقاً سياسياً وفكريا
يكفله له القانون والدستور)، هل وظيفة القانون والدستور حماية الإلحاد،
والكفر، وإشاعة الفاحشة في الذين ءامنوا؟!.
وأسأل أستاذ الطيب: هل التكفير تهمة للشيوعي؟!!.
بل ينبغي للأمة الإسلامية أنْ تشكر وتقدر فتوى الرابطة
الشرعية، وتجل مشايخها لأنهم رفعوا عنها بعض الإثم، إذ لو تواطأوا معها
لأثم الجميع، ولحلت لعنة الله وغضبه على العباد والبلاد.
فجزى الله الرابطة الشرعية خير الجزاء، وجزى الله الإسلام
الذي أتى بهم.
الخامس
عشر:
وأخيراً اختم بهذا السؤال هل ما تقوم به الرابطة الشرعية من بيان حكم الشرع
في بعض النوازل، ومن ممارسة وظيفة الاحتساب بضوابطها الشرعية، ومن نصح
الأمة وتذكيرها بما يحيط بها من أخطار ومؤامرات أشد ضرراً على العباد
والبلاد وأَمْنِها، أم التسيب الفكري الذي عمَّ وطمَّ، والفساد العقدي
والأخلاقي والنشاط الكنسي، وتشييع بعض المسلمين، وسب الصحابة، وشتم أمهات
المؤمنين، وتغلغل الشيوعيين في الأحياء بفتح الأندية والروابط لإشاعة
الفاحشة في الذين آمنوا والغافلين؟.
وهل ما تلقاه الرابطة ومشايخها من الغمز، واللمز، والتنابز
بالألقاب، وسوء الظن، من فئة من المسلمين يلقى عشر معشاره أعداء الملة،
والدين، والعباد، والبلاد الحقيقيين؟!!.
|