"لا يقتل مسلم بكافر"، فكيف يقتل
أربعة مسلمين بكافر؟!
لقد كرم الله بني آدم على من سواهم، وزاد المسلم تكريماً
وتشريفاً على غيره من الكافرين، فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. فالمسلمون
تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد –أوهكذا ينبغي أنْ يكونوا- على
من سواهم. لهذا صح عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقتل
مسلم بكافر"1.
أذكر بذلك رداً للحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات بالخرطوم
شمال برئاسة القاضي سيد أحمد البدري بتاريخ الاثنين 23 شوال 1430هـ الموافق
12/10/2009م بالإعدام شنقاً على أربعة من المسلمين لقتلهم الدبلماسي
الأمريكي الكافر (جون غرانفيل) وسائقه السوداني المسلم عبد الرحمن عباس،
علماً بأنه لا يحل للمسلم أنْ يعمل لكافر خادماً، ولا سائقاً، ولا طباخاً.
وفي هذا الحكم عدة مخالفات شرعية تستوجب رده ونقضه، ولا تحل
المصادقة على تنفيذه:
أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم السابق الصحيح الصريح: "لا
يقتل مسلم بكافر"، سواء كان الكافر ذمياً، أو معاهداً، أو مستأمناً، أو
محارباً هذا ما ذهب إليه عامة أهل العلم من لدن الصحابة، والتابعين، ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبهذا اللفظ صح عند أبي داود عن عبد الله بن عمر، عن النبي
صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر"، وزاد: "ومن قتل مؤمناً متعمداً
دُفِع إلى أولياء المقتول، فإنْ شاءوا قتلوا، وإنْ شاءوا أخذوا الدية"2.
وكذلك خرج أبو داود عن قيس بن عبادة، وعن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده بلفظ: "لا يقتل مؤمن بكافر"3.
قال الإمام الخطابي في معالم السنن4
معلقاً على قوله "لا يقتل مسلم بكافر": (فيه البيان الواضح أنَّ المسلم لا
يُقتل بأحد من الكفار، كان المقتول منهم ذمياً، أو معاهداً، أو
مستأمناً..... إنه نفي نكرة فاشتمل على جنس الكافر عموماً، وقد قال صلى
الله عليه وسلم: "لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ"، فكان
الذمي والمستأمن سواء.
ذهب إلى هذا القول عامة أهل العلم منهم الخلفاء الراشدون
الثلاثة عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت رضي الله عنهمم جميعاً، ومن
التابعين وتابعيهم: عطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان
الثوري، وابن شبرَمة، ومن الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق
رحم الله الجميع5
.
وذهب نفر قليل من أهل العلم إلى قول مرجوح، وهو أنَّ المسلم
يُقتل بالكافر الذمي فقط، وإلى هذا ذهب الشعبي، والنخعي، وهو مذهب أبي
حنيفة.
واحتجوا بظاهر قوله تعالى: "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ"6.
وبخبر منقطع لا يصح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقاد
مسلماً بكافر.
قال الخطابي راداً لما ذهب إليه الأحناف قائلاً: (قلت: "لا
يقتل مسلم بكافر"، كلام تام مستقل بنفسه، فلا وجه لتضمينه ما بعده وإبطال
حكم ظاهره وحمله على التقديم والتأخير، وإنما يُفعل ذلك عند الحاجة
والضرورة في تكميل ناقص، وكشف عن مبهم، ولا ضرورة بنا في هذا الموضع)7.
وقال الحافظ بن حجر في الفتح8:(وأمَّا
عدم قتل المسلم بكافر فأخذ به الجمهور.......، وخالف الحنفية فقالوا: يُقتل
المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يُقتل بالمستأمن.
قال الحافظ: ومن حججهم: أي الأحناف، قطع المسلم بسرقة مال
الذمي، قالوا: والنفس أعظم حرمة، وأجاب ابن بطال -المالكي-: بأنه قياس حسن
لولا النص).
قلت: الحمد لله الذي لم يتعبدنا بقول أحد مع قوله الصحيح
الصريح، فكل يُؤخذ من قوله ويُترك إلاَّ الرسول صلى الله عليه وسلم.
أمَّا استدلالهم بآية: "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ"، فقد خصصت
بآية البقرة: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ........"، وكذلك قوله صلى الله عليه
وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر"، فثبت بذلك أنه لا يُقتل مسلم واحد بكافر، ومن
باب أولى وبالأحرى أنَّه لا يحل أبداً أن يُقتل أربعة مسلمين بكافر واحد،
ليس ذمياً حتى ولو تنزلنا إلى وقول الأحناف المرجوح.
وثبت كذلك أنَّ استدلال وتبرير القاضي على اصدار هذا الحكم
المخالف للشرع بالزلة التي ذهب إليها الأحناف كما جاء في صحيفة الانتباهة
الاثنين 22 من شوال، أو استناداً على القانون الجنائي السوداني كما جاء في
صحيفة الرأي العام عدد الثلاثاء 23 من شوال، قول مردود لمخالفته للحديث
الصحيح الصريح، ولعمل العامة من أهل العلم مما يحتم الرجوع عنه.
ثانياً: أمَّا بالنسبة لقتل السائق السوداني عبد الرحمن
عباس فعقوبته الدية، فمن قُتِل عمداً من المسلمين فإن عفا واحد من أولياء
الدم ينتقل الحكم من القصاص إلى الدية، وجزى الله والده خيراً بعفوه وزاده
رفعة في الدنيا والآخرة.
أمَّا عدم عفو زوجه فلا قيمة له؛ لأنها ليست من أولياء
الدم، وليس لها أي نصيب حتى في الدية وهذا من الأبجديات.
ثالثاً: في الشرع يكون القصاص بضرب العنق بالسيف، أمَّا
القتل شنقاً حتى الموت فهذه بدعة منكرة عند الكفار لا يحل مجاراتهم فيها.
وأخيراً أرجو من الحكام والقضاة أنْ يتقوا الله في أنفسهم
وفي هذا الدين وفي المسلمين، وأنْ يُحَكِّمُوا فيهم شرع الله في كل صغير
وكبير، وأنْ يتحروا العدل وقول عامة أهل العلم، ويتجنبوا الأقوال الشاذة
والسقطات، وأنْ لا يتعجلوا الحكم، وليعلموا انَّ زوال الدنيا كلها أهون على
الله من قتل مسلم بغير حق، وجزى الله محكمة الاستئناف خيراً بردها لهذا
الحكم والواجب عليها رده وعدم التصديق عليه، والله من وراء القصد.
|