لا
جديد في الفقه الإسلامي
"ما لم يكن في ذلك اليوم ديناً
فلن يكون اليوم ديناً"
الحمد لله الذي أكمل علينا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي
لنا الإسلام دينا، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد الذي تركنا على المحجة
البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، القائل لعمر رضي الله عنه
وقد رآه يتصفح شيئاً من الإنجيل: "أمتهوك فيها يا ابن الخطاب؟...".
من حين لآخر يرفع البعض شعاراً نحو (تجديد أصول الدين)
(تجديد الفقه)، (الوسطية)، هذه الشعارات ذات مدلول واحد، وغرض ثابت، ودافع
معروف، وهو السعي للتلفيق بين ما جاء به الإسلام وما أفرزته الحضارة
المادية الكافرة وذلك نتيجة للاستكانة والتبعية التي سيطرت على كثير من
الدعاة المعاصرين.
وبتعبير آخر سلوك نفس الطريق الذي سلكه أصحاب الأديان
المحرفة المبدلة من إقصائهم لتلك الأديان والاستعاضة عنها بنظام وضعي جديد.
على الرغم من أنَّ طبيعة شرعنا مخالفة ومغايرة لما كان عليه أولئك قبل وبعد
التحريف.
مقسمين دين الله عز وجل إلى ثابت ومتغير، يقصرون الثبات على
العبادات: الصلاة والصوم والحج... إلخ، وما سواها فهو قابل للتغيير حسب
مقتضيات الحال، فلكل أهل عصر أنْ يغيروا ويبدلوا ما بدا لهم فلهم أنْ يأتوا
بأصول فقه جديدة، وبأصول جرح وتعديل جديدة، يقبلون بها ما تهواه أنفسهم،
ويردون عن طريقها كل الأحاديث التي توقعهم في جرح مع الكفار.
هذه الدعوى لتبديل الدين وتغييره بالطرق القصرية، وهذا
التيار التجديدي والمدرسة العصرانية، يتولى كبرها عدد من الدعاة وإنْ
تفاوتت درجاتهم في ذلك لكن تتحد غاياتهم وأهدافهم إذ الجميع يضمرون وقد
يقولون ويصرحون، إنْ بلسان الحال أو المقال، إنَّ الشرع الذي تركنا عليه
نبينا صلى الله عليه وسلم لا يصلح ويواكب ما عليه العالم الآن فلابد من
إجراء بعض التعديلات وإحداث شيء من التغييرات على كثير من جوانبه.
يمثل هذا التيار بدرجات متفاوتة: الدكتور محمد عمارة،
الدكتور فتحي عثمان، د. كمال أبو المجد، د. حسن الترابي، وعلى ذات الطريق
الدكتور سليم العوا، والدكتور البشرى، وغيرهم كثير.
يطلق عليهم أهل العلم المُحْدَثين، ويصفونهم بالعصرانيين،
وبالإسلاميين ذوي النكهة العلمانية، أو بالعلمانيين المتزيين بالإسلام وغير
ذلك.
يتشبث دعاة هذا التيار البدعي بشبه داحضة، وزلات لأهل العلم
ساقطة، وتأويلات لبعض الآثار والأفعال التي صدرت من سلف هذه الأمة ما أنزل
الله بها من سلطان، ولم تؤثر عن علم من أعلام الدين المحدثين منهم
والسالفين.
سنشير بشيء من الإيجاز لهذه الشبه، والزلات، والتأويلات
نصحاً للأمة، وتبرئة للذمة ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة،
ومعذرة إلى ربنا، وذوداً عن ديننا وشريعتنا وسنة نبينا، ولعلهم أو بعضهم
يرجعون، فأقول وبالله التوفيق:
من الشبه التي يتشبث بها هؤلاء هدانا الله وإياهم لرد كثير
من الأحاديث والآثار، ولإجازة الاجتهاد مع النص الصحيح الصريح تقسيمهم
للسنة إلى تشريعية وغير تشريعية متشبثين بقوله صلى الله عليه وسلم:: "أنتم
أعلم بشؤون دنياكم"، الحديث.
ومعلوم من دين الله ضرورة أنَّ المراد بالسنة غير التشريعية
هي أخبار وقصص الأمم السابقة التي ساقها وحكاها الرسول صلى الله عليه وسلم
للعظة والاعتبار.
أمَّا بالنسبة لتأبير النخل فالرسول صلى الله عليه وسلم لمْ
يأمر به ولمْ ينه عنه ولهذا عندما لمْ يثمر النخل غير الملقح قال لهم ذلك.
فقصة تأبير النخل هذه ليس فيها سنة لا قولية ولا فعليه ولا
تقريرية وإنَّما هو مجرد رأي رآه.
ثانياً: من الشبه القذرة
التي يرفعا هؤلاء لرد بعض النصوص والإجماع إذا جآءا مخالفان لما يهون،
زعمهم أنَّ
المصلحة ـ المتوهمة ـ أقوى مصادر التشريع بل هي أقوى من النص الصحيح
الصريح ومن الإجماع إذا عارضاها
أول من ابتدع
1 هذه البدعة وادَّعى هذه الدعوى
الفاجرة الكاذبة الرافضي الخبيث المحترق نجم الدين الطوفي المولود 770هـ في
شرحه للأربعين النووية لحديث "لا ضرر ولا ضرار"، وأول من نشر هذا القول
الشاذ المهجور في هذا العصر الشيخ محمد رشيد رضا سامحه الله، في مجلة
(المنار).
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله عن صاحب هذه البدعة الخبيثة
الطوفي: (كان مع ذلك كله شيعياً منحرفاً في الاعتقاد عن السنة حتى أنه قال
عن نفسه أنه:
حنبلي رافضي أشعري هذه إحـدى العبر
وَوُجِدَ له في الرفض قصائد، وهو يلوح في كثير من تصانيفه
حتى أنَّه صنف كتاباً سماه (العذاب الواصب على أرواح النواصب)
2 ومن دسائسه الخبيثة أنَّه قال في
شرح الأربعين النووية: أعلم أن أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض
الروايات والنصوص، وبعض
3 الناس يقول: إن السبب في ذلك عمر
بن الخطاب وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم
من ذلك....
قال ابن رجب: انظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير
المؤمنين عمر رضي الله عنه هو الذي أضل الأمة، قصداً منه وتعمداً ولقد كذب
في ذلك وفجر)
4.
هذا هو الطوفي صاحب هذا الرأي المهجور والبدعة الشاذة التي
أراد بها هؤلاء أن يهدموا الدين ويسقطوا بها جل سنن المرسلين.
ثالثاً: من الشبه التي يريد
استغلالها دعاة تبديل الدين وتجديده وتغيير ما يهون تغييره التقسيم الفني
الحادث5 الذي
هو ثمرة من ثمار علم الكلام أعني
تقسيم الأحاديث
إلى أحاديث متواترة وأحاديث آحاد حسب رواة السند كثرة وقلة
علماً بأن الأحاديث المتواترة تواتراً لفظياً لا يزيد
عددها عن أصابع اليدين والرجلين، وجل الأحاديث أحاديث آحاد، رواها الثقات
الأثبات وتلقتها الأمة بالقبول.
لو خطر ببال أؤلئك الأئمة الأخيار أمثال النووي وابن الصلاح
وغيرهما رحمهم الله أن هذا التقسيم فيه أدنى شبهة لرد الأحاديث الصحيحة
ودفعها لما تفوهوا به وسطروه في مصنفاتهم.
والدليل أن هؤلاء الأئمة الأخيار يثبتون بأحاديث الآحاد هذه
التي ردها أهل الأهواء من المعتزلة ومن قلدهم:
زعم البعض أن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت والدلالة ولهذا لا
يأخذون بها في العقيدة والأحكام ولا تفيد العلم القطعي في زعمهم مردود.
فالحديث إذا صح وثبتت نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
وتلقته الأمة بالقبول وجب الأخذ به من غير استثناء يدل على ذلك حديث: "إنما
الأعمال بالنيات" الذي اعتبره العلماء ثلث الدين وهو حديث آحاد بل هو عزير
مشهور.
لهذا لا يحل لمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرد حديثاً
صح عن رسول الله صلى اله عليه وسلم بحجة أنه حديث آحاد وإنما هذا سلوك أهل
البدع والأهواء الذين ردوا كثيراً من العقائد والأحكام بهذه الشبهة
6.
ولهذا لا يتردد البعض في ردها في الحال وهذا المنهج مخالف
لما عليه أهل السنة حيث يسعون إلى التوفيق بين نصوص الوحيين ولا يتعجلون في
رد بعضها لعلمهم أن الكل وحي من عند الله وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا
ينطق عن الهوى.
ويمثلون لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الميت يعذب
ببكاء أهله عليه" الحديث ويزعمون أنه مخالف لظاهر قوله تعالى: "وَلاَ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"
7 الآية. وقد جمع العلماء
الربانيون بين هذه الآية والحديث بأن الميت الذي يعذب ببكاء أهله عليه هو
الذي يأمر ويوصي أهله أن ينوحوا ويصفوه بكذا وكذا كما كانت عادة الجاهليين،
أو بالذي يعلم أن أهله سينوحون عليه ولم ينههم ويحذرهم عن ذلك في حياته،
ونحو ذلك.
وقد ألف بعض أهل العلم مصنفات في هذا الفن تعرف بـ(المؤتلف
والمختلف) كما فعل الإمام ابن قتيبة وغيره رحمهم الله.
فبان بذلك أن هذا ليس سبباً يجيز رد نص صحيح صريح.
التأويل منه ما هو محمود مستساغ، ومنه ما هو مذموم مردود.
من الأدواء التي ابتليت بها الأمة منذ عهد بعيد داء التأويل
الذي لا يقوم على دليل ولا برهان وليس له خطام ولا زمام بدءاً بتأويل
الأشاعرة والماتريدية لجل صفات الباري سبحانه وتعالى ومخالفتهم لما كان
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان في القرون
الفاضلة حيث أثبتوا كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تأويل
ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.
ومن شؤم البدعة أنها تقود إلى بدعة أخرى فبسبب هذا التأويل
المذموم قسمت الأمة إلى مدرستين تقسيماً ظالماً جائراً:
وشبهة هذا التقسيم مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه
وهم خارجون لغزو بني قريظة: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة".
فعندما دخل وقت العصر صلى نفر من الصحابة اجتهاداً العصر وقال جلهم: والله
لا نصليها إلا في بني قريظة وإن اشتبكت النجوم أو كما قالوا. فلم يثرب
الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد منهم. لماذا؟ لأنه أمر قد فرغ منه فما
فائدة التثريب؟
ومعلوم عند الله عز وجل وعند عامة العلماء المحققين أن الحق
عند الله واحد لا يتعدد.
يقول الدكتور محمد عمارة منتقصاً سلف هذه الأمة وخلفها
المقتدين بسنة نبيهم: (فهناك النزعة النصوصية الحَرْفية. التي يمثلها
الحشوية
8 القدماء والتي يمثلها اليوم
السلفيون ـ النصوصيون ـ الحَرْفيون).
وقسم عمارة التأويل تحت مبحث (النظرية الإسلامية في
التأويل) إلى نوعين:
1. التأويل العبثي ـ ويعني به التأويل الباطني.
2. التأويل في المنهج الإسلامي ويعني به تأويل أهل الأهواء
9.
وكلاهما تأويل عبثي بل التأويل الباطني قد يكون كفراً.
من الشبه التي يثيرها دعاة التجديد البدعي أن بعض الأحاديث
تصادم العقل ومعلوم كذلك أن صحيح المنقول لا يعارص صريح المعقول، أما
العقول المريضة التي ملؤها وحشوها الشبه فنسأل الله لها العافية.
مبدأ هذه البدعة الخبيثة كان من المعتزلة الذين جعلوا
العقول حكماً على النصوص ثم جاراهم فيها وقلدهم من بعدهم ولله در شيخ
الإسلام ابن تيمية حيث صنف سفره القيم (درء تقارض العقل والنقل) رد فيه على
أهل الأهواء هذه الشبه.
من الشبه التي يرفعها هؤلاء القوم ويبررون بها سعيهم لتجديد
الدين وتغييره حتى يصير مواكباً لما عليه أهل الحضارة المادية الكافرة أن
بعض الأحاديث من رواية المشكوك فيهم من أمثال أبي هريرة رضي الله عنه كما
زعم بعضهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم تقليداً لأئمة الضلال أمثال شيوخ
المعتزلة ومن شاكلهم.
فالصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بتعديل الله ورسوله
لهم ومن رام جرحهم فهو المجروح الزنديق.
ورحم الله أبا زُرعة الرازي حين قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص
أحداً من الصحابة فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء
به حق، وما أدى ذلك كله إلا الصحابة، فمن جرحهم، فقد أراد إبطال الكتاب
والسنة).
من الشبه التي يرفعها هؤلاء للتبرير لهذه الدعوى المخالفة
لما جاء به صاحب الشرع، الادعاء بأنهم يراعون مقاصد الشريعة، بينما هم
نابذون للشريعة وراءهم ظهرياً في ذلك. فقد اكتفوا من الإسلام والشرع ونصوص
الوحيين بالنكهة والمزاج فقط وما علموا أن المقصد الأساس لهذه الشريعة
السمحة هو الاعتصام بنصوص الوحيين لا التفلت والتحايل والجرأة على ردها
وتأويلها تأويلاً باطلاً مذموماً.
بجانب ما سبق من الشبه المدحوضة المردودة بغير رد يتشبث
هؤلاء كذلك مؤيدين لمشروعهم الخاسر هذا، ودعوتهم الباطلة تلك من أنه يجوز
رد النصوص الصحيحة الصريحة ودفعها والإتيان بتشريعات تخالفها بالآتي:
وحاشا عمر أن يعطل نصاً وهو من حماة حمى الشريعة ولكن عمر
رأى أن الإسلام قد عز بأهله ولذلك لا حاجة له في تأليف أحد وعلى هذا
المنوال سار الخليفتان الراشدان عثمان وعلي رضي الله عنهما.
أما النص فباق إلى يوم يبعثون فإذا الإمام رأى أن يتألف
البعض فله أن يعطيهم من الزكاة وذلك لأنه يجوز صرف الزكاة كلها في صنف واحد
من الأصناف الثمانية في أرجح قولي العلماء.
هذا ما يتمناه هؤلاء وتتخيله عقولهم الباطنة وإلا فحد
السرقة لا يقام إلا إذا توفرت فيه شروط منها:
أن لا يكون السارق مضطراً محتاجاً كحال غلمان حاطب رضي الله
عنه. قال الشيخ منصور بن يونس البهوتي: (ويشترط للقطع في السرقة ستة
11 شروط. ثم ذكرها إلى أن قال:
الشرط الرابع: أن تنتفي الشبهة عن السارق لحديث: "ادرأوا
الحدود بالشبهات ما استطعتم"
12)
13.
عمر رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا
بالتمسك بسنتهم ولهذا عندما أكثر الناس من شرب الخمر في بعض الأقاليم رفع
عمر رضي الله عنه الحد إلى 80 جلدة، منها أربعون حداً والأربعون الأخرى
تعزيراً.
فأين الاجتهاد مع النص؟
من شواهدهم الساقطة الداحضة على هذه الدعوى إمضاء عمر رضي
الله عنه لطلاق الثلاثة في كلمة واحدة وكان في عهد رسول الله وأبي بكر
وصدراً من خلافة عمر تعد واحدة.
فعل عمر ذلك كذلك تأديباً وزجراً وقد ندم في آخر خلافته أنه
ما رد الناس إلى الأمر الأول.
حل نكاح المسلم للكتابية هو كحل أكل المضطر للميتة بل هو
أخس من ذلك وكانت كراهية عمر لذلك غيرة على الأبناء وخشية أن يؤدي ذلك إلى
بوار المسلمات وبهذه المناسبة فإن زواج المسلم للكتابية لا يحل إلا بهذه
الشروط:
1. أن تكون ذمية تعيش بين ظهراني المسلمين لا أن يهاجر لها
في ديار الكفر.
2. أن يرجو إسلامها.
3. إذا خشي على نفسه من الوقوع في الزنا.
لم يتزوج أحد من الصحابة كتابية ذمية إلا حذيفة تزوج يهودية
ثم طلقها بعد وعثمان عقد على نصرانية ولكنها عندما دخلت عليه كانت مسلمة.
فحق لعمر كراهية ذلك الأمر لأن إباحة ذلك مقرونة بالاضطرار.
سادساً:
من الشواهد لغريبة التي جادت بها قريحة دعاة تجديد الدين كما قال عمارة14:
عندما غلا السعر بالمدينة وطلب البعض من الرسول صلى الله عيه وسلم أن يسعر
لهم قال: "إن الله هو المسعر..." الحديث ولم يسعر ثم أجاز بعض الفقهاء
التسعير.
لا شك أن التسعير يجوز في السلع التي تستوردها الدولة أو
تدعمها بطريق مباشر أو غير مباشر. أما ما لا تستورده الدولة ولا تدعمه فلا
ينبغي أن يسعر وإنما يترك الأمر فيه للعرض والطلب
15 وفي عهد الرسول صلى الله عليه
وسلم كانت الدولة في بداية نشأتها ولم تكن تستورد ولا تدعم سلعة ولهذا أبى
الرسول الكريم أن يسعر لهم.
ارجع لما عناه القرافي بذلك لتعلم أن مراده بذلك كما وضحه
بالأمثلة في نفس المرجع وملخصه: أن التشريعات الإسلامية منها ما ينفذه
الإمام ونوابه، ومنها ما ينفذه القضاة، ومنها ما يخص الفرد العادي.
أما أن يريد القرافي بذلك ما يهواه المجددون من تقسيم السنة
إلى تشريعية وغير تشريعية، أو فصل الدين عن الحياة فحاشا هذا الإمام أن
ينسب إليه شيء من ذلك.
ثم مثل لذلك بـ:
ترك النهي عن المنكر مخافة حدوث ما هو أنكر منه ثم بين أن
إنكار المنكر درجات.
وكذلك قال مبيناً المراد بتغيير الفتوى واختلافها بتغير
الأحوال: إذا وجد نص عام وخاص، قدم الخاص على العام كما هو معلوم.
ثم ذكر قول الخرقي في مختصره: (لا يقام الحد على مسلم في
أرض العدو ـ في الغزو)
18 حتى لا يفتن هذا الشخص خاصة لو
كان قائداً أو من أهل الشجاعة والإقدام.
ولكن لا بد من إقامة الحد عليه ـ طالما أنه رفع للإمام ـ
بعد رجوعه.
فأين الشاهد على ما يقول هؤلاء؟
أقول إن كانت هذه أمثل شبههم وأقوى شواهدهم على ما عزموا
عليه من هذه الفعلة الشنيعة والجرأة المهلكة فعليهم أن يكونوا شجعاناً
ويرجعوا إلى ما عليه أهل الإسلام قديماً وحديثاً فالرجوع إلى الحق فضيلة
والتمادي على الباطل والاستكبار عن قبول الحق رذيلة ليست بعدها رذيلة.
وليعلموا أن الله حافظ لدينه وأن علماء الأمة لهم بالمرصاد
فلن تخلو الأرض في يوم من الأيام عن ذاب ومدافع عن هذا الدين فما أطيب أثر
العلماء على الإسلام والمسلمين وما أخبث وأضر دعاوى المتقلبين.
التجديد المزعوم قاصر على الأمور التي توقع هؤلاء المنهزمين
في حرج مع الكفار والمنافقين
لهذا فهم يريدون استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وذلك بـ:
1. تحليل الملاهي كلها.
2. التحاكم إلى النظام الديمقراطي اللاديني الذي لا يقوم
إلا على أنقاض الإسلام بشبهة ألا فرق بين الشورى الإسلامية والديمقراطية
الكافرة.
3. رفع الكفر عن اليهود والنصارى.
4. إبطال حد الردة.
5. تحرير المرأة من الأوامر الشرعية.
6. الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية
بتولي الإمامة الكبرى والصغرى والقضاء وأن تكون قوامة على الرجال.
7. التسوية بين المسلم والكافر في القصاص برد قوله صلى
الله عليه وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر".
8. إباحة الإختلاط المأمون كما يزعمون بين الرجال والنساء
في الدراسة والعمل والاحتفالات...إلخ.
9. أن تكون العلاقة بين الخلق قوامها المواطنة وليس
الأخوة الايمانية والرابطة الدينية.
10. السعي لتغيير فقه الأسرة حتى يواكب ما عليه الكفار
ولتشيع الفاحشة في الذين آمنوا:
(أ) بالدعوة للتسوية بين المرأة والرجل في الولاية في
النكاح رداً لقوله: "لا نكاح إلا بولي".
(ب) تحديد سن الزواج كما هو الحال عند الكفار.
(ج) السعي لسن قوانين تحرم التعدد لتشيع الفاحشة في الذين
آمنوا كما شاعت في الذين كفروا.
(د) تحريم ختان الأنثى السني
بالخلط المتعمد بينه وبين الختان الفرعوني.
(هـ) مجاراة ومجاملة لنساء
الكفار ـ فالطاهرة في كل شيء تؤذي الكفار كما حكى الله عن قوم لوط في ذمهم
الفئة المؤمنة: "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ"
19.
(و) أن لا تنفصل وتعتزل الزوجة
إذا أسلمت من زوجها الكافر وإنما يبقيان معاً.
11. إنكار بعض الحدود كحد الزاني المحصن فلا يرجم وكذلك حد
السرقة فلا تقطع يده لأن هذه وحشية في زعمهم ـ على الرغم من أن العالم الآن
تحكمه سياسة الغاب. بل بلغت الجرأة بأحدهم أن وصف الشريعة الإسلامية بأنها
شريعة القطع والبتر. وما شابه ذلك.
12. إباحة الإجهاض.
13. تحديد النسل.
14. موالاة الكفار والسعي لتوحيد الأديان.
15. الجمع بين بيوت الله المساجد وغيرها من بيوت الشياطين
في مكان واحد.
وإلا لماذا لم يطل هذا التجديد مثل:
1. الإستنجاء والاستجمار.
2. الوضوء والغسل والتيمم.
3. الصلاة، الصوم، الحج، ... إلخ.
4. أحكام الحيض والنفاس.
وثمة شيء آخر وهو لِمَ يرفع هذا الشعار ـ تجديد الفقه ـ أو
الدين في الماضي وظل الناس على ما تركهم عليه نبيهم إلا في هذا العصر الذي
كثرت فيه البلايا واختلت فيه الموازين والمفاهيم واستكان فيه المسلمون سيما
الذين يصفون أنفسهم بالمستنيرين؟
التجديد السني الشرعي في ديننا هو أن يهيء الله عز وجل من
حين لآخر لهذه الأمة المرحومة من يجدد لها دينها وذلك بإحياء السنن التي قد
أميتت، وإماتت البدع والمحدثات التي فشت، وردها إلى الأمر الأول كما فعل
المجددون الأخيار أمثال عمر بن عبد العزيز والشافعي وغيرهما من إخوانهم
المصطفين الأبرار مصداقاً لقول رسولها صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها"
20.
هذا هو التجديد السني وما سواه تبديل وتحريف وتغيير لشرع
نبينا تحت أي اسم كان ولهذا قال عمر رضي الله عنه: (عليكم بالعتيق).
فليتق الله هؤلاء المجددون المدعون في أنفسهم، وفي هذا
الدين، حتى لا يكونوا فتنة للذين كفروا ولرقيقي الدين من المسلمين سيما
ويظن بهم العامة خيراً ويحسبونهم من أهل العلم المقتدى بهم ولهذا يحتج
بأقوال وفتاوى هؤلاء الكفار والمبتدعة والذين يريدون التحلل من كثير من
الأوامر الشرعية فيبؤون بإثمهم وإثم من نعق بأقوالهم وفتاويهم وتجديداتهم
فليسعهم ما وسع السلف الصالح فمن لم يسعه ما وسع رسول الله وصحبه والتابعين
لهم بإحسان فلا وسع الله عليه.
يتهم هؤلاء (المجددون) سلف هذه الأمة وخلفها الأخيار
وينتقصونهم بأنهم مقلدة، وشهد الله لم أر مقلداً أكثر من هؤلاء ولمن؟ لأحط
خلق الله وأبعدهم عن اتباع الحق. فهم مقلدون للفلاسفة والمتكلمين أمثال
النظام والعلاف وعمرو بن عبيد وللمستشرقين وللزلات والهفوات والسقطات التي
تصدر من بعض أهل العلم ومعلوم من الدين ضرورة كما قال الإمام سليمان التيمي
رحمه الله: (من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أو كاد وتجمع فيه الشر
كله). فهم أخس وأحط من مقلدة أئمة المذاهب في كل ما يقولون من العوام.
فما من دعوى يدعونها إلا وتجدها أخذت وسرقت من أحد أولئك
الذين ذكرنا من غير نسبة لقائلها.
أما علماء السلف والخلف الأخيار فهم متبعون لا مقلدون. بل
لقد ذموا التقليد ذماً كثيراً وقالوا: (لا فرق بين مقلد وبهيمة تقاد)
والتقليد مأخوذ من القلادة التي تقاد بها الدابة.
يدعي هؤلاء (المجددون) أنهم مجتهدون ويتهمون علماء السلف
بأنهم مقلدون منادون بقفل باب الاجتهاد.
ونطمئن هؤلاء أن باب الاجتهاد مفتوح وسيظل مفتوحاً لأهله
الذين توفرت فيهم شروطه التي بينها العلماء أما من سواهم فلا حظ لهم في
الاجتهاد.
يقول الدكتور محمد عمارة منتقصاً لعلماء أهل السنة وهو أحد
المنظرين لهذه الدعوى في عتو واستكبار: (أما العوام الذين علا صوتهم في
حياتنا الفكرية، وخاصة بعد سيادة التقليد وتوقف الاجتهاد... وفي اعتقادي أن
هذا اللبس قائم في نطاق عوام الفكر الإسلامي وحدهم... والذي ينفي شبهة
التعامل والتعارض والتناقض التي شاعت وتشيع مقولتها: (لا اجتهاد مع النص)
على ألسنة وكتابات عوام المثقفين المسلمين)
21.
لم يكن ولن يكون إلى يوم يبعثون اجتهاد في المسائل التي
فيها نص صحيح صريح رغم أنف
22 الدكتور محمد عمارة ومن شايعه.
وإنما الاجتهاد يكون في الاتي:
1. المسائل التي لم يرد فيها نص من صاحب الشرع.
2. في المستجدات، نحو اجتهاد أهل العلم في قياس المخدرات
عندما ظهرت على الخمر فأوجبوا إقامة حد شارب الخمر على متعاطيها، فإذا
استجد أمر فلولاة الأمر من العلماء أن يجتهدوا في ذلك. ويقيسوها على
مثيلاتها.
3. التأويل المستساغ لبعض النصوص.
4. في ابتكار وسائل للدعوة لا تخالف غايات ومقاصد الشرع.
هذه هي المجالات التي يحل فيها الاجتهاد فماذا بعد الحق إلا
الضلال؟!، أمَّا من أراد التفلت والتمرد على الشريعة فله ذلك فمن لم يستح
فليفعل ما يشاء وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
كتبت وذكَّرت به بمناسبة الحوار الذي سيقدمه الدكتور سليم
العوا بعنوان: (تجديد الفقه الإسلامي) في قاعة الشهيد الزبير يوم الإثنين
14 من ذي القعدة 1430هـ الموافق 2/11/2009م الذي تستضيفه هيئة الأعمال
الفكرية بالتعاون مع جامعة إفريقيا العالمية.
وقد ساءني جداً تعاون جامعة إفريقيا العالمية مع هيئة
الأعمال الفكرية إن صح ذلك ولإقامة هذا الحوار بهذا العنوان المشبوه (تجديد
الفقه الإسلامي) وذلك لعلو مكانتها وطيب سمعتها ونبيل رسالتها لأن التعاون
لا يحل إلا على البر والتقوى نحو السعي لنشر العلم النافع ولتصحيح العقائد
من الممارسات الشركية ومحاربة البدع والمحدثات وتبصير الأمة بما يحيط بها
من دسائس ومؤامرات وما شابه ذلك. أما التعاون مع المنظمات والهيئات
والشخصيات الي عليها مآخذ شرعية فلا يحل أبداً.
ومعلوم أن الدين تم وكمل فليس بعد التمام إلا النقصان
والخسران وقد صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم قوله: "تركت فيكم ما إن
تمسكتم به لن تضلوا أبداً"، وقوله: "كل أمتي يدخلون الجتة إلا من أبي".
قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
لقد صكت آذاننا بالدعاوى الكاذبة، والشعارات الفارغة،
والمصطلحات المضللة
23 منذ سقوط الدولة العثمانية، فلم
تجن الأمة من ذلك إلا الخراب والدمار والاستعمار والاستكانة والخضوع للكفار
فمن أراد العزة في غير الإسلام والفقه الذي تركنا عليه سيد ولد عدنان أذله
الله فما لم يعرفه البدريون من هذا الدين فليس بدين فعليكم بالعتيق واحذروا
دعاوى التجديد والتبديل والتحريف وموالاة أعداء الملة والدين من الكفار
والمبتدعة والمنافقين تكونوا من الفائزين.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الصادق الأمين
وعلى آله وصحبه والتابعين.
|