يا أمة قد ضحكت من جهلها الأمم
يا شباب المسلمين ألهذا خلقتم؟!، أم للعبث واللهو وجدتم؟!
شباب قنع لا خير فيهم        وبورك في الشباب الطامحين

 

أحكام متعلقة بكرة القدم وأمثالها

 

الشباب هم ذخيرة الأمة وعدتها في حاضرها ومستقبلها، وقد كان الشباب هم الذين نصروا رسول الإسلام وقادوا الجيوش العظام، وحطموا الطواغيت والأصنام، ونشروا العلم بين الأنام، فكان أسامة بن زيد وهو شاب رضي الله عنهما قائد وأميرغزوة مؤتة، وكان جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما من الشباب غير البالغين يتطاولون حتى يخرجوا في الغزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدث في بدر. وقد تصدر الإمام الشافعي للفتوى والتدريس في عهد الإسلام الزاهر وهو في سن الخامسة عشر. وأعجب من هذا وذاك ما رواه عبد الرحمن بن عوف كما صح عند مسلم قائلاً: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين1 من الأنصار، حديثة أسنانهما تمنيت أنْ أكون بين أضلع2 منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟، قال: قلت نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟، قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.

قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، قال: فلم أنشب أنْ نظرت إلى أبي جهل يزول3  في الناس، فقلت: ألا تريان؟، هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه)4.

هذا كان دأب عامة شباب الإسلام، التسابق إلى الخيرات، والحرص على معالي الأمور والابتعاد عن سفاسفها إلى أنْ وقعت الكارثة ونزلت النازلة بإسقاط الدولة العثمانية في 1925هـ على أيدي اليهود والخونة من المنتسبين إلى الإسلام، وقُسِّمت واستعمرت ديار الإسلام، وأقصيَ الإسلام عن الساحة واستبدل الحاكم الذي هو أدنى بالذي هو خير في نظام الحكم، والتعليم، وفي شؤون الحياة المختلفة، فحل التعليم العلماني محل التعليم الإسلامي، وسعت وسائل الإعلام كما هو مقرر في بروتوكولات حكماء صهيون لإفساد العقائد والأخلاق، وصرفت همم شباب الأمة إلى ما فيه هلاكهم ودمارهم دنيا وأخرى.

من هذه الوسائل الخبيثة اللعب واللهو، فكان لكرة القدم من ذلك القدح المعلى والنصيب الأوفر، حيث تولى الحكام تنظيم هذا المشروع ورصدوا له من الميزانيات والأموال ما لم يرصد لكثير من الحاجيات والضرورات ليلهو الشباب عما خلقوا من أجله، وليشغلوهم عن تقصيرهم وتفريطهم في حق الرعية.

يمثل هذا السلوك المشين والعمل الخاسر المهين أصدق تمثيل ما حدث ونتج من مباريتي الفريقين المصري والجزائري في القاهرة والخرطوم، وما رافق ذلك من السفه، والطيش، والسباب، والشتم، والتعدي على الأموال، والأعراض، والأبدان، والموالاة الشيطانية، والأعمال الصبيانية، والاسراف في الإنفاق على هذه المهازل من الحكام والموسرين المترفين، وإقامة جسور جوية تنقل المهرجين من أقاصي البلاد ليشهدوا على أنفسهم وعلى اخوانهم يوم القيامة بما كانوا يلعبون ويفعلون.

المسؤول الأول عن ذلك هم الحكام، ويليهم المترفون من الأنام بحكم الله عز وجل: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"، (الإسراء: 16).

فويل للرعية من الحكام، و ويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ للحكام من الرعية، ألا يعلم هؤلاء الحكام والمترفون أنهم موقوفون وعن كل هذا العبث والسفه والانفاق محاسبون بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تزول قدما ابن آدم عن الصراط حتى يسأل عن أربع: منها عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه"، كما صح بذلك الخبر.

أيها المسلمون حكاماً ومحكومين اتقوا الله في دينكم وفي أنفسكم وفي اخوانكم المسلمين، وحاسبوا أنفسكم قبل أنْ تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أنْ توزن عليكم، وتزينوا ليوم العرض الأكبر، وسارعوا بالتوبة النصوح قبل أنْ تبلغ الروح الحلقوم، واحذروا أنْ يموت أحدكم على سوء الخاتمة كما حدث لأولئك النفر الذين ماتوا بنوبات قلبية لانهزام فريقهم، أو لهلاك فنانهم مصداقاً لقوله تعالى: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا*أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا"، (الفرقان:43-44).

أحكام متعلقة بكرة القدم وأمثالها

هنالك أحكام شرعية متعلقة بهذه اللعبة وغيرها من الملهيات يجهلها كثير من الناس ينبغي بيانها وتوضيحها نصحاً لله، وللأمة، وتبرئة للذمة ليتجنبها من وفقه الله، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، من ذلك:

1. أنْ يمارس الشخص هذه اللعبة لبناء جسمه وتقويته فلا بأس بذلك وإنْ كان ينبغي أنْ يكون لهو شباب هذه الأمة في الرمي كما أمرهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث عليه: "وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا"5، "ارموا بني اسماعيل فإن أباكم كان رامياً"6 شريطة أنْ يلبس لباساً لا يصف، ولا يشف عورته، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، وأنْ لا يشغله ذلك عن واجب ديني نحو شهود صلاة الجماعة.

2. أما أنْ يُتَّخذ اللعب حرفة ومهنة للاكتساب والارتزاق فهذا لا يحل كما لا يحل كسب المرابي، والفنان، والموسيقار، والممثل، وما شابه ذلك.

3. لا يحل الإنفاق على لعب الكرة ولا التشجيع على ذلك لا من قبل الحكام ولا غيرهم؛ لأنَّ هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان دعك أنْ تكون هناك وزارة وميزانية لذلك.

4. الأموال التي تبذل في شراء اللاعبين وجلب المدربين دعك عن التي تدفع للسحرة والمشعوذين حيث أضحى لكل فريق ساحر أوعدد من السحرة سيحاسب عليها منفقوها حساباً عسيراً.

5.  التهريج، والصخب، والتشجيع لا يحل، وكذلك مشاهدة المباريات سيما بمال دعك من السفر لذلك.

6. لا يحل لهذه الفرق الرياضية التي تسافر للعب الاستمتاع والاستفادة من الرخص الشرعية كالفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، والجمع في أرجح قولي العلماء لأنَّ هذا سفر معصية.

7.  الولاء والبراء بحسب انتساب الشخص لفريق من الفرق المشهورة ولاء وبراء جاهلي.

8. الوقت، والفراغ، والصحة نعم عظيمة فلا تغبن فيهن أخي المسلم.

وأخيراً أقول: لقد ساءني جداً وأحزنني كثيراً البيان الذي خرج عن هيئة علماء السودان -هدانا الله وإياهم-، لما حواه من كثير من المخالفات الشرعية، وفي إقرارهم لهذا اللعبة المخزية -كرة القدم- بأنها أصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه، وليتهم سكتوا وصمتوا فمن صمت نجا. فإني أربأ بإخواني العلماء أنْ لا يسقطوا مثل هذه السقطات، أو أنْ يستجيبوا لتوجيهات المسؤولين، أو أنْ يجاملوا وينافقوا الناس فيما يهون.

والله أسأل أنْ يردنا إليه جميعاً رداً جميلاً، وأنْ يختم لنا بخير، ويجعل عاقبة أمورنا كلها إلى خير، وصلى الله وسلم على من بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه البررة الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.