قياس اتفاقيات الاستسلام والخزي1
على صلح الحديبية
قياس مع الفارق الكبير
من حيث المبدأ لا شك في جواز مصالحة الكفار إلى حين إن كان
في ذلك مصلحة راجحة للإسلام والمسلمين شريطة:
1. أن لا يكون في ذلك مخالفة شرعية.
2. أن يكون لأجل محدود وليس مطلقاً في أرجح قولي العلماء.
3. أن ينقض الصلح إذا لم يفِ الكفار بما صولحوا عليه كما
فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة.
4. أن يتم ذلك بقناعة من إمام المسلمين، ومن غير ضغوط
خارجية من الكفار.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم معلقاً على
الأحاديث التي وردت في صلح الحديبية: (وفي هذه الأحاديث دليل جواز مصالحة
الكفار إذا كان فيها مصلحة، وهو مجمع عليه عند الحاجة، ومذهبنا أن مدتها لا
تزيد على عشر سنين إذا لم يكن الإمام مستظهراً عليهم، وإن كان مستظهراً لم
يزد على أربعة أشهر، وفي قول يجوز دون سنة. وقال مالك: لا حد لذلك بل يجوز
ذلك قل أم كثر بحسب رأي الإمام والله أعلم)2.
من التدليس الواضح، والغش الفاضح، والقياس الفاسد للراعي
والرعية جميعاً تبرير بعض المشايخ هدانا الله وإياهم لاتفاقيات الخزي
الاستسلامية الجائرة التي يفرضها الكفار على بعض حكام المسلمين، التي
يحددون أهدافها، ويصوغون أجندتها، ويختارون مواضع انتعقادها، ويتدخلون في
تحديد أسماء المفاوضين من قبل المسلمين نحو اتفاقية كامب ديفيد لتطبيع
العلاقات مع الدولة الصهيونية التي زرعها الكفار خنجراً في قلب الشرق
الأوسط، وفي أرض الإسراء والمعراج فلسطين بقدسها الشريف، ومسجدها الأقصى
العتيق وقد طهر أسلافهم ـ مرات عدة على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
وصلاح الدين الأيوبي رحمه الله وغيرهماـ تلك الديار وطردوا منها الصليبيين،
واتفاقية أوسلو للاعتراف بالنبت الشيطاني إسرائيل في أرض فلسطين، مع إعطاء
أهلها الأصليين حارة من حاراتها، الأمر الذي أدَّى إلى تقوية الكيان
الصهيوني وتوسعه، وإذاقة الفلسطينيين الويلات.
واتفاقية نيفاشا الاستسلامية المخزية الجائرة الظالمة التي
مكنت قلة قليلة من الصليبيين، والشيوعيين من الانفراد بحكم الجنوب الذي
تزيد نسبة المسلمين فيه على الصليبيين، هذا بجانب مشاركتهم الشماليين في
حكم السودان المسلم، والسعي لإقصاء الإسلام عنه برفع شعار السودان الجديد،
وأنْ تكون المواطنة لا الدين هي الأصل، وإعطائهم نصف عائدات النفط، وموارد
الثروة الأخرى، مع الاحتفاظ بجيشهم ومليشياتهم في قلب الخرطوم، واستدعاء
قوات أممية من المرتزقة لحماية هذا الظلم لتمكين أقلية صليبية شيوعية على
الغالبية الساحقة من المسلمين، وأعانهم على ذلك إخوانهم من المنافقين،
والعلمانيين الشماليين.
تحمي كل هذا الباطل دول الاستكبار، والمنظمات الكنسية
العالمية مثل مجلس الأمن، والأمم المتحدة، مما أدى إلى تغيير وجه السودان
العربي المسلم بإفساد العقائد، والتشكيك في المسلمات، والثوابت، وإفساد
الأخلاق والسلوك.
هذا بجانب الشر المستطير، والخطر العظيم الذي جلبته هذه
الاتفاقية المشؤومة على وحدة السودان حيث شجعت النعرات الإثنية، والجهويات
العرقية، والحمية الجاهلية فانتقلت العدوى إلى بعض أقاليم السودان المسلمة،
ودُوِّلتْ القضايا المحلية والنزاعات القبلية التي تحدث عادة بين القبائل،
ويسعى الكفار الآن لتقسيم السودان إلى دويلات صغيرة بحدود وهمية، خاب فألهم
وتبددت آمالهم، وكفى الله الإسلام والسودانيين شرهم ومكرهم، مستفيدين في كل
هذا العمل الإجرامي والظلم المترامي من إستجابة الحكومة للضغوط الخارجية
والمحلية، هذا بجانب المواقف الكيدية المخزية التي يمارسها قادة الأحزاب
إذا كانوا خارج السلطة، وسعيهم الحثيث لإسقاط النظام الحاكم لضغائن وإحن
شخصية، والتعاون مع شياطين الإنس والجن لتحقيق هذا الهدف لا يردهم عن ذلك
دين، ولا خلق، ولا وطنية، ولا حمية جاهلية، الذي زاد من ضعف الحكومة وجعلها
مطية للتنازلات عن بعض الثوابت والمسلمات.
هذه هي الثمار الخبيثة، والنتائج المخزية الملموسة لهذه
الاتفاقات التي دعا وخطط لها ونفذها الكفار، وحرصوا عليها وأجبروا وألزموا
بها حكام المسلمين، هذا بجانب البنود السرية الخفية، فما خفي أعظم وأضر
لهذه الاتفاقيات.
وبضدها تتميز الأشياء فما هي شروط ونتائج وثمار صلح
الحديبية ـ بل الفتح المبين كما سماه رب العالمين؟ـ لنعلم الفرق الشاسع،
والبون الواسع، والقياس الفاسد بين هذا الصلح النبوي الذي ظهرت ثماره
ونتائجه بعد حين، وبين تلك الاتفاقيات الاستسلامية المخزية التي أجبر عليها
بعض الحكام، وخطط لها، وأشرف عليها، ونفذها أعداء الإسلام، ويتجرع سمها
وعلقمها أهل الإسلام، ويزداد خطرها ويعظم ضررها في كل وقت وحين.
خرج الإمام مسلم في صحيحه3
عدداً من الأحاديث والآثار في صلح الحديبية تبين شروط الصلح الذي تم بين
رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي وبين مشركي مكة، إليك طرفاً
منها:
1. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (كتب علي بن أبي
طالب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فكتب: هذا ما كاتب
عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لا تكتب رسول الله فلو
نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمحه، فقال:
ما أنا الذي أمحاه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده، قال: وكان فيما
اشترطوا: أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان
السلاح4).
2. وعن البراء كذلك قال: (لما أحصر النبي صلى الله عليه
وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثاً، ولا يدخلها
إلا بجلبان السلاح، السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع
أحداً يمكث بها ممن كان معه، قال لعلي: أكتب الشرط بيننا، بسم الله الرحمن
الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: لو نعلم أنك رسول
الله تابعناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فأمر علياً أن يمحاها، فقال علي:
لا والله لا أمحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني مكانها، فأراه
مكانها فمحاها، وكتب: ابن عبد الله، فقام بها ثلاثة أيام، فلما أن كان
اليوم الثالث، قالوا لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج، فأخبره
بذلك، فقال: نعم، فخرج).
3. وعن أنس أنَّ قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم
فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب بسم الله
الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما بسم الله فلا ندري ما بسم الله الرحمن
الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله،
قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي
صلى الله عليه وسلم: أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه
علينا، فقالوا: يا رسول الله، نكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم
فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
4. قام سهل بن حُنيف يوم صفين5،
فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول
الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال:
بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم
نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن
الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً، قال: فانطلق عمر ولم يصبر
متغيظاً، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال:
بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً، فنزل القرآن على
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح6،
فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت
نفسه ورجع.
1. أن يمحو بسم الله الرحمن الرحيم ويكتب باسمك اللهم.
2. أن لا يكتب محمد رسول الله وإنما يكتب محمد بن عبد الله.
3. رد من جاء من المشركين إلى المسلمين.
4. من جاء من المشركين إلى المسلمين ردوه إليهم.
قال الإمام النووي رحمه الله: (قال العلماء: وافقهم النبي
صلى الله عليه وسلم في ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وأنه كتب: باسمك
اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله وترك كتابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلينا دون من ذهب منا إليهم،
وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا
مفسدة في هذه الأمور.
أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله محمد بن
عبد الله هو أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ترك وصف الله
سبحانه وتعالى في هذا الموقع بالرحمن الرحيم ما ينافي ذلك، ولا في ترك وصفه
أيضاً صلى الله عليه وسلم هنا بالرساله ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه،
وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أنْ يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو
ذلك.
وأما شرط رد من جاء منهم ومنع من ذهب إليهم فقد بيَّن النبي
صلى الله عليه وسلم الحكمة فيهم في هذا الحديث بقوله: من ذهب منا إليهم
فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ثم كان كما قال
صلى الله عليه وسلم فجعل الله للذين جاءونا منهم وردهم إليهم فرجاً ومخرجاً
والحمد لله، وهذا من المعجزات والحمد لله.
قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر
من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام
أهلها كلها، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وذلك أنهم قبل الصلح لم
يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم
كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا
بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم
وأصدقائهم وغيرهم يستنصحونهم، وسمعوا منهم أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
مفصله بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته،
وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك، فما زالت نفوسهم إلى الإيمان
حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلم بين صلح الحديبية وفتح
مكة وازداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما
كان تمهدهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم
إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلم العرب في البوادي، قال تعالى: "إِذَا
جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللهِ أَفْوَاجًا"7)8.
1. صلح الحديبية معجزة من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم
بعاقبة أمره ولهذا سماه الله عز وجل فتحاً في كتابه الكريم، بينما
الاتفاقيات المعاصرة هذه خزي وعار بمآلاتها، السابقة واللاحقة.
2. صلح الحديبية تم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
المؤيد بالوحي من غير ضغط من أي جهة أخرى لما استبان له من فوائده وآثاره،
بينما إتفاقيات كامب ديفيد، وأوسلو، ونيفاشا، وغيرها مهندسوها ومخططوها
ومنفذوها هم الكفار وليس للمسلمين إلاَّ التوقيع.
3. النتائج الباهرة لصلح الحديبية والآثار الظاهرة التي
أهمها أنه كان توطئة لفتح مكة، ودخول أهلها في دين الله أفواجاً، في
المقابل لاتفاقيات الخزي والاستسلام الآثار السلبية، والنتائج العكسية
للإسلام والمسلمين، وتمكين الكفر، والكافرين والمنافقين.
4. ليس في صلح الحديبية مخالفة شرعية واحدة كما بين العلماء
رحمهم الله، بينما حوت الشروط الظاهرة لتلك الاتفاقيات دعك عما خفى العديد
من المخالفات الشرعية التي أخطرها إقصاء الإسلام عن الساحة.
5. ما جلبه صلح الحديبية للإسلام والمسلمين من المصالح
العديدة والفوائد العظيمة في مقابل ما جرته تلك الاتفاقيات من الكوارث
والويلات للفلسطينيين وللمسلمين في السودان، مقابل المكاسب الكبيرة التي
حازها اليهود في إسرائيل، والصليبيون، والشيوعيون، والعلمانيون في السودان.
هذا على سبيل المثال لا الحصر، ولهذا ليس من العدل والإنصاف
قياس مثل هذه الاتفاقيات على الفتح الرباني، والمعجزة المحمدية في صلح
الحديبية، وعلى المشايخ والعلماء أنْ يتقوا الله في إصدار أحكامهم،
وفتاويهم، وفي قياسهم، وليعلموا أنهم موقعون عن الله ورسوله، وأنهم
سيحاسبون على ذلك أو يؤجرون.
وعلى الحكام أنْ يعلموا أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ
بما صلح به أولها، وكان صلاح أولها برفع راية الجهاد، ونصر دين رب الأرباب،
فما أخذ بالقوة لا يرد إلاَّ بالقوة، أمَّا هذه الاتفاقيات والمفاوضات فلن
ينل منها المسلمون إلاَّ الخزي والعار.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله
وسلم على البشير النذير، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين.
|