لا تترك الحقوق والواجبات والمصالح المرعيات
من أجل باطل أو بدعة أو مخالفات

 

نماذج لترك بعض الغيورين الأخيار لحقوق وواجبات ومصالح من أجل باطل، أوبدعة، أوبعض المخالفات

ترك الجمع والجماعات من أجل بعض المخالفات

اعتزال بعض الشباب الملتزم للجامعات المختلطة وغير المختلطة

اعتزال وسائل الإعلام المختلفة والندوات والمحاضرات من أجل التصوير سيم إن كان بغرض التوثيق ونشر العلم

 

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويجعله من العلماء الربانيين الحكماء، ومن لم يرد به خيراً يتركه يجول ويتوه في الضلالات والجهالات مع التائهين.

ما أفقه الحسن البصري رحمه الله فإنه كان من أصحاب البصائر النافذة، والأقوال النافعة، والحكم البالغة.

قال ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار1: (رُوي أن الحسن وابن سيرين كانا في جنازة، وهناك نوح، فانصرف ابن سيرين2 ـ فقيل للحسن في ذلك. فقال: إن كنا متى رأينا باطلاً تركنا له حقاً أسرع ذلك في ديننا) أي يفسد ديننا بتركنا لكثير من الواجبات، وإهدارنا لجل المصالح.

فالنياحة حرام وهي من كبائر الذنوب وقد توعد الشارع الحكيم على هذا الصنيع إن لم يُتَب منه قائلاً: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال3 من قَطِرَان، ودرع من جرب"4.

بل عد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السلوك المشين، والعمل الجاهلي القبيح كفر5 زجراً عنه وتحذيراً منه فقال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت"6.

فأفاد الحديث أمرين هما: أن النياحة حرام، وتنبأ أن البعض لن يدعها إلى قيام الساعة.

واتباع وتشييع جنازة المسلم حق من حقوقه الكفائية على إخوانه المسلمين بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس"7).

فاتباع جنازة المسلم حق، والنياحة حرام فلا يترك هذا الحق من أجل هذا السلوك بل الواجب إنكاره حسب الاستطاعة كما أمر الناصح الأمين: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"8.

فمن عجز عن الإنكار باليد واللسان فقد وسع الشارع عليه في إنكاره بقلبه، وإن كان أضعف الثلاثة، ولكنه عمل إيجابي يؤجر عليه المرء سيما إن خشي من أن يحدث الإنكار باليد واللسان منكراً أكبر، فقد صدر ذلك من خيار هذه الأمة الذين ما كانت تأخذهم في الله لومة لائم.

 فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما كان مروان بن الحكم أمير المدينة من قبل معاوية رضي الله عنهما، وأراد أن يهيء الناس لبيعة يزيد بن معاوية للخلافة، وأنه جدير بها وأهل لها، عزم عبد الله، وقد كان محتبياً وفك حبوته أن يرد عليه: بأن من قاتله وأباه على الإسلام أولى بهذا الأمر ـ لأن مروان وأباه وكذلك معاوية وأباه كانوا من مسلمة الفتح. قال: (فتذكرت الفتنة فسكت).

وذلك لأن درء المفاسد والفتن مقدم على جلب المنافع.

تذكرتُ مقولة الحسن هذه وأنا أستصحب تصرفات بعض الغيورين الأخيار من الكبار والصغار، في إصرارهم على ترك بعض الحقوق والواجبات والمصالح المرعيات، بسبب وجود باطل وارتكاب بعض البدع والمخالفات، فأحببت أن أذكر نفسي ومن يليني ويهمني أمرهم فإن الذكرى تنفع المؤمنين جعلني الله وإياهم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وجنبنا سبيل المستكبرين المستنكفين عن قبول الحق والنصيحة فالحكمة ضالة المؤمن.

ولله در الإمام إسحاق بن أحمد العلثي القدوة الزاهد المتوفى 634هجرية حين قال في مقدمة نصيحة أهداها للإمام ابن الجوزي رحمهما الله: (ولا يغرنك كثرة اطلاعك على العلوم. فرب مبلـِّغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كدر ونهر صافٍ، فلست بأعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له الإمام عمر ـ رضي الله عنه ـ: (أتصلي على ابن أُبَيّ؟) أنزل القرآن : "وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا"9 ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذاً لتعطل الأمر بالمعروف، وصرنا كبني إسرائيل حيث قال الله تعالى: "كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ"10 بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الولي، على تقدير معرفة الولي)11.

فلا خير في العلماء والدعاة إن لم ينصحوا ويقبلوا النصيحة من بعضهم البعض.

نماذج لترك بعض الغيورين الأخيار لحقوق وواجبات ومصالح من أجل باطل، أوبدعة، أوبعض المخالفات

قياساً وتقريراً لما قاله الإمام الحسن البصري رحمه الله نذكر بعض النماذج، ونمثل لبعض الواجبات والحقوق والمصالح التي تترك ولا يبالي بها البعض من أجل باطل أو بدعة أو مخالفة، على الرغم مما يحدثه ذلك من الاضرار، ويفوته من المصالح الكبار لأن الأمثال تقرب البعيد وتوضح الغامض العسير حيث لم يغفلها الكتاب العزيز وحفلت بها سنة الرسول الحبيب.

فأقول وبالله التوفيق:

ترك الجمع والجماعات من أجل بعض المخالفات

 يترك البعض هدانا الله وإياهم شهود الجمع والجماعات في بعض المساجد لما فيها من البدع والمخالفات نحو: التبليغ من غير حاجة، والإصرار على الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبات، وإسبال الإمام أو حلق لحيته ونحو ذلك من المخالفات الشرعية، أو الأمور الخلافية نحو مداومة الإمام على القنوت في الفجر مثلاً.

 هذا مع أمر الشارع الرجال المكلفين الأصحاء المقيمين من غير ذوي الأعذار بشهود الجمع والجماعات بحيث ما كان يتخلف عن صلاة الجماعة في القرن الأول إلا منافق معلوم النفاق ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء والصبح أسأنا به الظن ـ أي حكمنا عليه بالنفاق.

فالراجح من أقوال العلماء أن صلاة الجماعة واجبة، ولهذا عندما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولكن لا يشهد الجمعة والجماعات، فقال ابن عباس: إن مات على هذه الحال فهو في النار. وظل السائل يكررعليه هذا السؤال لمدة شهر كامل فلم تتغير فتواه.

ورضي الله عن الخليفة الراشد عثمان عندما حصره أؤلئك الأشرار في بيته ومنعوه من الإمامة، وقدموا أحدهم سأله أحد الأخيار عن الصلاة خلفه. قال: الصلاة أحسن ما يفعل الناس فإذا أحسنوا فأحسنوا معهم أو كما قال.

فلا يحل ترك هذا الواجب لشيء من هذه المخالفات والبدع ما لم تكن كفرية.

اعتزال بعض الشباب الملتزم للجامعات المختلطة وغير المختلطة

لا شك أن نظام التعليم العالي الرسمي في جل الدول الإسلامية نظام علماني في الجملة على غرار نظام التعليم عند الكفار. ولا شك أن الاختلاط في الجامعات والمعاهد العليا من أحرم الحرام ومن كبائر الذنوب ونتج عنه فساد كبير وشر مستطير.

وأن هناك كثير من المخالفات الشرعية بجانب الاختلاط حتى في الكليات الشرعية نحو تدريس العقيدة الأشعرية أو الماتريدية والفلسفة والمنطق وغير ذلك.

ولا يرد على ذلك بعض المحسنات التي أضيفت نحو متطلبات الجامعة والكليات في بعض البلاد فالحكم للأغلب.

ومما يدعو للحزن والأسى إصرار المسؤولين في التعليم العالي على الاختلاط ـ بل ويدلسون ويضللون العامة بأن الاختلاط في مجال التعليم اختلاط مأمون الجانب ـ على الرغم من الأعداد الكبيرة من البنين والبنات بحيث يمكن أن يقسموا إلى مجموعتين مجموعة للأولاد ومجموعة للبنات وذلك لأسباب:

الأول: عدم استشعارهم لخطورة الإختلاط وحرمته.

الثاني: خوف النقد ممن لا خلاق لهم ولا دين عندهم.

الثالث: تقليداً ومجاراة لما عليه الكفار اليوم.

الرابع: شبه داحضة ونظريات باطلة نحو الإبقاء على روح التنافس.

على الرغم من كل هذا الباطل وتلك المخالفات الشرعية وقياساً على ما فعله وقاله الإمام الحسن البصري في تشييع واتباع تلك الجنازة مع ما يصاحبها من باطل نقول لأؤلئك الشباب الغيورين الأخيار الملتزمين الأطهار الذين يمكن أن يصابروا على المجاهدات والمدافعات، ويسعوا إلى تقليل الشرور ليس الحل اعتزالكم لتلك الجامعات وتركها لقمة سائغة لمن لا خلاق لهم من الشيوعيين والعلمانيين، ليعيثوا فيها الفساد وينشروا فيها الخراب والدمار ويغرروا بالطيبين والطيبات من البنين والبنات.

فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير وأفضل وأحب إلى الله ممن يعتزلهم ويؤثر السلامة كما قال الصادق المصدوق.

علماً بأن الله هو المربي، وأن التربية تربية الله ورسوله كما قال مالك، ومن قبل قال عمر رضي الله عنه: من لم يربه الشرع فلا رباه الله.

وليتذكر قول القائل:

وموسى الذي رباه فرعون مؤمن      وموسى الذي رباه هارون كافر

أن موسى بن عمران رسول الله وكليمه تخرج وتربى في بيت فرعون الطاغية.

وأن موسى السامري الذي كفر وضل بعد هدى تربى في بيت رسالة ونبوة بيت هارون بن عمران عليه السلام. هذا مع السعي الحثيث والعمل الدؤوب لإيجاد بدائل عن هذه الجامعات والمعاهد العلمانية بإيجاد محاضن ومعاهد وجامعات شرعية إسلامية، وليس ذلك على الله بعزيز وعلى أصحاب الهمم العالية والعزائم الكبيرة بعسير.

فما لا يدرك كله لا يترك جله.

فلا يحل لمن يأنس في نفسه الكفاءة والصمود اعتزال ولا الهروب منها إلا لبدائل خير منها.

فكثير من التخصصات الجامعية تحتاجها الأمة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ورحم الله الإمام المازري الفقيه المالكي فقد مرض مرضا اضطره إلى أن يذهب إلى طبيب يهودي كانت بينهما مناظرات ومجادلات فقال له اليهودي: لولا شرف المهنة لقتلتك فاستفزت هذه الكلمة التي خرجت من فيء هذا الخبيث الإمام المازري ودفعته لدراسة الطب وقد تقدمت سنه فدرسه وتعلمه وبرز فيه وكان يفتي فيه كما يفتى في الفقه.

ومن الغريب قطع البعض لدراسته الجامعية وهو في السنوات الأخيرة أو في السنة الأخيرة أو في الفصل الأخير.

لا شك أنّ العلم الذي يجب على المكلف القادر تعلمه أولاً هو علم الشرع من معرفة حق الله وحق الرسول وأركان الإسلام والإيمان ونواقض ذلك، والبدعة من السنة والحلال من الحرام.

فإن لم ينتبه الطالب لذلك ولم يوجه له منذ الصغر فعليه تدارك ما يمكن تداركه.

فقد تعلم الصحابة وهم كبار، وتفقه كثير من السلف وبرعوا في ذلك ومنهم من دخل في التعلم بعد سن الثلاثين أو الأربعين.

فالتوفيق بين تحصيل العلم الشرعي والدراسات الجامعية ليس بمستحيل إذا تعلقت همة الطالب بذلك، وعزم وصمم وداوم واستمر، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

وعلى الشباب الملتزم أن يراعي طاعة والديه في غير معصية الله و أن يحذر غضبهما ومفاصلتهما مع إمكان التوفيق والجمع بين حقوق الله وحقوقهما وقد قرن الله بينهما في قوله تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"12

اعتزال وسائل الإعلام المختلفة والندوات والمحاضرات من أجل التصوير سيما إن كان بغرض التوثيق ونشر العلم

إني أدين الله عزّ وجل بأن تصوير ما فيه روح حرام، ومن كبائر الذنوب ولا فرق عندي بين تصوير ماله ظل وما ليس له ظل وجسم، ولا بين التصوير باليد ولا بآلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سبق تلك الآلات فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس فيعذبه في جهنم" قال ابن عباس: فإن كنت لابد فاعلاً، فاصنع الشجر وما لا روح فيه13.

فكل ما يُطلق عليه لفظ صورة فهو داخل في هذا الوعيد والله أعلم.

لكن هل يمكن أن يكون التصوير الذي لا يقوم به المرء ويكرهه بقلبه سبباً في اعتزال وسائل الإعلام، والندوات والمحاضرات التي ُتصََور بغرض الثوثيق أو نشر العلم والمعرفة في أوسع نطاق مانعاً من تقديم النصيحة والموعظة الحسنة والعلم النافع والأمر والنهي سيما وقد عمت بذلك البلوى في هذا العصر؟

الذي يترجح لديّ أن هذا ليس سبباً مقنعاً في الامتناع عن ذلك لما فيه من الحقوق والمصالح والمنافع والعلم عند من لا تخفى عليه خافية.

وعلى هذا يمكن نقيس كثير من الواجبات التي يعتزلها البعض لوجود بعض الباطل أو المخالفات الشرعية أو البدع والمحدثات فيها. فالضرورات تبيح المحظورات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، عيناً كان ذلك الواجب أو كفائياً.

وأخيراً أقول إن أصبت الحق فيما ذهبت إليه فمن الله وحده وله الحمد والمنة، وإن كانت الأخرى فمني ومن الشيطان والله ورسله بريئان مما أقول والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على الهادي البشير القائل: "إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدينُ14 إلاَّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا" وعلى آله وصحبه وأزواجه خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وعنا معهم والتابعين ياكريم يارحيم.