أيُها المسؤولون أَفرجوا عن أبي عبدالله صادق بن عبدالله

 

من البدع المنكرة والظلم البين الذي درجت عليه أجهزة التجسس في العالم الإسلامي الأخذ  بالظنون الفاسدة، والأوهام الباطلة، والتهم الكاذبة، وسجْن الأبرياء من العلماء الأولياء وطلاب العلم الأتقياء، وحبسهم عن الجمع والجماعات، والقيام بالواجبات، وادخال الرعب والفزع في قلوب ذويهم ومن يليهم، الذي يطلقون عليه من باب التدليس "الاعتقال التحفظي" من غير توجيه تهمة ولا تقديم لمحكمة ولمدد طويلة، وتعريضهم لمشاق عديدة، ومخاطر مهلكة.

السجن والحبس من العقوبات البليغة؛ جاء في تهذيب "الفروق"1 للإمام القرافي نقلاً عن ابن الهندي: (فقد تأول بعضهم قوله تعالى: " إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "2 أن السجن منْ العقوبات البليغة لأنه سبحانه وتعالى قرنه مع العذاب الأليم.

وقد عد يوسف عليه الصلاة السلام الإنطلاق من السجن إحساناً إليه في قوله: " وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ " ولا شك أنّ السجن الطويل3 عذاب. وقد حكى الله تعالى عن فرعون إذ أوعد موسى: "لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ "4).

إذا لم يأخذ بالظنة أصحاب الفراسات الصادقة، أمثال عمر في أبي لؤلؤة، وعلي في عبدالرحمن بن ملجم، فمن دونهم أولى وأحرى.

لقد خسر الإسلام والمسلمون بإغتيال هذين الخليفتين خسراناً كبيراً لكنهم ربحوا ربحاً عظيماً بإرساء هذه القاعدة [عدم الأخذ بالظنة].

وإذا كان الحبس والسجن لا يجوز للمبتدعة والمجرمين من غير دليل ولا برهان، فكيف يحل لأحد من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين؟!

أيُها الحكام اِتقوا الله في أنفسكم، وفي هذا الإسلام الذي تُنسبون إليه، وفي علماء الأمة ومُعلميها الخير و مُرشديها، وفي عامة الرعية.

لقد توعد الله المؤذين لعباده المؤمنين: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"5، وأعلن حربه على أعداء أوليائه، وهم العلماء، وليس المبتدعة الجهلاء.

فقـال فـي الحديث القدسي: "منْ عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب"6، ومـنْ حاربه الله قصمه.

أيُها الحكام، ومنْ يليهم، هل تعلمون أنْ لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم، وظالميهم معلومة؟

قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله ناصحاً ومحذراً لإخوانه المسلمين منْ سلوك هذا الطريق المهلك: (اعلم يا أخي، وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أنْ لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن منْ أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"7 ).

واحذروا دعوة المظلوم، واعلموا أنها لا ترد.

وإذا دعتكم قدرتكم لظلم أحد، والتعدي عليه، فتذكروا قدرة العزيز الجبار.

ورحِم الله عمر بن عبدالعزيز القائل: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك، ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك" أو كما قال.

من العجيب الغريب أنْ تعج المعتقلات والسجون بالعلماء وطلاب العلم مِن الأخيار، وأن يُفسح المجال للكفار والفاسقين الفجار يسرحون ويمرحون ويكرمون، ينشرون الكفر والإلحاد ويسعون في الأرض الفساد، وأنْ تنشأ أقسام خاصة في أجهزة التجسس لمتابعة الأخيار في المساجد لمراقبة الخطب والدروس مع السعي الحثيث للاختراق، وافساد الذمم والأخلاق بحجة مثيلة لما قاله الطاغية فرعون في حق موسى عليه السلام: " إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ"8، وكذلك أقسام لمكافحة الإرهاب المساوي لمحاربة الإسلام باستهداف رموزه من العلماء وطلاب العلم، ومعلوم من دين الله ضرورة أن تجسس المسلم على إخوانه المسلمين لصالح الكفار، مِن قبيل الموالاة الكفرية المخرجة عن الملة.

هل تعلمون أيُها المسؤولون أنكم باستدعائكم للشيخ صادق بن عبدالله، وحبسكم له من غير جريرة، ارتكبتم جرماً عظيمـاً ونلتم إثماً كبيـراً؟ لقد ذهب أبو عبدالله لكسلا لإقامة دورة علمية في العقيدة ـ هذا هو جرمه ـ فقد حرمتم طلابه وحرمتم أهل كسلا من الاستفادة منه، وألبتم عليكم الأخيار، ونالكم من دعائهم عليكم الكثير الكثير، وإياكم أن تحسبوا هذا هيناً وهو عند الله عظيم خطير جد عظيم.

مدينة كسلا تسع العديد من إقامة الدورات والدروس، فليس بعذر أن تعطل دورة علمية أخرى بل وأنْ يُحبس ويُضيق على شيخ عالم تكبد مشاق السفر وترك الأهل والولد والراحة وآثر التعب والنصب لإقامة هذه الدورة مع الحاجة الماسة لها.

هل تعلمون، بتصرفكم هذا أنكم صددتم عن سبيل الله، وحلتم دون نشر العلم الشرعي، وسعيتم في الأرض بالفساد من حيث تشعرون أو لا تشعرون، واغضبتم ربَّ العباد، واثلجتم صدور الكافرين والمعاندين والمشعوذين والجهال.

سارعوا بفك سراح هذا الشيخ، واعتذروا له، ومكِنوه من إتمام دورته وتوبوا عن هذا الجُرم العظيم ولا تعودوا لمثله أبداً، لا معه ولا مع غيره، ولتكن همتكم في مراقبة الملحدين، والكفار، والمبتدعة، والفجار، فليس لكم طاقة بمحاربة الله ورسوله.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجنبنا، وإياكم الزلل وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة وعلى الآل والأزواج والأصحاب النجباء وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء.