أيها الحكام: هل تعلمون أنكم أنتم المسؤولون أولاً عن ظاهرة الغلو والتطرف؟!

الأسباب الرئيسة التي ولدت ظاهرة الغلو والتطرف وزادت من حدته في هذ العصر

أولاً: الفساد العقدي

ثانياً: استبدال الذي هو أدنى  التشريعات الأرضية والقوانين الوضعية  بالذي هو خير  حكم الله ورسوله

ثالثاً: تشاغل جل حكام المسلمين عن وظيفة الحاكم الأساسية في الإسلام

رابعاً: الفساد الأخلاقي

خامساً: الاستكانة والخضوع للكفار وموالاتهم

سادساً: غض الطرف عن الفساد والمفسدين، والتضييق على أهل العلم والدين

سابعاً: خذلان المستجيرين والمستغيثين من المسلمين

 

جل المسلمين، حكاماً ومحكومين في هذا العصر، لا يردُّون ما أصابهم من المحن والكوارث والفتن والابتلاءات إلى ما كسبت أيديهم، بل إلى أسباب مادية، ويحمِّلون المسؤولية غيرهم، ويبرئون أنفسهم، مع قوله سبحانه وتعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير"1، وقوله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"2، وقوله تعالى: "وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا".3

هذه صفة الجاهلين الغافلين المغرورين أما العالمون العاقلون "وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ"4 يردون كل ما أصابهم إلى أنفسهم وإن كان من باب التمحيص ورفع الدرجات ويلهجون: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"5، ولا يبرئون أنفسهم وإن كانوا من المعصومين المبرئين من كل سوء "وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"6.

ورضي الله عن عمر حين رد تأخير نصر المسلمين من الصباح إلى المساء7 قائلاً: (وقفوا أمامكم من الصباح إلى المساء والله إلا من ذنب اقترفتموه أو اقترفته أنا) أو كما قال.

قال أحد السلف: إني لأعرف أثر المعصية في خلق ولدي وتصرفات دابتي.

قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله: (وما نزلت بي آفة، ولا غم، ولا ضيق صدر إلا بزلل أعرفه حتى يمكنني أن أقول: هذا بالشيء الفلاني، وربما تأولت تأويلاً فيه بعد، فأرى العقوبة، فينبغي للإنسان أن يترقب جزاء الذنب، فقل أن يسلم منه، وليجتهد في التوبة) 8.

ورحم الله التابعي الجليل الورع محمد بن سيرين حين قال: (عيرت رجلاً بالإفلاس فأفلست).

 ولله در محمود الوراق القائل:

رأيت صلاح المرء يصلح أهلـه        ويعديهـم داء الفسـاد إذا فســد

ويشرف في الدنيا بفضل صلاحـــــه        ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد

لا شك أن الابتلاء منه ما هو لرفع الدرجات وللتمحيص نحو ما يصيب الأنبياء والرسل وأتباعهم إلى يوم الدين ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" الحديث9.

قال القاضي عياض رحمه الله: (قال القروي والعمري وأحدهما يزيد على الآخر: لما ضرب مالك رحمه الله تعالى ونيل منه10 حمل مغشياً عليه فدخل الناس عليه، فأفاق، فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل. فعدناه في اليوم الثاني فإذا به قد تماثل، قلنا له: ما سمعنا منه، وقلنا له قد نال منك، فقال: تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي صلى الله عليه وسلم فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي، فما كان إلا مدة حتى غضب المنصور على ضاربه11، وضرب ونيل منه أمر شديد، فبشر مالك بذلك، فقال: سبحان الله أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟، إنا لنرجو من الله عقوبة أكثر من هذا، ونرجو من عفو الله أكثر من هذا، وقد ضرب فيه12 محمد بن المنكدر وربيعة، وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر، قال مُطَرِّف: جلد جعفر بن سليمان مالكاً ثمانين صوتاً.

إلى أن قال:

وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط أحداً لم يصبه في هذا الأمر أذى) 13.

ومنه ما هو عقوبة كما حدث للأمم السابقة: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"14 فالله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل ولا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"15 وشتان بين ما يبتليه الله لتمحيصه وتخليصه ورفع درجته، وبين ما يبتليه انتقاماً منه.

ولا شك كذلك أن الغلو والتطرف منه ما هو جبلي كغلو الخوارج المارقين على جماعة المسلمين، الرادين لسنة خاتم الرسل أجمعين الذي ليس له مبرر ولا سبب بين واضح.

ومنه ما له عوامل ومسببات تدفع بعض المعتدلين إليه دفعاً وتقسرهم عليه قسراً، ما لم تتداركهم رحمة الله ولطفه، بالتفافهم حول العلماء الربانيين الحكماء، ورجوعهم إليهم في كل صغير وكبير وردهم عند النزاع والاختلاف الأمر إلى الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها الأخيار.

أما بعد...

فهذا بحث عن الأسباب الرئيسة، والدوافع الخطيرة، والمخالفات الشرعية البينة، والفتاوى المعكوسة المنكوسة التي يتفوه بها بعض علماء السوء التي تصدر من جل حكام المسلمين ومن يليهم من البطانات السيئة والمستشارين الخونه، ووزراء السوء، وعلماء الدنيا الفانية.

دفعني للكتابة عنها أمور منها:

1.  رد الأمور إلى غير مسبباتها الحقيقية.

2. الظلم والتعدي الذي أصاب كثيراً من أولياء الله عز وجل وهم العلماء وطلاب العلم الشرعي على الرغم من الوعيد الشديد الذي ورد في معاداتهم من صاحب الشريعة: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"16.

3.  نصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

4.  تحميل بعض العلماء مسؤولية ما هم منه بريئون.

5.  معذرة إلى الله ولعلهم أو بعضهم يرجعون.

  

الأسباب الرئيسة التي ولدت ظاهرة الغلو والتطرف وزادت من حدتها في هذا العصر

الأسباب التي ولدت هذه الظاهرة أو زادت من حدتها وخطورتها في هذا العصر ـ بعد تقدير الله وحكمته ـ كثيرة جداً، ولكن سنشير إلى أخطرها نصحاً للأمة وتبرئة للذمة.

هذه الأسباب التي سنذكرها خطرها عظيم، وضررها جسيم على الشباب خاصة، ويظهر ذلك في مفسدتين عظيمتين ناتجتين منها:

أولاً: التطرف والغلو لطائفة من الشباب.

ثانياً: التسيب الفكري والخلقي والخنوع لقطاع كبير منهم، وذلك بسبب الحرص على الدنيا وخوفاً وحذراً مما يلاقيه الشباب المستقيم من المضايقات، وبسبب اليأس والقنوط من الإصلاح لاستشراء الفساد فيستسلم كثير منهم إلى الواقع، ويؤثر السلامة يشجعهم على ذلك رعاية الحكومات لوسائل اللهو والترف واللعب وحمايتها والإنفاق عليها بسخاء.

والأسباب هي:

  

أولاً: الفساد العقدي

من الأسباب الرئيسة لغضب الله عز وجل وغضب الغيورين الموجبة لنزع البركات ومحق الأرزاق ونزول البلاء وإشاعة الفتن، إضاعة حق الله على العباد وهو أن يعبدوه ولا يشركوا معه غيره بتفشي الممارسات الشركية نحو الاستغاثة ودعاء غير الله عز وجل في الأمور التي لا يستطيعها إلا رب الأرباب وملك الأملاك والبح والنذر لغيره سبحانه وتعالى، بل رعاية ذلك الفساد العقدي وحمايته والإنفاق على سدنته والقائمين عليه بل ومحاربة الداعين لمقاومة ذلك الفساد، الساعين لإصلاح العقائد ولرد الأمة إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه في ذاك اليوم.

قال صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من غيرة سعد؟، فأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرته أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"17.

فالدعاء مخ العبادة كما صح بذلك الخبر وقد قال تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"18.

فغض الطرف عن إصلاح العقائد دعك عن رعاية وحماية المفسدين لها، على الرغم من أنها هي الوظيفة الرئيسة للحاكم المسلم وهي حماية الدين والذود عنه لها آثار سيئة ونتائج سالبة في نفوس كثير من الشباب الأخيار.

  

ثانياً: استبدال الذي هو أدنى ـ التشريعات الأرضية والقوانين الوضعية ـ بالذي هو خير ـ حكم الله ورسوله

من الأسباب الرئيسة لتوليد ظاهرة الغلو والتطرف وإزدياد حدتها عند الشباب في هذا العصر نبذ جل حكام المسلمين لشرع الله وراءهم ظهرياً، واستبدال ذلك بالتشريعات الأرضية والقوانين الوضعية وزبالات أفكار البشر. ومعلوم من دين الله عز وجل ضرورة أن التشريع مع الله ورسوله كفر مخرج من الملة، لقد شاعت هذه البدعة لدى حكام المسلمين وعمت بها البلوى وطمت بعد سقوط الدولة العثمانية في 1925م، واستعمار ديار الإسلام، وإقصاء الشرع عن جل  مناحي الحياة، أما قبل ذلك فكان الإسلام هو الحاكم وإن حدثت بعض التجاوزات في تطبيقه.

  

ثالثاً: تشاغل جل حكام المسلمين عن وظيفة الحاكم الأساسية في الإسلام

لا شك أن الوظيفة الأساسية للحاكم المسلم حماية عوزة الدين، ورعاية مصالح المسلمين، وبسط العدل بينهم، وتجنب الظلم: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وللهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ"19.

كان هذا هم جل حكام المسلمين في جميع العصور، دعك من الخلافة الراشدة التي روعيت فيها حقوق الحيوانات دعك عن ضرورات الإنسان مما حدا بعمر رضي الله عنه أن يقول: (لو أن بغلة عثرت بشاطئ الفرات لخشيت أن أسأل عنها، لِمَ لم أعبد لها الطريق؟؟).

قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور رحمه الله محدداً وظيفة الحاكم فيما يتعلق بحقوق الرعية على الراعي:

(الذي عليَّ للرعية:

1.  أن أحفظ سبلهم، فينصرفون آمنين في سبيلهم، ولا يصدون عن حجهم.

2.  وأن أختار قضاتهم وأعزهم بالحق كيلا يصل ظلم بعضهم إلى بعض.

3.  وأكف جهالهم عن حلمائهم)20.

وإليك طرفاً من سيرة الوليد بن عبد الملك رحمه الله في رعيته كما رواها ابن كثير عن ابن جرير قال: (حدثني عمر حدثنا ـ يعني ابن محمد المدائني قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلفائهم:

·  بنى المساجد بدمشق.

·  ووضع المنائر.

·  وأعطى الناس.

·  وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس.

·  وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً.

·   وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاماً، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند، والسند، والأندلس، وأقاليم بلاد العجم حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك.

·   وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البصل بيده ويقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفَلْس. فيقول: زد فيها فإنك تربح.

·   وذكروا أنه كان يبر بحملة القرآن، ويكرمهم، ويقضي عنهم ديونهم)21.

أرجو أن تقارن أخي القارئ بين سيرة هذين الخليفتين وسيرة كثير من حكامنا، وعدم تشاغلهم برفع المعاناة عن الرعية، وبإقامة العدل ورفع الظلم والتعدي على الآخرين حيث أضحى المجتمع المسلم في جل بقاع الدنيا ينقسم إلى طبقتين: طبقة غنية غنىً مطغى، وطبقة فقيرة فقراً مدقعاً، حيث يزداد الأغنياء والمترفون في كل يوم غنى وثراء، و يزداد الفقراء متربة وشقاءً.

  

رابعاً: الفساد الأخلاقي

من الأسباب الرئيسة التي تولد التطرف والغلو لدى الشباب الملتزم انتشار الفساد الخلقي، متمثلاً في وسائل الإعلام المختلفة، وفي مناسبات الأفراح، وفي عدم مرقابة الشارع، وفي الحافلات، والمركبات العامة، وفي الجامعات والمعاهد العليا، والأسواق، وأماكن التجمعات عموماً.

نتج من ذلك أن أصبح التبرج، والسفور، والاختلاط، والخلوة من الأمور المألوفة، وفي بعض الأحيان تحمي هذه المظاهر بالقوانين، وتحكمها اللوائح.

مما زاد الطين بلة وزاد الأمر سوءاً عدم وجود هيئة أمر بمعروف ونهي عن منكر، أو نظام عام يحميه رجال لهم سلطة في جل البلاد، ولو تبرع البعض بالاحتساب ومارس شيئاً من ذلك يكون عرضة للحبس والاعتقال وللعقوبة، دعك عما يلاقيه من المأمورين والمنهيين.

مع عدم قيام أولياء الأمور بواجبهم نحو من يليهم من النساء والبنين والبنات إلا من رحم الله.

لهذه الأسباب مجتمعة ولغيرها ظهر الفساد في البر والبحر، وانتشرت الرذيلة، وطويت كثير من الفضائل، وتفشى الزنا، وكثر اللقطاء، وانعدمت الأمانة، وكثرت الخيانة، والغش، والكذب، وأكلت الأموال بالباطل.

  

خامساً: الاستكانة والخضوع للكفار وموالاتهم

من الأسباب التي تدفع بعض الشباب الملتزم دفعاً إلى الغلو والتطرف، إستكانة وخضوع وموالاة كثير من حكام المسلمين وعامتهم للكفار مع النهي الصريح والوعيد الشديد عن ذلك: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ"22، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"23، "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ"24.

قال القرطبي في تفسير الأولى: (نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم.

ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه)25.

وقال عمر لأبي موسى الأشعري عندما اتخذ كاتباً وحاسباً نصرانياً بعد أن انتهره: (لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله).

وقال كذلك: (لا تستعملوا أهل الكتاب، فإنهم يستحلون الرِّشا، واستعينوا على أموركم ورعيتكم بالذين يخشون الله تعالى.

وقيل له: إن ههنا رجلاً من نصارى الحِيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا اتخذ بطانة من دون المؤمنين).

قال القرطبي: فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة عليهم.

إلى أن قال: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمنة باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من ولاة الأمور)26.

قلت: ما عساه قائلاً عن حالنا اليوم حيث يأتمر كل حكام المسلمين بأوامر الكفار وتوجههم كافرة وهي وزيرة الخارجية الأمريكية:

ومن يهن يسهل الهوان عليه          مـا لـجرح بميت إيـــــلام

  

سادساً: غض الطرف عن الفساد والمفسدين، والتضييق على أهل العلم والدين

كذلك من الأسباب التي تولد الغلو والتطرف وتزيد من حدته، ما يراه ويشاهده الشباب من تضييق ومراقبة ومتابعة وتحقيقات واعتقالات لأهل العلم والدين من الشيب والشباب، وفي المقابل غض الطرف عن الفساد والمفسدين، بل وفي بعض الأحيان رعايته والإنفاق عليه وحمايته يتمثل ذلك في الإهتمام الزائد باللعب واللاعبين حيث أنشئت وزارات تشرف وتنظم لذلك، وينفق في هذا المرفق ما لا ينفق على كثير من المرضى والمعوزين فقد اشترى فريق سوداني لاعباً كافراً بحوالى سبعة مليارات من الجنيهات، وما حدث من السفه، والخبل، والإسراف، والولاء، والبراء في مباريتي الفريق المصري والجزائري بالقاهرة والخرطوم ليس عنا ببعيد.

وكذلك الأمر في رعاية الفسقة والفاسقين، المغنين والعازفين كما سماهم بذلك مالك عندما سئل عمن يمارس ذلك بالمدينة قال: (إنما يفعله عندنا الفساق)، الذين كانوا يعرفون قبل التدليس والتلبيس عندنا بـ"الصواع".

ولنضرب لذلك مثلاً واحداً: مقابلة أجريت مع فنان سوداني في إحدى الفضائيات السودانية تخللتها عدد من أغانيه، وفي استديو آخر مقابلة مع أحد المشايخ الكرام بعد فراغ كل منهما من مقابلته قدم للفنان ظرف بداخله 15 مليوناً وللشيخ ظرف بداخله مائة ألف.

ساعتئذ تذكرت قول الإمام الشافعي رحمه الله:

ومنزلة الفقيه من السفيه         كمنزلة السفيه من الفقيه

 فهذا زاهد في قرب هذا         وهـذا أزهد منـه فيــــــه

وعلى هذا قس.

  

سابعاً: خذلان المستجيرين والمستغيثين من المسلمين

من الأسباب الرئيسة لظهور هذه الظاهرة واستفحالها، عدم موالاة كثير من الحكام لإخوانهم المسلمين، بل ومعاداتهم لهم، لقد وسعت صدور السلف الصالح لمناظرة ومجادلة الخوارج، لم يمنعهم من ذلك خروجهم المسلح وظلمهم وتعديهم على الإسلام والمسلمين، حيث كانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون عباد الصليب والأوثان، فًلِمَ لا تتسع صدور حكام المسلمين اليوم، وكذلك فئة من العلماء ـ وقد مدوا الجسور مع الحكام ـ لأؤلئك الشباب بما فيهم من غلو وتطرف، فهم لا يدينون بعقيدة الخوارج من أنكارهم للسنة وعدم اعتدادهم بها، ولا يكفرون بكل ذنب سوى القرآنيين وبعض المبدلين، ولا يحملون السلاح على حاكم.

عندما ناظر ابن عباس الخوارج رجع منهم ألفان في الحال.

إذا أمر الله بإجارة المشركين قائلاً مخاطباً رسوله الكريم: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ"27، ألاَّ يُجار المسلم، وقد قال رسولنا: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"28، أي إلى عدوه، و"المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه، وماله، ودمه"29.

إذا أمر الشارع بنصر الظالم فكيف بنصر المظلوم؟

الخذلان الذي وجده المستضعفون والمستغيثون من حكام المسلمين في هذا العصر لم يكن له مثيل قط في تاريخ الأمة، بل لقد تحركت جيوش، وفتحت بلاد لإنقاذ امرأة واحدة كما فعل المعتصم العباسي والحكم بن هشام الأموي في الأندلس.

قال المؤرخ ابن عذارى: (في سنة أربع وتسعين ومائة غزا ـ أي الحكم ـ أرض الشرك ـ وادي الحجارة ـ، بقيادة عباس بن ناصح الشاعر فسمع عباس امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: وا غوثاه ياحكم! قد ضيعتنا، وأسلمتنا، واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا، فلما وفد عباس على الحكم، رفع إليه شعراً يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به، وأنهى إليه العباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث الحال.

فرثى الحكم للمسلمين، وحمِيَ لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازياً في أرض الشرك، فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيراً، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم، يصلحون به أحوالههم ويفدون سباياهم، وخص المرأة وآثرها، وأعطاهم عدداً من الأسرى عوناً. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: هل أغاثكم الحكم؟! قالوا: شفا والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره)30.

أما الآن فحالنا كما قال الشاعر الفحل محمود غنيم:

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلـد         تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

كم صرفتنـا يد كنـا نصرفهـا         وبـات يملكنـا شعبٌ ملكنـاه

وليس للمستغيثين والمستغيثات إلا الرحيم الرحمن.

رب وا معتصماه انطلـقت         ملء أفـواه الصبايـا اليُتَّـم

لامسـت أسماعهـم لكنهــــا         لـم تلامس نخوة المعتصـم

كم من مسلم أسلمه إخوانه الحكام إلى الكفار وإلى غيرهم، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر قابعاً في السجون ومواجهاً بأصناف من التعذيب والتضييق والحرمان.

وثالثة الأثافي أن يفضل هؤلاء السجن والتحاكم إلى الكفار لعلمهم بحال بني جلدتهم وما لاقوه منهم من قبل.

هذا السلوك المشين، والخلق اللئيم، والتبرء من أقرب الأقربين، أخوة العقيدة والدين، عامل أساسي في توليد ظاهرة الغلو وازدياد حدتها.

 ورحم الله القائل:

إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه            فوا عجباً إن سالمتك الأباعد؟

لقد ضاعت الأخوية الإيمانية وعدمت حتى النخوة الجاهلية.

لهذه الأسباب وغيرها فإن للحكام دور كبير في توليد ظاهرة الغلو والتطرف وفي زيادة حدتها، فعليهم أن يحاسبوا أنفسهم وأن يراجعوا مواقفهم، وأن يتوبوا إلى بارئهم، وأن يسعوا لاصلاح ما يمكن إصلاحه، ولن يغني عنهم شيئاً ـ رميهم باللائمة على العلماء، وتحميلهم ما هم بريئون منه.

 لقد توعد الله على هذا الصنيع قائلاً: "وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"31، لأن هذا من باب الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة في الحياة وبعد الممات.

اللهم أرنا وجميع إخواننا المسلمين حكاماً ومحكومين الحق حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وألهمنا الرجوع إلى الحق، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله وصحبه وآله والتابعين، والحمد لله رب العالمين.