الأولى بك أخي المسلم أنْ تَسلم من الناس وتسعى
لِسلامتهم منك
اللهم سلِّمنا وسلِّم منا
السلامة لا يعدلها شيء، ولهذا كان مالك الإمام رحمه الله كثيراً ما
يُردد: اللهم سلمنا وسلّم منا، إذا اُستفتى في أمر من الأمور صغيراً كان أم
كبيراً.
لقد سمى الله سبحانه وتعالى ذاته العلية بالسـلام ـ واشتقت السلامة من
اسمه السلام ـ لِما للسلامة من منزلة عظيمة عنده، فالله هو السلام ومنه
السلام، كما اشتق الرحم من اسمه الرحمن لمكانتها عنده.
والجنة طيبة ولهذا لا يدخلها إلاّ سليمو القلب من الشرك والنفاق
ونحوهما، ولذا سأل الخليل ربه ألاَّ يُخزيه ويخذله يوم البعث قائلاً: "وَلا
تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ*يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ*إِلَّا
مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"1.
فالمسلم الحق هو مَنْ سلم المسلِمون مِنْ لِسانه و يده كما قال الرسول
الكريم: "المسلم مَنْ سلِم المسلمون مِنْ لِسانه ويده، والمهاجر مَنْ هَجر
ما نهى الله عنه"2.
أما بعد:
فمن رام السلامة لنفسه ولإخوانه المسلمين وحرص عليها، وكانت له هَماً
فاليَحرِصْ على الآتي:
خاصة الصحابة والمتقون الأخيار من العلماء وطُلاب العلم، ومستورو الحال
من المسلمين فلا تخض في أعراضهم، ولا تتبع لعوراتهم، ولا تنل من أبشارهم
وتؤذهم في أجسامهم، ولا تأخذ شيئاً منْ أموالهم وإن قَل إلاَّ برضاهم، فكل
المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه، وتزداد حُرمة المسلم بازدياد
إيمانه وتقواه، ولهذا خُص بنوع عناية فقد قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ
عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"3،
فالأولياء الخلص هم العلماء كما قال الإمامان الكبيران أبو حنيفة والشافعي
رحمهما الله: "إنْ لم يكنْ العلماء هم الأولياء فليس لله ولي"، ومن قبل قال
الله عز وجل: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا
مُّبِينًا"4.
قال الحجاج بن فرافصة: قلت لمجاهد: الرجل يكون وقاعاً في الناس، فأقع
فيه، أله غيبة؟، قال: لا5،
قلت: مَنْ ذا الذي تحرُم غيبته؟، قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين6،
خفيف البطن من أموالهم، أخرس اللسان عنْ أعراضهم، فهذا حرام الغيبة، ومن
كان سوى ذلك، فلا حرمة له ولا غيبة فيه).
ظُلم الإنسان لنفسه، بالشرك والتهاون في الواجبات، واقتراف المحرمات،
وظلمه لمن يليه منْ الأزواج، والبنين، وظلمه لعامة الناس، فالظلم ظلمات يوم
القيامة، وقد حَرّم الخالق المالك سبحانه وتعالى الظلم على نفسه، وجعله
بيننا محرماً كما صح بذلك الخبر، وأمرَ الناصح الأمين باتقاء دعوة المظلوم،
وأقسم البر الرحيم ووعد بنصرة المظلومين فقال في الحديث القدسي: "وعِزَتي
وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين"، وكل حين آت وكل آت قريب.
من العوامل الرئيسة لنيل السلامة أنْ يتجنب الإنسان مواطن الشبه كما قال
صلى الله عليه وسلم: "ومنْ يتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه"، الحديث7.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرحه لحديث النعمان بن بشير السابق:
فمن اتق الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل
على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنّ من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه
للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن.
إلى أن قال:
فأما من أتى شيئاً مما يظنه الناس شبهة، لعلمه بأنه حلال في نفسه، فلا
حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك، كان تركها
حينئذ استبراءً لعرضه، فيكون حسناً، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
لِمَنْ رآه واقفاً مع صفية8:
"إنها صفية بنت حيي"9.
وخرج أنس إلى الجمعة، فرأى الناس قد صلوا10
ورجعوا، فاستحى، ودخل موضعاً لا يراه الناس فيه، وقال: "مَن لا يستحي مِن
الناس، لا يستحي مِن الله"، وخرجه الطبراني مرفوعاً ولا يصح.)11.
السلامة من ألسن الناس أمر عزيز، لكن ينبغي الاجتهاد والحذر من الأسباب
الموقعة في ذلك، من تلكم الأسباب التي أمر الشارع باجتنابها لِباس الشهرة.
فعن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"مَن لبِس ثوب شهرة، ألبسه الله يوم القيامة ثوباً مثله، ثم تُلَهَّبُ فيه
النار"12.
يشمل ثوب الشهرة الرفيع جداً، والوضيع جداً، والذي فيه مخالفة واضحة لما
تعارف عليه الناس في بلد من البلاد.
وكذلك الشهرة في المظهر والسمت قد تكون في ترك الشعر وعدم إكرامه،
تزهداً، أوتقليداً لبعض المبتدعة والكفار، وكذلك تكون بتشبه الرجال بالنساء
أوالنساء بالرجال ونحو ذلك.
من أسباب السلامة بالنسبة للعلماء والقضاة والمفتين، التأني والتثبت
وعدم التعجل بإصدار الأحكام والفتاوى، ولهذا كان مالك رحمه الله إذا سُئل
عن شيء يسأل الله ويتضرع إليه أن يسلِّمه ويسلِّم منه، لأنّ العالم
مُوَقِّع عن الله ورسوله.
قال القاضي عياض رحمه الله13:
§ قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا سُئل من مسألة قال للسائل: انصرف
حتى انظر فيها، فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك، فبكى، وقال: إني أخاف
أنْ يكون لي من السائل يوم و أي يوم؟!.
§ وقال الهيثم بن جبيل: شهدتُ مالكاً سُئل عن ثمان وأربعين
مسألة، فقال في اثنين وثلاثين لا أدري.
§ وقال معن بن عيسى: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أُخطئ وأصيب،
فانظروا في رأيي، فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب
والسنة فاتركوه.
من أسباب السلامة عدم الاشتغال بعيوب الناس وتتبع عوراتهم، واهتمام
المرء بعيوب نفسه، والاجتهاد في التخلص منها.
على المرء المسلم أن يُحسِّن ظنه بإخوانه المسلمين وألا يُسئ بهم الظن،
فإن ّ الظن أكذب الحديث، كما أخبر الصادق المصدوق: "إياكم والظن، فإن الظن
أكذب الحديث"14.
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أوَ كدت أن تفسدهم"15
.
فمن حسُن ظنه بإخوانه المسلمين سلمت نفسه وسلم منه إخوانه المسلمون.
من أسباب السلامة لك أخي المسلم ولإخوانك المسلمين إنْ أكرمك الله بحُسن
زائد فائق، أو ابتلاك بعيب نحو عور أوعمش ونحوهما، أنْ تُغطى وتُستر تلك
المحاسن، وتجتهد في إخفاء تلك العيوب وتقلل من خروجك وظهورك على الناس سيما
في أماكن التجمعات بقدر المستطاع، حتى لا تمتحن نفسك وغيرك بأذى.
لهذا السبب عندما افتتنت بعض النساء بحُسن نصر بن حجاج وتغنين بذلك،
نفاه عمر رضي الله عنه من المدينة إلى البصرة، وأمر أبا موسى والي البصرة
بحجزه.
نقل السبكي عن الخرائطي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بينما هو يطوف16
في سكة من سكك المدينة، إذا سمع امرأة تهتف في خدرها، وهي تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
أمن سبيل إلى نصر بن حجاج؟
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبـل
سهل المحيا كريم غير ملحـاح
تنميه أعراق صدق حين تنسيه
أخي حفاظ عن المكروب فراج
سامي المواطن من بَهْزٍ له
نَهْلُ تضئ صورته للحائك
الداجـي
فقال عمر رضي الله عنه: أرى معي في المصر من تهتف به العواتق في خدورها،
عليّ بنصر بن حجاج ـ وهو نصر بن حجاج بن عِلاط، وكان والده من الصحابة ـ
فأتى به، فإذا هو من أحسن الناس وجهاً وعيناً وشعراً، فأمر بشعره فجُزَّ،
فخرجت له جبهة كأنها شُقة قمر، فأمر أن يُعتم، فأُعتم، فافتتن النساء
بعينيه، فقال عمر: والله لا تُساكني ببلدة أنا بها، فقال: يا أمير
المؤمنين: ولِمَ؟، قال: وأتى على نصر حين، واشتد ألم أمه، فعرضت لعمر بين
الآذان والإقامة، فلما خرج يريد الصلاة، قالت: يا أمير المؤمنين لأُجاثينك
بين يدي الله سبحانه وتعالى، ثم لأُخاصمنك، يبيت عبدالله وعاصم إلى جنبك،
وبيني وبين ابني الفيافي والمفاوز؟.
فقال لها: يا أم نصر، إن عبدالله وعاصماً لم تهتف بهما العواتق في
خدورهن، فانصرفت، ومضى عمر إلى الصلاة.
قال: وأبرد17 عمر
بريداً إلى البصرة، فمكث بالبصرة أياماً، ثم نادى مناديه: من أراد أن يكتب
إلى المدينة، فليكتب، فإن بريد المسلمين خارج، فكتب الناس وكتب نصر ابن
حجاج: سلام عليك، أما بعد يا أمير المؤمنين:
لعمري إن سيرتني أو حرمتني
فما نلتُ ذنباً إن ذا لحـــرامُ
وماليَ ذنب غير ظن ظننــته
وفي بعض تصديق الظنون أثام
أإن غنت الزَّلفاء يوماً
بغيــبة وبعض أماني
النساء غـــرام
ظننت بي الأمر الذي ليس بعده
بقاء فماليَ في النَّدِيّ كـــلام
فأصبحت منفياً على غير ريبة
وقد كان لي بالمَكَّتين مقـــام
ويمنعني مما تقول تكرمــي
وأباء صدق سابقون كـــرام
ويمنعها مما تقول صلاتــها
وحال لها في قومها وصــيام
فهاتان حالانا فهل انت راجعي
فقد جب منا غارب وسنـــام
فقال عمر: أما ولي إمارة فلا، وأقطعه مالاً بالبصرة وداراً)18.
الستر، والتغطية، وعدم البروز والظهور للعامة، قد يكون خشية الافتتان
بالشكل كحال نصر بن حجاج، ومن قبل افتتنت امرأة العزيز والنسوة بالرسول
الكريم، والعبد الصالح الوسيم الذي أعْطِيَ هو وأمه شطر الحسن والجمال في
الدنيا؛ يوسف عليه السلام.
وقد يكون خشية العين، والسحر، والحسد بالنسبة للحسان، ولهذا عندما قالت
أسماء بنت عميس رضي الله عنها عن حال أبناء جعفر الطيار، وقد قال لها رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "مالي أرى أجسام ابن أخي ضارعة؟، أتصيبهم
الحاجة؟"، قالت: لا، ولكن تسرع إليهم العين، قال: "أرقيهم"19.
وعندما تجرد سهل بن حنيف من ثيابه ليغتسل، وكان رجلاً أبيض حسن الجلد
والبشرة، فرآه عامر بن ربيعة، فعانه عندما قال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة
عذراء20.
وقال جرير21
رضي الله عنه: رآني عمر بن الخطاب متجرداً فناداني: خذ رداءك، مرتين، وقال:
ما أرى أحداً من الناس صُوِّر صورة هذا إلا ما ذكر عن يوسف عليه السلام22.
وذكر البغوي كذلك في شرح السنة) عن عثمان رضي الله عنه وقد رأى صبياً
مليحاً، فقال: دسموا نونته23.
ولذات السبب كان المقنع الكندي، واسمه محمد بن عمير أبي شَمَّر الكندي
من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم وجهاً، وأتمهم قامة، فكان إذا كشف وجهه يُؤذى،
فكان يتقنع دهره، فسمي لذلك بالمقنع24.
وقد تكون التغطية والستر بسبب عيب خَلْقي خشية أن يقع فيه الناس، ولهذا
من كان به عيباً في عينيه أو إحدهما فالأولى أن يلبس منظاراً، ومن كان
أقرعاً ـ أي أصلع ـ فيستحسن له أن يلبس طاقية) أوعمامة، ومن كان فيه عيب في
ساقيه أو قدميه أن يلبس جوربا وهكذا، ليسلم هو من الناس ويسلم الناس من
الوقيعة فيه وانتقاصه.
روي أن سليمان بن مهران المعروف بالأعمش لعمش عينيه جاء زائراً إبراهيم
النخعي رحمهما الله وكان إبراهيم أعور فقال الأعمش لإبراهيم: هيا بنا نخرج،
فقال النخعي: ليقول الناس: أعور وأعمش!، فقال الأعمش: ما لنا نسلم ويأثمون،
فقال النخعي: الأفضل لنا ولهم أن نسلم ويسلمون، أو كما قال.
حسن الخلق لا يدانيه شيء بعد الإيمان بالله عز وجل والقيام بالواجبات
والانتهاء عن المحرمات ولهذا صح عن رسولنا قوله: "أكثر ما يدخل الناس
الجنة: تقوى الله وحسن الخلق".
فالكريم عليه أن يتغافل عن منتقصيه، وأن يسامح ويعفو ويصفح عمن يعاديه،
بهذا يستطيع أن يستميل قلوبهم ويسلم من أذاهم فيكونون له مادحين مثنين بعد
أن كاوا ذامين مشينين.
بهذا الخلق الرفيع استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتألف أولئك
الأعراب الغلاظ الجفاة وأن يرغبهم في الإسلام، ولهذا كان يعطي المؤلفة
قلوبهم أكثر مما يعطي من باشر الإيمان قلوبهم.
ولله در الشاعر العربي الإسلامي المقنع25
الكندي لو سلك الناس سلوكه مع الآخرين من الآقارب وغيرهم لسلموا منهم حيث
قال:
وإن الذي بينـي وبين بني أبــي
وبيـن بني عمـي لمختلف جــداً
إذا أكلـوا لحمي وفرت لحومهـم
وإن هدمـوا مجدي بنيت لهم مجداً
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهـم
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشداً
وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم
دعوني إلى نصر أتيتهم شــــداً
وإن زجروا طيري بنحس يمر بي
زجرت لهم طيراً يمــربهم سعـداً
ولا أحمل الحقـد القديـم عليهـم
وليس رئيس القوم من يحمل الحقـدا
لهم جلُّ مالي إن تتابـع لي غنى
وإن قل مالي لم أكلفهم رفــــداً
وإني لعبد الضيف ما دام
نــازلاً وما شيمة لي غيرها تشبه العبــدا
من أسباب السلامة، ووسائل الاستقامة ترك الفضول كلها في الأكل، الشرب،
والنوم، والكلام، وفيما لا يعني الإنسان لا في دينه ولا في دنياه، ولهذا
قال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"26.
فلو اشتغل كل منا بما يعنيه وترك ما لا يعنيه سلم في نفسه، وسلم من
الناس وسلم الناس منه، فمن كثر فضوله كثر تعرض الناس إليه والنيل منه.
من أراد أن يسلم من الناس، ويسلم الآخرون منه فعليه بالجود، والسخاء،
والإنفاق كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فالبذل والإنفاق يصرفان عن المرء كل
سوء ويستران عليه كثيراً من المعايب، ويجنبانه حسد الحاسدين، ويحفظان عليه
أمواله وممتلكاته.
سلامة القلب نعمة لا تدانيها نعمة بعد الإيمان، فسليم القلب قد جمع بين
خيري الدنيا والآخرة، وصلاح القلب هو صلاح لجميع الأعضاء والجوارح، وفساده
فساد لكل الجسد كما صح بذلك الخير: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح
الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"27.
عرف الإمام ابن القيم رحمه الله القلب السليم قائلاً: وقد اختلفت عبارات
الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل
شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية من
سواه، وسلم من تحكيم غير الله ورسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله
في خوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في
كل حال، والتباعد عن سخطه بكل طريق، وهذه حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا
لله وحده.
فالقلب السليم: هو الذي سلم أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد
خلصت عبوديته لله تعالى؛ إرادة، ومحبة، وتوكلاً، وإنابة، وإخباتاً، وخشية،
ورجاء، وخلص عمله لله، وإن منع منع لله).
وقال الإمام البيجاني رحمه الله في شرح الحديث السابق في اصلاح المجتمع28
: قسم ـ الشارع ـ القلوب إلى أربعة أقسام، فقال: القلوب أربعة: قلب أجرد
فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح،
فالقلب الأجرد، قلب المؤمن فيه نور، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما
القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه
إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق
كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي المادتين غلب على الأخرى غلب عليه.
وجعل ابن القيم رحمه الله القلوب ثلاثة: صحيحاً، وسقيماً، وميتاً).
عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى
بقصعة من ثريد، فأكل، ففضل منه فضلة، فقال: "يدخل من هذا الفج رجل من أهل
الجنة يأكل هذه الفضلة"، قال سعد: وقد كنت تركت أخي عمير بن أبي وقاص يتهيأ
لأن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فطمعت أن يكون هو، فجاء عبد الله بن
سلام فأكلها)29.
نال عبد الله بن سلام هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
لسلامة صدره كما جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص، فعندما سمع
الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد له بالجنة حرص أن يعرف سبب ذلك، فاستأذنه
أن يستضيفه لمدة ثلاثة أيام ليعرف عبادته، فعندما لم ير له كثير صلاة ولا
صيام سأله عن سر ذلك فقال: لا آوي إلى فراشي وفي قلبي غل على أحد قط، أو
كما قال.
فقال عبد الله فيما معناه: تلك التي رفعتك وهي التي لا نستطيعها.
ومن النماذج الفريدة في حسن الظن وسلامة القلب ما روي عن عيسى عليه
السلام أنه رأى لصاً سرق، فعندما قال له سرقت، قال: لم أسرق فما كان من
عيسى عليه السلام إلا أن قال: صدق الله وكذبت عيناي.
وشبيه هذا وأعجب منه ما صدر من زوجة عبد الله بن رواحة رضي الله عنهما.
قال ابن عبد البر رحمه الله في ترجمته: وقصته مع زوجته في حين وقع على
أمته مشهورة، رويناها من وجوه صحاح، وذلك أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها،
وفطنت له امرأته فلامته، فجحدها، وكانت قد رأت جماعه لها، فقالت له: إن كنت
صادقاً فاقرأ القرآن، فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:
شهـدت بأن وعد الله حق
وأن النار مثوى الكافرينـا
وأن العرش فوق الماء حق
وفوق العرش رب العالمينا
وتحملـه ملائكـة غـلاظ
ملائكـة الإلـه مسومينـا
فقالت: امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرأ)30.
قلت: كان ذلك في أول الإسلام، وما فعله عبد الله حيلة شرعية لأنها في
رواية أتت بسكين فأرادت قتله فتخلص منها، وعندما أخبر الرسول صلى الله عليه
وسلم بما حدث ضحك عليه أفضل الصلاة والسلام، ولم يثرب عليه في ذلك.
اللهم إنا نسألك قلباً سليماً، ولساناً ذاكراً، ودعوة مستجابة، وعيناً
دامعة، وشفاء من كل داء.
اللهم سلمنا وسلم منا يا من هو السلام ومنه السلام، وصلى الله وسلم
وبارك وعظَّم على من بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه وأزواجه
الأطهار، وعلى التابعين لهم بإحسان.
|