الدعاء على الكفار المحاربين على المنابر وغيرها سنة ماضية إلى يوم الدين
"إنَّ هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم"

 

من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر –وما أكثرها وأخطرها- فتح المجال لكل من هبَّ ودب أنْ يفتي في دين الله عز وجل، ويشرع بما تهواه نفسه، وأنَّ الكلام في دين الله والإفتاء أصبح أمراً مشاعاً لا ضابط له ولا رابط، مع التشدد والحرص على أنْ لا يتكلم في أمور الدنيا إلاَّ ذو الاختصاص والخبرة.

وإنْ أفتى أحد في الطب، أوالهندسة، أوالزراعة، أوالسباكة، وغيرها من المهن والحرف، وكان من غير الاختصاصيين فيها سُفِّه قوله، وزجر، وأنكر عليه إنكاراً شديداً، بينما يخوض هؤلاء وغيرهم من الصحفيين، والحدادين، وفني السيارات، والبنائين، ويفتون في مسائل شرعية، ويردون في بعض الأحيان أقوال أهل العلم من العلماء والفقهاء الحكماء في أحكام شرعية، نحو: تعدد الزوجات، ختان الأنثى، الدعاء على الكفار ولعنهم، والتصوير، وهلم جرَّا.

المسؤول الأول عن هذه الفوضى الدينية، وهذا التسيب الفكري، الإعلام بوسائله المختلفة مسموعة، ومقروءة، ومشاهدة، حيث يُسأل، ويُستضاف، وتُجرى مقابلات لبيان حكم الشرع في أحكام لو سئل عنها أحد البدريين، أوالأئمة المقتدى بهم لردها إلى غيره، ولتأنى في الإجابة عليها ومكث أياماً أو شهراً قبل أنْ يرد.

بينما يحرم ويحال بين هذه الوسائل، وبين أهل العلم والفتوى، ومن أخبث البدع التي ابتدعتها فضائية الجزيرة وقلدت فيها ما يُعرف ب: (الرأي والرأي المعاكس)، حيث تعرض فيه أحكام شرعية مجمع عليها، نحو: مشروعية وسنية التعدد، وختان الأنثى، والدعاء على الكفار، بل ومسائل عقدية نحو: مسألة التكفير والتبديع، وموالاة الكافر من على بعض الإعلاميين، والمحاميين، وغيرهم من العلمانيين السليطين، وفي المقابل يُؤتى بأناس ضعيفي الغيرة والعلم، ليس لهم معرفة ودراية بالجدل والمناظرة، هذا مع عدم وجود أرضية مشتركة يرجع إليها المتناظرون، فهذا مسلم وذاك شيوعي، أوهذا سني وذاك شيعي، أوهذا سلفي والآخر مبتدع، وهكذا.

ومن غير وجود حَكَمْ متخصص في ذلك اللهم إلاَّ مقدم الحلقة، وقد يكون أجهل الجميع بأحكام الشرع، وفي الغالب أنَّ مقدم الحلقة هو الذي يوجه النقاش ويختم بما تهواه نفسه، ويكون المشاهدون هم الضحية حيث يتلقون ما يدور في هذه الحلقات كأنها حقائق مسلمة صادرة من علماء شرعيين، وما عَلِمَ الجميع أنَّ هذا العلم دين كما قال مالك، وابن سيرين: (فالينظر أحدنا ممن يتلقى ويتعلم دينه)، هذا الدين العزيز، وهذا الشرع الفريد، أصبح تُؤخذ أحكامه وتتلقى تعليماته من وسائل الإعلام، ومن القُصَّاص والوُعَّاظ، ومن المتشعوذين والمبتدعة وغيرهم، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، وعن كل ما يسطرون ويقدمون محاسبون، وعلى الصراط موقوفون؟!.

وبضدها تتميز الأشياء.

فكيف كان حال الصحابة والتابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة، وكم كان ورعهم وخوفهم عن الفتيا وتحرجهم من ذلك، وتثبتهم، وهم كان أحق بها وأهلها؟.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله تحت فصل تورع السلف عن الفتيا: (وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أوقول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.

ثم ذكر عدداً من الآثار تأمر بالتأني في الفتيا، ونهى وحذر من التعجل فيها، هي:

· قال ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -أراه قال في المسجد-، فما كان منهم محدث إلاَّ ود أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلاَّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا.

· وقال مالك عن يحي بن سعيد أنَّ بكير بن الأشبح أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن بكير، فقال: إنَّ رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً، فماذا تريان؟، فقال عبد الله بن الزبير: إنَّ هذا الامر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس، وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ائتنا فاخبرنا، فذهبت فسألتهما: فقال ابن عباس لأبي هريرة: افته يا أبا هريرة فقد جائتك معضلته، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.

· وقال مالك عن يحي بن سعيد، قال ابن عباس: إنَّ كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون. قال مالك وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك.

·  وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً ويكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظن أن الحق كله فيه، وقال سحنون: إني لأحفظ منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أنْ أعجل بالجواب قبل الخبر؟، فَلِمْ ألام على حبس الجواب؟!.

· قال ابن عون، قال ابن سيرين: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف.

    قال: فربما قال ابن سيرين: فلست واحد من هذين، ولا أحب أنْ أكون الثالث.

· وعن ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق، قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب.

ثم ختم ابن القيم ذلك بقوله:

الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتواه جمعت في عشرين سفراً، وكان سعيد بن المسيب أيضاً واسع الفتيا، وكانوا يسمونه الجريء)1.