صوارف وعوارض
تصُد الشباب عن طلب العلم الشرعي والدعوة إلى الله عزَّ وجل
ما أكثر الصوارف والشواغل عن تحصيل العلم الشرعي والدعوة إلى الله عزَّ وجل
في هذا العصر.
يرجع ذلك إلى التعلق الزائد بالدنيا والحرص الشديد بمُتعها الفانية،
والغفلة التامة عن ضرتها وهي الآخرة.
فالدنيا هي مطية الآخرة، وهي دار مِن جملة ثلاثة دور هي:
دار الدنيا، والبرزخ، والدار الآخرة. وهذه الدور مكملة ومتممة لبعضها البعض
ولهذا قال تعالى: "
وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ
سَبِيلاً"1
لقد ذمَّ الله وحذر من سلوك الغافلين الجاهلين البَّطالين قائلاً: "وَلا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْفَاسِقُونَ"2،
ومدح وأثنى ورغّبَ في نهج المسابقين منهم في الخيرات الخاشعين المتضرعين
إلى الله في كل الأحوال والأوقات "
يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا
لَنَا خَاشِعِينَ"3
لم يخلق الله الخلق سُدى وعبثاً، ولم يتركهم هملاً، إنما خلقهم لعبادته
وحده لا شريك له فقال: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن
يُطْعِمُونِ*إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
"4
، وأرسل إليهم رسله وأمرهم بطاعتهم وأنزل عليهم كتبه وقيدهم بشرعتهم
ومنهجهم، (فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، و الإعراض عن حظوظ الدنيا
بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع
إنفصام لا موطن دوام.
فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد. قال
الله تعالى: "
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ
حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ
أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ
نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"5
ولقد أحسن القائل:
إن لـــله عباداً فطنــاً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيــها فلما علموا أنها ليست لحي وطنــاً
جعلوها لـــجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفن6)
ليس المطلوب من العبد العزوف عن كل متع الحياة الدنيا، ولذاتها، وإنما
المتخوف منه غلبة الدنيا على الآخرة وهيمنة الفانية قبل الباقية كيف لا؟،
وقد قال عزَّ من قائل: "وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"7،
وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم: "حُبب إليّ من الدنيا الطيب والنساء
وجُعلت قرة عيني في الصلاة."8،
وقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي
وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس مني"9.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: "وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"
:(اُختلف فيه، فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألاَّ تعمل عملاً
صالحاً في دنياك، إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله
الصالح فيها.
وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك
إياه ونظرك لعاقبة دنياك.
إلى أن قال: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: "احرث لدنياك كأنك
تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".
وعن الحسن: قدم الفضل، وأمسك مايبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف.
وقيل: أراد بنصيبه الكفن...، ونحو هذا قول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط
وقال آخر:
وهي القناعة لا تبغي بــها بدلاً فيهـا النعيم وفيها راحة البـدن
انظر لمن ملك
الدنيا بأجمعــها هل راح منها بغير القطن والكفن
قال ابن العربي ـ المالكي ـ وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنسى نصيبك
الحلال، فهو نصيبك من الدنيا، ويا ما أحسن هذا)10.
لا شك أن ما قاله الحسن وقتادة هو الراجح و الأولى بتأويل الآية أن المراد
هو الاقتصار على الحلال، والتقلل من المباحات بقدر المستطاع والله أعلم.
أما بعد:
فإن الصوارف والشواغل عن تحصيل العلم الشرعي والدعوة إلى الله عزَّ وجل،
سيما على الشباب الملتزم في هذا العصر كثيرة جداً، ولكن سنُذكِّر بأخطرها،
وأكثرها شيوعاً لعل يكون فيها ذِكرى وموعظة لِمن ألقى السمع وهو شهيد،
فالدين النصيحة والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
العامل الأساس والصارف الأول، والمسؤول عن إشاعة الأمية الشرعية وسط
الناشئة وشباب المسلمين النظام التعليمي الذي قام على أنقاض نظام التعليم
والتربية الإسلامي حيث يُشغل الطفل منذ نعومة إظفاره ويحول بينه وبين أن
يُلقن كتاب ربه المصدر الأساس حيث اُشترط لدخول الطفل في مرحلة الأساس
المرور بالروضة وهو في سن الرابعة.
يُكْتفى في هذا النظام بالنذر اليسير من العلوم الشرعية والعربية في مرحلتي
الأساس والثانوي الذي لا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً.
هذا النذر اليسير حذف منه قدر كبير مؤثر بعد الشروع في الحرب الصليبية التي
تخوضها أمريكا وربيبتها بريطانيا وأذيالها من الدول الكافرة حيث خلا كلياً
من الآيات والأحاديث والموضوعات التي تتكلم عن عقيدة الولاء والبراء،
والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفر اليهود والنصارى وهلم
جراً.
أما التعليم العالي فقد عني بدراسة العلوم البحتة والإنسانية والتخصصات
الجزئية فيها وخلا من العلوم الشرعية تماماً مما حدا ببعض الدول بإدخال ما
يسمى بمتطلبات الجامعة والكلية وهو شيء قليل جداً ولا يجد العناية الكافية
من بعض الكليات، ولا الاهتمام المطلوب عند كثير من الطلاب إلا من رحم الله.
هرع الغيورون في ديار الإسلام عندما جثم على صدر الأمة الاستعمار الأوروبي
إلى إنشاء الكتاتيب والمدارس والمعاهد والجامعات الشرعية لحماية طائفة
قليلة من أبناء المسلمين من هذا الطوفان الكاسح على نفقات المحسنين وقد
استمرت هذه المدارس وآتت أكلها رغم المضايقات التي عانى منها ولا يزال
يعاني منها خريجوها على الرغم من أن أعداء الإسلام من الشيوعيين
والعلمانيين ما فتئوا يحذرون منها، ويحرضون سادتهم وكبراءهم لينقضوا عليها
ليخلو لهم الجو إلى أن حانت فرصتهم مع بدء هذه الحرب الصليبية الشرسة التي
يشنها التحالف اليهودي الكنسي على المسلمين في جميع مناحي الحياة فأمروا
عملاءهم بقفل تلك المدارس والمعاهد وتجفيف محاضنها "وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"11.
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيـلام
وعما قليل ستدور الدائرة على الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة الحكومية.
لقد حذر العلماء المخلصون من خطورة التعليم اللاديني ولا يزالون.
قال محمد إقبال رحمه الله: (إياك أن تكون آمناً من العلم12
الذي تدرسه فإنه يقتل أمة بأسرها).
قال الشاعر أكبر الإله أبادي: (يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى
تأسيس الكليات، وقد كان أسهل طريقة لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه
العار وسوء الأحدوثة في التاريخ).
وقال هيكل: (التعليم أعظم عمل يقوم به المجتمع الذي يرغب في التخلص من
الأديان).
لقد صدوا فإن التعليم اللاديني الآن بجانب الاعلام المتفلت هو المسؤول عن
جل الفساد العقدي والخلقي وهو الاغتيال المعنوي لجل شباب وشابات المسلمين
إلا من رحم الله.
من العوائق والصوارف عن تحصيل العلم الشرعي، وفي مجال الدعوة إلى الله التي
هي وظيفة الرسل وأتباعهم لكثير من الشباب لمن له همة في تحصيل ذلك والقيام
به في فضول الأوقات، الأهل وفي مقدمتهم الوالدان فبدلاً من أن يعينوا
أبناءهم على تدارك ما يمكن تداركه من العلوم النافعة، وأنْ يكفروا عن
خطيئتهم في حمل الأبناء وزجهم أحياناً في كليات لا يرغبون فيها وفي تخصصات
قد لا يكون عندهم استعداد لها، يمنعونهم ويحذرونهم من الاجتماع بالمشايخ
وحضور دروسهم، بحجة أن ذلك يشغلهم عن دراستهم الجامعية، ويؤثر في درجاتهم
العلمية ويكون مانعاً لهم من الحصول على وظائف مرضية بعد التخرج.
لا يمانع كثير من أولياء الأمور من أن يمارس أولادهم اللعب وشهود المباريات
والجلوس الساعات الطوال وراء الشاشات، بل ولا من مجالسة قرناء السوء بقدر
ما يمانعون من حرص أبنائهم على تحصيل العلم الشرعي.
هذا السلوك المشين والتصرف الجاهلي المهين فيه مخالفة لصريح القرآن: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا"13،
ولوصايا العبد الصالح لقمان عليه السلام لابنه: "يَا بُنَيَّ أَقِمِ
الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ
عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ"14.
جاء في تفسير آية التحريم السابقة عن علي رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم.
وعن الحسن: مروهم بطاعة الله وعلموهم الخير.
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أدب ابنك فإنك مسؤول عنه، ماذا أدبته،
وماذا علمته؟
وقال سفيان الثوري: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسؤول
عنه.
كان سلف هذه الأمة، أباءً وأمهات يدفعون بأبنائهم إلى الكتاتيب لحفظ
القرآن، ثم يرسلونهم إلى المساجد لمزاحمة العلماء بالركب.
إذا فقد الأب لموت أو غيره قامت الأم بهذا الواجب كما فعلت والدة سفيان
ومالك والإمام أحمد وغيرهم كثير. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: (لو رأيتني
ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي
صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء
الأمصار، كالزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة،
ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، إذا أتيت قالوا: وسعو للشيخ الصغير ثم
ضحك)15.
قالت والدة سفيان الثوري له وهو صغير: خذ هذه عشرة دراهم، فاذهب وتعلم عشرة
أحاديث فإن رأيتها تؤثر في سلوكك ومعاملتك للناس، فازدد وسأعينك على ذلك
بمغزلي هذا وإلا فدعه فإني أخشى أن يكون وبالاً عليك، أو كما قالت رحمها
الله.
وكان الإمام مالك رحمه الله في أول أمره مال إلى تعلم الغناء فنهته أمه عن
ذلك ونصحته ووجهته لطلب العلم.
سبب كل هذا الحرص على الدنيا والتكالب عليها وإغفال الآخرة.
معلوم من دين الله ضرورة أن طلب ما يجب على المرء تعلمه من العلم الشرعي لا
يستأذن فيه الوالدان، بل له أن يرتحل في طلبه ولو لم يأذنا له، ومن باب
أولى أو بالأحرى إن كان في نفس المحلة ولا يحتاج إلى سفر وترحال.
لا شك أن الزواج سنة من سنن المرسلين، ولهذا حض وحث عليه الشارع فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم فإنه
له وجاء"16.
فالزواج تعتريه الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهية والجواز.
فمن تاقت نفسه إلى النساء واستطاع الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه
بالصوم. ومن لم تتق نفسه فالأمر فيه سعة، وكذلك الأمر لمن كان مستوعباً
بالدعوة إلى الله أوالجهاد وطلب العلم والذب عن دين الله عز وجل وما شابه
ذلك، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يتزوج لانشغاله بنشر العلم وبثه
وبالدعوة إلى الله عز وجل وكذلك الإمام النووي وغيرهما كثير.
ومن أهل العلم من تأخر زواجه لذات الأسباب منهم الإمام أحمد رحمه الله فقد
ثبت عنه أنه قال: (تزوجت وأنا ابن أربعين سنة)17.
فالزواج من الأمور الشخصية، ولهذا حكمه يختلف من شخص لآخر فرسولنا صلى الله
عليه وسلم وهو أكثر هذه الأمة نساء وأعظمها مسؤولية وأخشاها وأتقاها لربها
لم يمنعه ذلك من القيام بواجب الدعوة فقد دعا وهاجر وغزا أكثر من تسع عشرة
غزوة، وكان خير هذه الأنمة لأزواجه وكذلك سار على هذا النهج أصحابه والسلف
الصالح لهم والخلف الفالح.
هذه العبادة، وتلك السنة الحسنة أضحت لدى كثير من الشباب صارفاً وعائقاً
وشاغلاً منيعاً عن طلب العلم الشرعي والدعوة إلى الله، ومثبطاً ومخذلاً عن
ذلك.
فبعد أن كان الشاب نشيطاً كالنحة في مجالات الدعوة المختلفة، حريصاً على
تحصيل العلم الشرعي، قريباً من المشايخ مزاحماً لهم بالركب، سرعان ما يكسل
وينكص على عقبيه بعد الخطبة مباشرة، حيث ينتهي به الأمر بعد الزواج أن
ينقطع تماماً عن كثير مما كان يبادر إليه ويسارع فيه إلا من رحم الله وقليل
ما هم.
رضي الله عن وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر
عندما أمرا ابنيهما بطلاق زوجتيهما خشية أن يشغلاهما عن الغزو والجهاد.
روى ابن عبد البر رحمه الله في (الاستيعاب في معرفة الأصحاب): ترجمة18
عاتكة بنت خالد رضي الله عنها: (تزوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت
حسناء جميلة ذات خَلْق بارع، فأولع بها وشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه
بطلاقها لذلك، فقال:
يقولـون طلقها وخيم مكانها مقيماً تمنى النفس أحـلام نائم
وإن فراقي أهل بيتي جميعهم على كثرة مني لأحدى العظائم
فعزم عليه أبوه حتى طلقها...).
وكذلك طلب عمر رضي الله عنه من إحدى بنيه أن يطلق زوجةً له لخوفه أن تشغله
عن الغزو، فلم يطلقها، فشكاه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأمره بطلاقها،
فطلقها.
ما كان الزواج عائقاً عن الغزو والجهاد والخروج لهما دعك من الجلوس لطلب
العلم والدعوة إلى الله والأمر والنهي.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (وروى حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمرأة حنظلة19
بن أبي عامر الأنصاري: "ما كان شأنه؟"، قالت: كان جنباً وغسلتُ أحد شقي
رأسه، فلما سمع الهيعة خرج فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت
الملائكة تغسله")20.
الصوارف عن أعمال الخير كلها بما فيها طلب العلم والدعوة إلى الله وغيرهما
مردها إلى التعلق بالدنيا وزينها.
ولذلك عندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ميلاً من بعض أزواجه إلى
الدنيا خيرهن كلهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الدار الآخرة كما أمره
ربه: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ
وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا*وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ
مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا"21،
فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
فوضوح الرؤية والهدف، والرضا بما قسمه الله وعدم التطلع إلى ما لا يملك،
والنظر إلى الدون عوامل أساسية هذا كله بعد التضرغ إلى الله، وسؤاله الزوجة
الصالحة التي تعينه إذا ذكر وتذكره إذا غفل ولهذا امتن الله على زكريا عليه
السلام بقوله: "وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ"22.
لخطورة الزواج وأنه من المنعطفات الخطرة في حياة المسلم قال الناصح الأمين
صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها،
ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"23.
فالكل له عوض، الجمال والمال والحسب، إلا الدين والخلق فلا عوض عنهما.
الفتن ـ أعاذنا الله وإياكم منها ـ منها ما هو خاص وهي فتنة الرجل في زوجه
وماله وولده وجاره، ومنها ما هو عام وهي التي تموج كموج البحر.
فعن حذيفة رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ
قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله24
وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج موج البحر...) الحديث25
وفي رواية: (لم أسأل عن الفتنة الخاصة).
ولهذا قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ"26.
وقال: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ
أَجْرٌ عَظِيمٌ"27
وقال: "وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ
وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ"28.
قال ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَاحْذَرُوهُمْ": (نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكى
إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت...).
وحكى الطبري: أن عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو
بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم فنزلت: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا
لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ".
وفي رواية عن ابن عباس قال: (هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن
يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا
النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس
قد فَقِهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم)
29.
فأمرهم الله بالعفو عنهم.
هذه العداوة في الدين والفتنة ليست قاصرة على الزوجة بل قد يكون الزوج
والأولاد أعداء للمرأة فـ"من أزواجكم"، يدخل فيه الذكر والأنثى.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في شرح الآية السابقة(هذا يبين وجه العداوة،
فإن العدو لم يكن عدواً لذاته وإنما كان عدواً بفعله. فإذا فعل الزوج
والولد فعل العدو كان عدواً ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين
الطاعة) 30.
فعداوة بعض الأزواج لبعض وكذلك الأولاد عداوة قديمة وفتنتهم كذلك جسيمة.
إن استطاع طالب العلم الشرعي أن يؤخر الزواج، ولا يؤثر ذلك عليه فليفعل،
فإنه أوفق له حتى لا تنازع همته وتتشعب عليه، فما جعل الله لرجل من قلبين
في جوفه.
قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: (واختار للمبتدئ في طلب اللم أن يدافع
النكاح مهما أمكن، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا
لأجل جمع الهم، فإن غلب الهم عليه تزوج، واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر
القوة على إعادة العلم.
ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير.
وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه31،
وإن كان كل العلوم حسناً، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل.
وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما بعد ذلك بمنزلة تابع، ومن رزق
يقظة دلته يقظته، فلم يحتج إلى دليل، ومن قصد وجه الله تعالى بالعلم دله
المقصود على الأحسن. "وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ"32)33.
وإليك ابني طالب العلم هذه الوصية الجامعة القيمة التي وصى بها ونفح بها
الإمام أبو حنيفة تلميذه الوفي القاضي أبا يوسف رحمهما الله التي ينبغي لكل
طالب علم أن يتمعن فيها حيث قال: (واطلب العلم أولاً، ثم اجمع المال من
الحلال، ثم اشتغل بالتزويج، فإنك إن اشتغلت بطلب المال في وقت التعلم عجزت
عن طلب العلم، ودعاك المال إلى شراء الجواري والغلمان وتشتغل بالدنيا.
وإياك أن تشتغل بالنساء قبل تحصيل العلم، فإنه يضيع وقتك، ويجتمع عليك
الولد، ويكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بحوائجهم، وتبقى من العلم والمال،
واشتغل بالعلم في عنفوان أمرك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم بالمال ليجتمع
عندك، فإن كثرة الولد والعيال تشوش البال، فإذا جمعت المال فاشتغل
بالترويج)34.
من الأمور التي تعين بعد توفيق الله عز وجل على إصلاح الزوجة، ما يأتي:
1. الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل والإكثار من هذا الدعاء: "رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"35.
2. الاجتهاد في الظفر بذات الدين والخلق.
3. الحذر من الممارسات الشركية واقتراف المعاصي.
4. المعاشرة بالمعروف والصبر والاحتساب.
5. الاشتغال بالعلم الشرعي والعمل على تزكية النفس.
6. دراسة سيرة إمام المرسلين وسيرة أصحابه، وتراجم الصالحين والصالحات.
7. الاقتصار على معاشرة الأخيار.
الصوارف والعوائق في سبيل تحصيل العلم الشرعي والدعوة إلى الله لدى بعض
الشباب الملتزم منها العمل، أيا كان وظيفة أم تجارة أم زراعة، حيث يتطلع
كثير من الشباب خاصة بعد الزواج إلى عمل يدر عليهم دخلاً أكبر ليواكبوا
ويسايروا ما عليه زملاؤهم وأقرانهم، وليحيوا كما يحيون ولا يتأتى لهم ذلك
إلا بتضحيات وتنازلات وتخلي عن بعض الواجبات الدعوية.
لا بد لمن كانت لديه مسؤولية وأسرة من عمل، وكان سفيان الثوري رحمه الله
إذا جاءه من يطلب علماً سأله ألك زوجة وأولاد؟ فإن قال: نعم، قال له: ألك
عمل؟ فإن قال: لا. قال له: اذهب فاحترف ثم تعال اطلب العلم.
لكن المحذور أن لا يقنع المرء بعمل يمكنه من القيام بواجباته الدعوية،
وإنما يتطلع إلى عمل يستوعب جل وقته بحيث يكون عبداً له، أو يضطر أن يعمل
عملاً يعرضه للفتن وقد نهى الشارع الحكيم عن ذلك.
فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعس36
عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس
وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش"37.
وقال كذلك: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه،
فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"38.
وقال: "قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافاً، وقنعه الله ما آتاه"39.
وقد نصحنا رسولنا قائلاً: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من
هو فوقكم، فهو أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم"40.
فالعمل مطلوب ولا بد منه ليعف المرء نفسه ومن يعول، لكن ينبغي أن لا يشغل
العمل عن الواجبات الشرعية والوظائف الدعوية.
رضي الله عن عمر وجاره إذ كانا يتناوبان العمل والذهاب إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم لتلقي ما أنزل عليه، فكان يذهب هذا يوماً والثاني يوماً
آخر.
المرء على دين خليله فلينظر أحدنا من يخالل. فالصاحب ساحب فمن صاحب ذا همة
عالية وجد ونشاط اقتدى به وانتفع من صحبته ومعاشرته، ومن صاحب القنوع
الكسول عاداه بكسله وخنوعه.
قال ابن الجوزي: (وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قبض رسول الله صلى الله
عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فإنهم اليوم كثير. فقال: واعجباً لك يا ابن عباس!، أترى الناس
يفتقرون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم؟
قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحديث
فإنه كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل41
فأتوسد التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟، ألا
أرسلت إليَّ فآتيك؟، فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسألك عن الحديث.
فعاش ذلك الفتى الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني، فيقول:
هذا الفتي كان أعقل مني)
42.
هذه بعض الصوارف والعوائق والشواغل التي تصرف بعض الشباب الأخيار الملتزم
عن تحصيل العلم الشرعي والدعوة إلى الله، أحببت أن أذكر بها نفسي ومن يطّلع
عليها من شباب الدعوة.
اللهم يسرنا لليسرى وانفعنا بالذكرى واستخدمنا في طاعتك ومرضاتك، إنك ولي
ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على خير الأنام، محمد بن عبد الله، وصحبه
الكرام، ومن تبعهم بإحسان.
|