متى يقاتل اللص، ومتى لا يقاتل؟!
لقد حرم الله عز وجل الظلم على نفسه وجعله بيننا محرماً، ولم يقصر ذلك على
المؤمنين الأتقياء بل نهى عن الظلم والاعتداء على الكفرة والمعتدين
والبغضاء، فقال: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ
تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ
اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"1.
فالعدل مطلوب من المسلم في حال الرضا والغضب، ومع الصديق الحميم، والعدو
الكافر اللئيم، والمعتدي الأثيم.
لقد كرم الله جنس الإنسان على من سواهم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ
الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً"2،
وزاد المسلم تعظيماً وتشريفاً فحرم ماله وعرضه ودمه فقال: "كل المسلم على
المسلم حرام، ماله وعرضه ودمه"3،
فلا يحل لمسلم أن يتعرض لمسلم لا في نفسه، ولا ماله وأهله وعرضه إلاَّ
بالحق.
وشرع للمسلم الذود والدفع عن نفسه، وعرضه، وماله، وأهله، وأولاده، ولو أدى
ذلك إلى قتله، كما شرع له وحضه عن الذب والدفع عن الدين، بل وعد قتله في
سبيل ذلك شهادة فقال: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله، أو
دون دمه، أو دون دينه، فهو شهيد"4.
هذا العدل والإنصاف هو الذي ميز هذه الشريعة على غيرها وجعلها خاتمة وناسخة
لكل الشرائع السابقة، دعك عن زبالات البشر وقوانين الكفار والغجر، وتشدقهم
بالدعاوى الكاذبة والشعارات الخادعة الفارغة، وسلوكهم المشين، وظلمهم البين
في هذه الحرب التي تتولى كبرها دول الاستكبار أمريكا وربيبتها بريطانيا ومن
والاهم من الكفار والمنافقين، فتباً لتلك الحضارة المادية البهيمية
الكافرة، التي تحمي الرذيلة والعهر وتحارب الفضيلة والطهر، وتأثر للوثنيات
والأصنام، وتقتل الأخيار من الأنام، وتحكم العالم بسياسة الغاب كيف لا وهم
كالنعام بل هم أضل وأخس من ذلك بحكم ربنا سبحانه وتعالى: "أُوْلَئِكَ
كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"5.
أما بعد...
فهذا بيان لحكم الشرع المطهر المصفى في متى يقاتل اللص، ومتى لا يقاتل؟.
أقول: إذا ولى اللص مدبراً فلا يقاتل ولكن يمكن أن يمسك ويقدم إلى
المحاكمة.
أما إذا جاء مقبلاً وشهر سلاحاً، يناشده بالله ثلاثاً فإن أبى قاتله،
واجتهد في تعويقه عن الحركة، ويحرص ألا يضربه في مقتل، فإن أصرَّ قاتله،
وإن أدَّى ذلك إلى قتله فهو في النار، فإن قتله اللص فهو شهيد.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "من أريد مالُه بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد"6.
جاء في مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد: (إذا كان مقبلاً فقاتله، وإذا
ولى لا تقاتل. قال اسحاق: كما قال: ويناشده في الإقبال ثلاثاً فإن أبى وإلا
يقاتله)
7.
وقال ابن شاس المالكي رحمه الله في صفة المحاربين وحكم قتالهم: (... ولو
دخل داراً بالليل، وأخذ المال بالمكابره، ومنع من الاستغاثة، فهو محارب،
والخناقون الذين يسقون الناس السيكران8،
ليأخذوا أموالهم محاربون، وكل من قتل أحداً على ما معه، قل أو كثر، فهو
محارب، فعل ذلك بعبد أو حر، مسلم أو ذمي).
وأما حكم قتالهم، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: (جهاد).
وفي كتاب محمد قال: (ولم يختلف قول مالك وأصحابه في إجازة قتال المحاربين).
قال مالك: (ويناشد المحارب بالله تعالى ثلاثاً، فإن عاجله قاتله).
وقال عبد الملك9:
(لا يدعوه وليبادر لقتله).
وفي كتاب ابن سُحنون وغيره، قال مالك: (يدعى اللص إلى التقوى، فإن أبى
قاتله، وإن طلبوا مثل الطعام والثوب وما خف فليعطوه ولا يقاتلوا).
وقال عبد الملك: (لا تدعه، وقاتله، واقتله، وأجهز عليه).
وقال سحنون: (وأنا أرى ألا يعطوا شيئاً وإن قل، ولا يُدْعَوا، وليظهر لهم
الصبر والجلد، والقتال بالسيف، فهو أكسر لهم، وأقطع لطمعهم)10.
وقال الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي رحمه الله: (ومن صال على نفسه،
أو حرمته، كأمه وبنته وأخته وزوجته، أو ماله، آدميٌ أو بهيمة فله، أي
للمصول عليه الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه ودفعه به. فإذا اندفع
بالأسهل حرم الأصعب لعدم الحاجة إليه. فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل فله،
أي للمصول عليه ذلك، أي قتل الصائل ولا ضمان عليه، لأنه دفعه لقتل شره.
وإن قتل المصول عليه فهو شهيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أريد ماله
بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد"، رواه الخلال. ويلزمه الدفع عن نفسه في غير
فتنة لقوله تعالى: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"11.
إلى أن قال: ومن دخل منزل رجل متلصصاً فحكمه كذلك أن يدفعه بالأسهل
فالأسهل، فإن أمره بالخروج فخرج لم يضربه، وإلا فله ضربه بأسهل ما يندفع
به، فإن خرج بالعصا لم يضربه بالحديد)12.
وقال الإمام الترمذي رحمه الله معلقاً على قوله صلى الله عليه وسلم: "من
قُتِل دون ماله فهو شهيد" الحديث: (وقد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل
عن نفسه وماله.
وقال ابن المبارك: يقاتل عن ماله ولو درهمين)13.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولو شهر السلاح في البنيان -لا في
الصحراء- فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل بمنزلة المختلس والمنتهب، لأنَّ
المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس، وقال أكثرهم: إنَّ حكمهم في
البنيان والصحراء واحد، وهذا قول مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأكثر
أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق عقوبة منهم في
الصحراء، لأنَّ البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنَّه محل تناصر الناس
وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنَّهم يسلبون
الرجل في داره جميع ماله، المسافر لا يكون معه -غالباً- إلاَّ بعض ماله،
وهذا هو الصواب)14.
السبب الأساس في تفشي الجريمة والتعدي على الأنفس والأموال والأعراض بين
المسلمين الآن هو عدم تطبيق شرع الله عز وجل، الحكيم الخبير بعباده وبما
يصلحهم في دنياهم ويسعدهم في أخراهم، لو طبق الحكام حد السرقة إذا توفرت
شروطه على الشريف والضعيف على السواء وأشهروا ذلك لما تجرأ أحد عليها بعد،
ولعاش الناس في أمن وأمان ولكن الله سلط على الأمة، بما كسبت أيديهم،
حكاماً يبغون غير الإسلام شرعة وديناً: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"15،
بل ليتهم اكتفوا بإقصاء الإسلام عن الساحة ولكنهم يسعون لمحاربة العلماء
ودعاة الإسلام والتضييق عليهم فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم.
اللهم إنَّا نشكو إليك ضعف حيلتنا وهواننا على الناس، اللهم أغثنا، اللهم
حَكِّم فينا خيارنا ولا نحكم فينا شرارنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك
واتقاك واتبع رضاك ولا تأخذنا بأعمالنا، اللهم هيء للأمة الإسلامية في كل
مكان وزمان أمر رشيد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه
بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء ويا مجيب النداء، وصلى الله
وسلم على من تركنا على المحجة البيضاء والحنيفية السمحة وعلى آله وصحبه
النجباء وعلى من سار على نهجهم إلى يوم اللقاء.
وكتبه
الأمين الحاج محمد أحمد
رئيس
الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان
لليلة النصف من صفر الخير 1431هـ
|