الأهلة لا تثبت بالحساب وإنما بالرؤية

تحذير بعض أهل العلم ونهيهم عن العمل بالحساب في العبادات المتعلقة بالأهلة

الخلاصة

المراجع

 

الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل أرسل إليهم الرسل وأنزل إليهم الكتب، وجعل العلماء الشرعيين ورثة الأنبياء والمرسلين حجة على العالمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما رآه هؤلاء حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح.

وصلوات ربي وسلامه على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، محمد بن عبد الله الذي أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على المسلمين، فلم يقبضه إليه إلا بعد أن دل أمته على كل خير يقربهم إلى الله ورضوانه، وحذرهم ونهاهم عن كل شر يباعد بينهم وبين غضبه وصلى نيرانه، فتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولهذا قال: "كل عبادي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"، وعلى آله وصحابته والتابعين.

من المعلوم من الدين ضرورة أن الأصل في العبادات أنها توقيفية، وما سواها فالأصل فيه الإباحة.

ومعلوم كذلك بخبر الصادق المصدوق أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن هذه الفرقة الناجية المنصورة، وسمهم بأنهم الذين يكونون على ما أنا وأصحابي عليه اليوم، أوكما قال، وهم المعروفون بأهل السنة والجماعة، نقاوة أهل القبلة أجمعين.

وبعد..

من الثوابت المسلمات التي ما كان يجادل فيها أحد من أهل السنة قاطبة إلا عُدَّ قوله من الشواذ المنكرات ثبوت الأهلة بالرؤية، وعدم التفاتهم إلى الحساب، بل اعتبروا ترائي الأهلة المتعلقة بها كبرى العبادات، كالصوم، والحج، والزكاة، ونحوها من أجل القربات، ولهذا كان أنس بن مالك رضي الله عنه وقد ناهز المائة يخرج ليتعبد ربه بترائي الأهلة.

ليس هذا ناتجاً من جهلهم بعلم الفلك، بل كان العرب قبل وبعد الإسلام من أكثر الأمم حذقاً ومعرفة بذلك، ويشهد لذلك المراصد التي كانت في عواصم الإسلام كبغداد وغيرها، ولكن ذلك للأسباب الآتية:

1. الإسلام علق كل العبادات سوى الصلاة بالتقويم القمري بالأهلة، نحو الزكاة، والصوم، والحج، وعِدَد النساء، والكفارات، والإيلاء.

2. الشرائع السابقة علقت الأحكام بالأهلة إلا أن أصحابها غيروا وحرفوا وبدلوا ذلك.1

3. الإسلام دين الفطرة، والرسول صلى الله عليه وسلم بعث للثقلين الإنس والجن، الحاضر منهم والباد، ولهذا صح عنه أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فالإسلام دين عام وليس خاصاً.

4. العمل بالحساب من أسباب تفرق الأمة.

5. تبديع أهل العلم لمن عمل بالحساب.

6. العمل بالحساب شعار أهل الأهواء من الرافضة وغيرهم.

7. العمل بالحساب فيه تبديل وتحريف لدين الله عز وجل.

8. العمل بالحساب فيه تشبه بالكفار المفضي إلى غضب الجبار.

9.  النصوص العديدة التي تنهى وتحذر من العمل بالحساب وتوجب العمل بالرؤيا، نذكر طرفاً منها:

  • "فمن شهد منكم الشهر فليصمه".2

  • "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج".3

  • "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض".4

  • قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".5

  • وفي رواية لمسلم: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً".

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، يدل على أنه حتى في حال الغمام وتعسر الرؤية لا يُعمل ولا يُلتفت إلى الحساب، ولو كان ذلك جائزاً لأرشد إليه أمته صلى الله عليه وسلم.

10.  إجماع الأمة على عدم الاعتداد بالحساب.

11. الخلاف الذي لا يقوم على دليل لا قيمة له، ولهذا قال بعض أهل العلم: من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أوكاد وتجمع فيه الشر كله؛ ونهوا عن شذوذ الأقوال.

12. لم يقل بالعمل بالحساب حتى إذا غم الهلال إلا بعض أهل العلم، وعد ذلك من شذوذهم وسقطاتهم، كابن سريج من الشافعية، بل الحاسب والمنجم لا يحل لهما أن يصوما أويفطرا بالحساب، دعك أن يصوما أويفطرا غيرهما.

13.  هذا ما كان عليه أهل القرون الثلاثة الفاضلة وأهل السنة المحدثين قاطبة إلا من شذ.

14.  العمل بالحساب من باب التكليف بما لا يطاق الذي تنزهت عنه الشريعة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "رسالة الهلال" المضمنة في فتاويه6: (فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم، أوالحج، أوالعدة، أوالإيلاء، أوغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أولا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أوتعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم.

وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية7 بالعدد دون الهلال، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولاً يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية، وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام، وقد برأ الله منها جعفراً وغيره).

ã

تحذير بعض أهل العلم ونهيهم عن العمل بالحساب في العبادات المتعلقة بالأهلة

لقد نصح كثير من أهل العلم قديماً وحديثاً لإخوانهم المسلمين وحذروهم من العمل بالحساب في الحج، والزكاة، والعدة، والإيلاء، وغيرها، وكان المسلمون في الماضي مؤتمرين بأمر ولاة الأمر من العلماء والحكام المؤتمرين بأمر العلماء، عملاً بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"8، حتى غشانا هذا العصر الذي ابتلي فيه المسلمون بالتشبه بالكافرين، وأضحى فيه الجدل والمراء في المسلمات من سمات هذا العصر، وعم فيه وطم التأويل المشؤوم المذموم الذي أفرغ كثيراً من النصوص من مدلولاتها الشرعية، وفاق بعض المسلمين عمرو بن لحي الخزاعي في تحريفه لملة إبراهيم، الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر قصبه – أي أمعاءه – في نار جهنم، بسبب هذا التحريف والتبديل، حيث رفع البعض عقيرته وأطلق لسانه في شتم وسب وانتقاص من يعارض ما تواطأ عليه البعض ولو كان بيِّن المخالفة لما جاء به رسول رب العالمين، حدث هذا وغيره بسبب اختلال المفاهيم، واختلاف الموازين، ولغياب المرجعية الشرعية التي ينبغي أن يصدر عنها الجميع.

إليك طرفاً أخي القارئ من أقوال أهل العلم المقتدى بهم من الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم، حتى لا تظنن ظناً يوردك المهالك، وأنت لا تشعر أن هذا القول من تنطع المتنطعين وتشددهم، وقول من يريد أن يحمل الناس على ما يعتقد كما يزعم البعض.

·  قال النووي في المجموع: (قال المصنف – الشيرازي الشافعي في مختصره المهذب-: إذا غم الهلال وعرف رجل الحساب، ومنازل القمر، وعرف بالحساب أنه من رمضان، فوجهان، قال ابن سريج: يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه من عرفه بالبينة9، وقال غيره: لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية، هذا كلام المصنف، ووافقه على هذه العبارة جماعة، وقال الدارمي: لا يصوم بقول منجم؛ وقال قوم: يلزم؛ قال: فإن صام بقوله فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه وجهان، وقال صاحب البيان: إذا عرف بحساب المنازل أن غداً من رمضان، أوأخبره عارف بذلك فصدقه فنوى وصام بقوله فوجهان، أحدهما يجزيه، قاله ابن سريج، واختاره القاضي أبو الطيب لأنه سبب حصل به غلب ظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة؛ والثاني: لا يجزيه لأن النجوم والحساب لا مدخل لهما في العبادات، قال: وهل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب، هذا كلام صاحب البيان، وقطع صاحب العدة بأن الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما، وقال المتولي: لا يعمل غير الحاسب بقوله، وهل يلزمه هو الصوم بمعرفة نفسه الحساب؟ فيه وجهان، أصحهما لا يلزمه، وقال الرافعي: لا يجب بما يقتضيه حساب المنجم عليه ولا على غيره الصوم، قال الروياني: وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على أصح الوجهين، وأما الجواز فقال البغوي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، لا في الصوم ولا في الفطر، وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه فيه وجهان؛ وجعل الروياني الوجهين فيما إذا عرف منازل القمر وعلم بوجود الهلال، وذكر أن الجواز اختيار ابن سريج، والقفال، والقاضي أبي الطيب؛ قال: فلو عرفه بالنجوم لم يجز الصوم قطعاً؛ قال الرافعي: ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجم، هذا آخر كلام الرافعي، فحصل في المسألة خمسة أوجه:

أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.

والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.

والثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم.

والرابع: يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما.

والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، والله أعلم).10

·  وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"11: (فرض علينا عند غمَّة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، حتى ندخل في العبادة بيقين، ونخرج عنها بيقين، وقال في كتابه: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم"12، وروى الأئمة الأثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة"، وفي رواية: "فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين"، وقد ذهب مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، وابن قتيبة من اللغويين، فقالا: يُعَوَّل على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى أنه لو كان صحواً لرؤي، لقوله عليه السلام: "فإن عُمي عليكم فاقدروا له"، أي استدلوا عليه بمنازله13، وقدروا إتمام الشهر بحسابه؛ وقال الجمهور: معنى "فاقدروا له" فأكملوا المقدار، يفسره حديث أبي هريرة: "فأكملوا العدة"؛ وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله: "فاقدروا له"، أي قدروا المنازل، وهذا لا نعلم أحداً قال به إلا بعض أصحاب الشافعي، أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم، وقد روى ابن نافع عن مالك: الإمام14 لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب: أنه لا يقتدى به ولا يتبع؛ قال ابن العربي: وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يُعَوَّل على الحساب، وهي عثرة لا لعًا15 لها).16

قلت: حاشا الإمام الشافعي النبيه أن يصدر منه هذا الكلام وهو القائل: "إذا وجدتم الحديث في قارعة الطريق فهو مذهبي، وهو يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فيدع قول نبيه لقول أهل الحساب المغرورين والمنجمين المخدوعين.

·  وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة "رسالة الهلال": (وكان مقتضى تقدم هذه "المقدمة" أني رأيت الناس في شهر صومهم وفي غيره أيضاً منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب، من أن الهلال يرى، أولا يرى، ويبني على ذلك، إما في باطنه، وإما في باطنه وظاهره، حتى بلغني أن من القضاة من يرد شهادة17 العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب أنه يُرى أولا يُرى؛ فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه؛ وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله، فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب، فإن الآية تتناول حكام السوء.

إلى أن قال: وفيهم من لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر، لكن في قلبه حسيكة من ذلك، وشبهته قوية لثقته به، من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك، لا سيما إن كان قد عرف شيئاً من حساب النَّـيِّـرَيْن، واجتماع القرصين، ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات، وسبب الإهلال والإبدار والاستتار والكسوف والخسوف، فأجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية في هذا المجرى.

إلى أن قال مكذباً ما نسبه بعض المالكية للشافعي رحمه الله: وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه، بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة).18

·  وقالت هيئة كبار العلماء في ردها على سؤال ورد عليها في هل يجوز العمل بالحساب في العبادات أم لا؟: (أولاً: القول الصحيح الذي يجب العمل به هو ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، من أن العبرة في بدء شهر رمضان وانتهائه برؤية الهلال، فإن شريعة الإسلام التي بعث الله بها نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خالدة مستمرة إلى يوم القيامة.

ثانياً: أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الحديث، فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال، ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم، مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقدير سيرها، فيجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه).19

ã

الخلاصة

1. أن العمل بالحساب لا يحل أبداً في إثبات الأهلة، لا في حال الغيم ولا الصحو، لا للحاسب والمنجم ولا لمن قلدهما.

2. من صام بالحساب لا يجزئه صومه ولا فطره لذلك.

3. الحاكم الذي يلزم الناس بالحساب لا تجوز طاعته في ذلك كما قال مالك، لأن الطاعة لا تكون إلا في المعروف.

4. على المسؤولين أن يتقوا الله في دينهم وإسلامهم، وليحذروا التبديل والتغيير فيه.

5. لا يجوز للهيئات ومجالس الفتوى أن تتهاون في هذا الأمر أوتساير ما يهواه بعض الحكام، ولئلا يتحملوا وزر تصويم الناس وإفطارهم بغير وجه حق، وعليهم الاقتداء والتأسي بالإمام الشهيد والقاضي الرشيد محمد بن الحُبُلي قاضي مدينة "برقة" في وقته، الذي رفض أن ينصاع لأمر العبيديين في تفطير الناس بالحساب، وقتل صابراً محتسباً، ظلماً وعدواناً، فعلى من قتله لعائن الله المتتاليات مصحوبة بغضبه.

ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته20: (أتاه أمير برقة فقال: غداً العيد؛ قال: لم نر الهلال، ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم؛ فقال: بهذا جاء كتاب المنصور21 – وكان هذا من رأي العبيديين يفطرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية – فلم يُر هلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي؛ فأمر الأمير رجلاً خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه فأحضر، فقال له: تنصل، وأعفو عنك؛ فامتنع، فأمر فعُلق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلم يسق، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين).

لهذا فقد تعجبت واستغربت جداً مما صدر من دائرة العلوم الطبيعية والتطبيقية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي بعنوان "بيانات حول الأهلة لعام 1425ﻫ" من غير تاريخ، وحددوا فيه أوائل الشهور: رجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذي الحجة بالحساب، لما فيه من رد للنصوص الصحيحة الصريحة وإجماع الأمة، فتعين الرد عليه نصحاً للأمة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ومعذرة إلى الله، ولعلهم يرجعون.

فاختر لنفسك طريقة أهل السنة، واصبر عليها، واحذر طريقة الرافضة المخذولين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، ونبياً للأميين، وإماماً للمهتدين، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

ã

 المراجع

  • الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الحنفي.

  • ثبوت الأهلة بين الرؤية والحساب للأمين الحاج – مسودة.

  • الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.

  • سير أعلام النبلاء للذهبي.

  • فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية.

  • مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.

 ã