رسائل رمضانية ونفحات ربانية

لذلك فليعمل العاملون، ومن أجله فليتنافس المتنافسون

أصحاب الهمم العالية، والنفوس الأبية، يتعلقون ويتطلعون إلى معالي الأمور، ويترفعون عن سفاسفها، ويتسابقون في الخيرات، ويعملون لإرضاء رب الأرض والسماوات، ويسعون للفوز بأعلى الجنات، وللحصول على أرفع المقامات، عملاً بتوجيه ربهم وميلكهم: "فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ"1، "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأرْضِ"2، "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"3، وليغبط الغابطون: "لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في سبيل الله آناء4 الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار"5.

والحسد هنا بمعنى الغبطة والتمني، ولهذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما مثل هذه الأمة كأربعة نفر، رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علماً ولا مالاً، فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل فهما في الوزر سواء".6

فصاحب الهمة العالية والنية الصادقة ساوى العالم الغني الذي يتقي الله في علمه وماله، وصاحب الهمة الوضيعة والنية الخبيثة ساوى ذلكم الخبيث، الذي استعمل نعم الله في ارتكاب معاصيه، والتعدي على حدوده، ورحم الله فقراء الأنصار، عندما رأوا أن الأغنياء سبقوهم بالصدقة والإنفاق طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصهم بشيء يلحقونهم به، فدلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الباقيات الصالحات دبر الصلوات المكتوبات، فشاركهم فيها الأغنياء، فعادوا إلى رسولهم يسألونه شيئاً آخر، فقال لهم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" الحديث.

قال الحسن رحمه الله: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة".

وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل".

وقال بعض السلف: "لو أن رجلاً سمع بأحد أطوع لله منه، كان ينبغي له أن يحزنه ذلك".

وقال سفيان الثوري: "إن أهل الدنيا تركوا لكم الآخرة، فاتركوا لهم دنياهم".

وقال آخر: "لو أن رجلاً سمع برجل أطوع منه فانصدع قلبه فمات لم يكن ذلك بعجب".

وقال عمر بن عبد العزيز في موسم من مواسم الحج عند الدفع من عرفة: "ليس السابق اليوم من سبق بعيره، إنما السابق من غفر له".

قال ابن رجب: "كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبوبكر، قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبوبكر، وكان سباقاً بالخيرات، ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر".7

وقال عمر بن عبد العزيز: "إن لي نفساً تواقة، ما نالت شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنها لما نالت هذه المنزلة – الخلافة – وليس في الدنيا منزلة أعلى منها، تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا"، يعني الآخرة.

اللهم إنا نسألك نفوساً تواقة إلى الخيرات، سباقة إلى المكرمات، بصيرة بما فيه نفعها، متجافية عن الصغائر والمحقرات، اللهم يسرنا لليسرى، وانفعنا بالذكرى، وصلى الله وسلم على الرحمة الكبرى والنعمة العظمى.

ã