الخلاف شر

أيها المسلمون في كل زمان ومكان اجتمعوا ولا تفرقوا، واتحدوا ولا تنازعوا، واعلموا أن المسلمين لم يبتلوا بشيء في هذا العصر أخطر ولا أشد عليهم من الاختلاف والتفرق والتشرذم، ولم يتسلط عليهم الأعداء إلا لتفرقهم واختلافهم.

لا شك أن الخلاف كائن في هذه الأمة كما كان كائناً في غيرها من الأمم: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك".1

ولا شك كذلك أن الخلاف منه ما هو سائغ ومنه ما هو ممنوع، والتمييز بين ما هو سائغ وما هو ممنوع مطلب شرعي وواجب ديني.

لا تستطيع قوة في الأرض أن تمنع من وقوع الاختلاف بين الناس، ولكن علمنا ربنا ماذا نفعل عند الاختلاف، فقال: "فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول"2، وقال: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً"3، وأدَّبنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الخلاف السائغ لا يوجب عداء ولا هجراً، وأرشدنا سلفنا الصالح إلى كيفية التعامل مع المخالف، وحذرنا الشارع الحكيم من مغبة البغي والظلم والكبر، وقالت الحكماء: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

جل الخلافات بين المنتسبين إلى السنة والسلفية اليوم تنحصر في الآتي:

1.  في بعض الفروع.

2.  في وسائل العمل وليس في الغايات.

3.  بعض النوازل.

4.  بعض التأويلات الخاطئة.

وكلها لا تخرج عن دائرة الخلاف السائغ الجائز في الجملة، الذي لا يوجب عداء ولا تبديعاً وتضليلاً وتكفيراً، وغاية ما ينتج عنه التخطئة، ولا يكون سبباً بحال من الأحوال لما نراه من التفرق والتشرذم والتحزب، وما نتج عن ذلك من التباغض، والتحاسد، والتبديع، والتكفير في بعض الأحيان.

ومرد كل ذلك لأمور هي:

1.  قلة الفقه.

2.  قلة الورع أوانعدامه.

3.  انعدام الثقة وسوء الظن بالآخر.

4.  الغرور والاستكبار.

5.  عدم إدراك المخاطر المحيطة بالمسلمين عموماً.

6.  قلة الحكمة عند القيادات.

7.  سوء أدب كثير من الأتباع.

يتضح ذلك إذا أجرينا مقارنة بين نوع وحجم الخلاف الذي حدث لسلفنا الصالح وكيفية تعاملهم مع الخلاف والتزامهم بالآداب الشرعية والسنن المرعية، وضبط النفس، والتحلي بالحكمة، والصبر في أحلك المواقف، وبين مانراه ونشاهده من تباغض، وتناحر، وسباب، وشتم، ومعاداة بين إخوة العقيدة ورفقاء الدرب، من أتباع السنة والسلفية مع بعضهم البعض، حيث لم يسعهم ما وسع سلفهم الصالح.

نماذج لسلوك بعض السلف مع المخالفين لهم فيما يسوغ فيه الاختلاف وما لا يسوغ

1. خالف ابن مسعود عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في أكثر من مائة مسألة في الفرائض وغيرها، ومع ذلك كان عمر من أحب الخلق لابن مسعود رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان كل منهما يثني على صاحبه بما هو أهله، ولم نجد لهذه الخلافات أثراً في سلوكهما ومعاملتهما.

كان عمر يقول عن ابن مسعود: "كنيِّف ملئ علماً"، وعندما استشهد عمر قال ابن مسعود: "لم يُصب الإسلام بمصيبة أفدح من هذه"، أوكما قالا.

2. عندما أتم عثمان بن عفان رضي الله عنه الصلاة الرباعية في موسم الحج بمنى متأولاً، أتم معه ابن مسعود، فقيل له: كيف تصلي أربعاً وقد صليتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ركعتين؟! قال: "الخلاف شر".

الذي حمل ابن مسعود على إتمام الصلاة الرباعية بمنى مع عثمان خوف الاختلاف الذي لا يأتي بخير، وإن كان المخالف محقاً، طالما أن عثمان فعل ذلك متأولاً، وهو إمام راشد يُقتدى بفعله.

3. معاملة علي رضي الله عنه للمقاتلين له من أهل الجمل وصفين، وإكرامه لعائشة رضي الله عنها، ورده لها إلى المدينة معززة مكرمة مع فريق من النساء، وقد أخرج ابنيه الحسن والحسين مشيعين لها من الكوفة.

وقوله لمن أخبره بمقتل الزبير رضي الله عنه: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار.

4. ثنـاء علي رضي الله عنه على الذين امتنعـوا عن القتـال معه ومع غيـره: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

5. عندما سُئل عن الخوارج الذين شقوا عصا الطاعةعليه، وأضعفوا عسكره، وكفروه، وقاتلوه، وفي نهاية المطاف قتلوه ظلماً وعدواناً: هل هم كفار؟ قال: لا، بل من الكفر فروا.

فقالوا له: هل هم منافقون؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء كما شهد لهم الرسول: "ينكر أحدكم صلاته إلا صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم" الحديث.

فقالوا: ما هم؟ قال: إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم.

قال كل ذلك على الرغم من أنه يملك دليل كفرهم من السنة المطهرة، وعلى الرغم من انشراحه لقتالهم، وعدم انشراحه لقتال أهل الجمل وصفين، لأنهم كانوا صادقين في تأويلهم على الرغم من خطئهم في هذا التأويل.

6.  اختلف الشافعي وأحمد رحمهما الله وتناظرا في كفر تارك الصلاة كسلاً، وثبت كل منهما على ما أدَّاه إليه اجتهاده، ولم يؤثر هذا الخلاف ولا تلك المناظرة في علاقتهما وودهما لبعض.

قال الشافعي: خرجتُ من بغداد ولم أخلف فيها أفضل ولا أورع ولا أعلم من أحمد؛ وقال: أحمد إمام في عشرة أمور؛ ذكر منها الحديث، والفقه، والزهد، والفقر.

وكان أحمد يقول: الشافعي حبيب قلبي؛ وكان يدعو له في السحر مع والديه وبعض أهل وده.

7.    صفح الإمام أحمد رحمه الله وعفوه عن كل من أذاه بالضرب والسجن والتعذيب، إلا عن أئمة الفتنة الحقيقيين.

8.  جانب من حلم وصفح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن خصومه عندما قدر عليهم ومُكِّن منهم، ونهدي ذلك إلى أولئك الذين يستدلون بأقوال هذا الإمام ويهملون ما كان يعامل به خصومه من أهل البدع وغيرهم.

قال الشيخ علم الدين البرزالي: (لما دخل السلطان4 إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية5 معززاً مكرماً مبجلاً، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أويومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل في قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه، ويتنصل مما وقع منه، فقال الشيخ: أنا أحللتُ كل من أذاني.

إلى أن قال: وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا يتكلمون فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله –أي الملك-... وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضاً، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم – أي الملك على العلماء – بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحد منهم بسوء، وقال: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له – أي الملك -: إنهم قدآذوك وأرادوا قتلك مراراً؛ فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي؛ وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حَرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجَّ عنا).6

9.  وقال ابن القيم مادحاً ابن تيمية: (كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت له يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إذائه فزجرني، وأعرض عني، وقرأ: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وذهب لساعته إلى منزله فعزى أهله، وقال: اعتبروني خليفة له، ونائباً عنه، وسأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه؛ وتحدث معهم بلطف وإكرام، بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه).

هذه النماذج الرائعة والصور الجميلة توضح ما كان عليه سلفنا الصالح من الفقه والأدب والورع وحسن الخلق، وتبين كذلك البون الشاسع والفرق الواسع بيننا وبينهم، حيث أن بعضنا يفتعل أسباب الخلاف افتعالاً، بإفشاء الزلات وتضخيمها، وستر الحسنات وإخفائها، ويعادي من غير سبب شرعي، على الرغم من أن الأسباب التي تدعو إلى الائتلاف والتوافق أكثر من أن تحصى في هذا العصر، من تكالب الأعداء من كفار ومنافقين وجهلة ومبتدعين.

والله أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا القائل: "سدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا"، وعلى آله وصحبه ومن والاهم.

  بداية الصفحة