الاستقامة
"قل آمنتُ بالله ثم استقم"

تعريف الاستقامة

مفاد هذه التعريفات، وحقيقتها، ومدلولها

فحقيقة هذه التعريفات تُتَرجم في الآتي

أدلة الاستقامة

ما الذي يعين على تحقيق الاستقامة؟

ثمار الاستقامة ونتائجها

 

الاستقامة، وما أدراك ما الاستقامة، ثم ما أدراك ما الاستقامة، إنها أس الديانة، وسبيل السلامة، إذ هي أكبر كرامة في الدنيا، المفضية إلى الكرامة الأبدية وهي الجنة: "فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ".1

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فلو مشى المرء على الماء، أوطار أوتربع في الهواء، ما دل ذلك على قبول الله له حتى يستقيم على أمر الله ونهيه، إذ هو الضابط الوحيد للكرامة.

حُكِي للإمام الشافعي رحمه الله ما قاله الليث بن سعد، فقيه مصر ومفتيها في زمانه: "لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقال: "لقد قصَّر الليث، لو رأيتم الرجل يمشي على الماء، أويطير في الهواء، فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب".

أمر بهذه الخطورة والأهمية فيه فلاح الدنيا والآخرة، ينبغي لكل مسلم عاقل أن يسعى لتحقيقه في نفسه، ويحرص على أن ينال منه حظه، فما لا يدرك كله لا يترك جله، فالكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، كما أخبر الصادق المعصوم، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن تُحاسب، ووزن أعماله بميزان الشرع قبل أن توزن عليه، وتزيَّن ليوم العرض الأكبر، كما قال عمر بن الخطاب، الناصح البصير.

وبعد..

فما حقيقة الاستقامة؟ وما دليلها؟ وبِمَ تنال؟ وما ثمرتها؟

  بداية الصفحة

تعريف الاستقامة

لأئمة الدين في تعريف الاستقامة وحدها ألفاظ وأقوال مختلفة، ذات دلالة واحدة، والأقوال هي2:

1.  سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة، فقال: "أن لا تشرك بالله شيئاً".

2.  وقال عمر رضي الله عنه: "أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب".

3.  وقال عثمان رضي الله عنه: "إخلاص العمل لله".

4.  وعرفها علي رضي الله عنه: "بأنها أداء الفرائض".

5.  وقال الحسن البصري رحمه الله: "استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته".

6.  وقال مجاهد رحمه الله: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله".

7.  وقال ابن زيد وقتادة رحمهما الله: "الاستقامة على طاعة الله".

8.  وقال سفيان الثوري رحمه الله: "العمل على وفاق القول".

9.  وقال الربيع بن خيثم رحمه الله: "الإعراض عما سوى الله".

10.  وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الزهد في الفانية، والرغبة في الباقية".

11.  وقال ابن تيمية رحمه الله: "الاستقامة على محبة الله وعبوديته، وعدم الالتفات عنه يمنة أويسرى".

12.  وقال شيخ الإسلام الهروي رحمه الله: "الاجتهاد في اقتصاد".

  بداية الصفحة

مفاد هذه التعريفات، وحقيقتها، ومدلولها

الاستقامة من الكلمات الجامعة المانعة، كالبر، والخير، والعبادة، فلها تعلق بالقول، والفعل، والاعتقاد.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: (هذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله، عقداً، وقولاً، وفعلاً، وداوموا على ذلك.

وقال ابن القيم رحمه الله: فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء.

والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال، والأحوال، والنيات، فالاستقامة فيها، وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله).

  بداية الصفحة

فحقيقة هذه التعريفات تُتَرجم في الآتي

أولاً: الإيمان الصادق بالله عز وجل.

ثانياً: الاتباع الكامل والاقتداء التام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"3، قال: أخلصه وأصوبه؛ قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أن يكون العمل خالصاً لله عز وجل، وموافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أوكما قال.

ثالثاً: أداء الواجبات: "ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه" الحديث، وفعل الواجبات أفضل من ترك المحرمات.

رابعاً: الانتهاء عن المحرمات والمكروهات.

خامساً: الإكثار من النوافل والتطوعات: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث.

سادساً: المداومة على أعمال الخير: "أحب العمل إلى الله أدومه" الحديث، وقالت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان عمله ديمة".

سابعاً: التوسط والاعتدال، فخير الأمور الوسط، وعمل قليل في سبيل وسنة خير من كثير في بدعة، والاعتدال لا يعني التسيب والانفلات، فبين التشدد، والالتزام، والتفلت فروق دقيقات.

ثامناً: حفظ الجوارح وسجن اللسان.

تاسعاً: السعي لتزكية النفس: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"4.

عاشراً: الاجتهاد في طاعة الله عز وجل، وفي نيل مرضاته قدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

  بداية الصفحة

أدلة الاستقامة

لقد حث الله على الاستقامة، وأمر بها عباده، وكذلك حض عليها نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك:

  • قوله تعالى: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"5.

  • وقوله: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"6.

  • وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"7.

  • وقال مخاطباً الرسول وأمته: "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"8.

  • وفي صحيح مسلم9 عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقم".

  • زاد الترمذي: قلت: يا رسل الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، وقال: "هذا".

  بداية الصفحة

ما الذي يعين على تحقيق الاستقامة؟

الاستقامة على أمر الله نعمة عظيمة، ودرجة رفيعة، ومنة عالية، فتحقيقها يحتاج إلى جد، واجتهاد، وصبر، واحتساب، ودعاء، وتضرع، وإخبات، وتوفيق، واحتراز.

أهم المعينات على تحقيق ذلك بعد توفيق الله عز وجل ما يأتي:

أولاً: الدعاء والتضرع، وسؤالها بجد وإخلاص، ولأهمية ذلك أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة، لما فيها من سؤال الصراط المستقيم المخالف لأصحاب الجحيم.

فالدعاء هو العبادة، وهو سلاح المستضعفين، وعدة الصالحين، ولا يعجز عنه إلا المخذولين، فالله سبحانه وتعالى مالك الهداية والاستقامة، فلا تُطلب إلا من مالكها.

ثانياً: الاشتغال بالعلم الشرعي، فالعلم قائد والعمل تبع له: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ"10، فأمر بالعلم قبل العمل.

وينبغي أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويشرع في الأهم ثم المهم، وأن يتلقى من مشايخ أهل السنة الموثوق بدينهم وعقيدتهم وعلمهم، "إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم"، كما قال مالك وغيره.

ثالثاً: الحرص على التمسك بالسنة، فهي سفينة النجاة، والحذر كل الحذر من البدع والاقتراب من المبتدعين، فإن ذلك هو الداء العظيم، والضلال المبين، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"، وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، كما جاء في الصحيح، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

رابعاً: مراقبة الله في السر والعلن.

خامساً: مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وعدم الغفلة عن ذلك، ومحاسبتها في كل وقت وحين، وعلى الجليل والحقير.

سادساً: الإكثار من تلاوة القرآن، ومحاولة حفظه أوما تيسر منه، والمداومة على ورد ثابت.

سابعاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار وأدعية المناسبات المختلفات، فمن لم يوفق للغزو والجهاد، ولا لصيام الهواجر وقيام الليالي، فلا يفوتنه أن يعوض عن ذلك بلسانه.

فقد روي مرفوعاً وموقوفاً كما قال ابن رجب الحنبلي11 رحمه الله: "من فاته الليل أن يكابده، وبخل بماله أن ينفقه، وجبن عن عدوه أن يقاتله، فليكثر من "سبحان الله وبحمده"، فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أوفضة ينفقه في سبيل الله عز جل".

ويغني عنه ما في الصحيح: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله".

ثامناً: الحرص على سلامة القلب، والحذر من أمراض القلب المعنوية، كالحسد، والرياء، والنفاق، والشك، والحرص، والطمع، والعُجْب، والكِبْر، وطول الأمل، وحب الدنيا، فإنها أخطر من أمراضه الحسية، وهي سبب لكل رزية.

تاسعاً: التقلب بين الخوف والرجاء، في حال الصحة والشباب يغلب جانب الخوف، وعند المرض ونزول البلاء وعند الاحتضار يغلب جانب الرجاء.

عاشراً: مزاحمة العلماء بالركب، والقرب منهم، والحرص على الاستفادة منهم، واقتباس الأدب والسلوك قبل العلم والمعرفة.

أحد عشر: دراسة السيرة النبوية، وتراجم الأصحاب والعلماء، يعين على تزكية النفوس والترقي بها، "فإن التشبه بالرجال فلاح".

الثاني عشر: الحرص على معاشرة الأخيار، فالمرء على دين خليله، والطيورعلى أشكالها تقع، "الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ"12.

الثالث عشر: الإكثار من ذكر الموت وتوقعه في كل وقت وحين، فهو أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.

الرابع عشر: القناعة بما قسم الله، والرضا بذلك، والنظر إلى من هو دونك وليس إلى من هو أرفع منك في شأن الدنيا، أما في شأن الدين: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"13.

الخامس عشر: الخوف والحذر من سوء الخاتمة.

السادس عشر: سؤال الله والاستعاذة به من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

السابع عشر: الاستفادة من الوقت، والحرص عليه، فما العمر إلا أيام، وساعات، وثوان.

الثامن عشر: تجديد التوبة والإنابة، مع تحقيق شروطها والحرص على أن تكون توبة نصوحاً.

  بداية الصفحة

ثمار الاستقامة ونتائجها

ما أكثر ثمار الاستقامة، وما أجل نتائجها، وما أفضل عقباها، نسوق منها ما يلي، إذ العبرة بالخواتيم:

1.  السعادة في الدنيا.

           فلستُ أرى السعادة جمع مال                        ولكن التقي هو السعيــد

2. نزول ملائكة الرحمة على المستقيمين عند الموت مطمئنة ومثبتة لهم، ومبشرة إياهم: "أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا"14، أي لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم.

3.  وكذلك تبشرهم في القبر بالقول الثابت.

4.  وعند القيام للبعث والنشور.

5.  دخل الجنة دار الكرامة والمقامة: "لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ"15.

اللهم ارزقنا الاستقامة، وأحلنا دار الكرامة، وأجرنا من الذل، والخزي، والمهانة.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، واحشرنا في زمرة الرسل، والأنبياء، والشهداء، والصالحين، اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، والنصر على الأعداء، والعصمة من الفتن العمياء، وصلى الله وسلم على إمام المتقين، وسيد الغر المحجلين، الداعي إلى خيري الدنيا والدين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين.

  بداية الصفحة