من لا يُسَّلم عليهم، وإذا سُلِّم عليهم لا يردون، أو لا يُرَد عليهم

المواطن التي لا يُسَّلم فيها على المسلم ولا يُرَد إذا سُلـِّم عليه فيها

الذين لا يُسلـَّم عليهم وليسوا مطالبين بالرد إذا سُلـِّم عليهم

الأدلة على ذلك

(أ‌) سلام الرجال على النساء، والنساء على الرجال

(ب‌) السلام على الكفار والرد عليهم

من سلم على من يظنه مسلماً فبان كافراً هل يسترد سلامه؟

من غمض عينيه عند رؤية كافر ذميٍّ

(ج)  السلام على أهل البدع الداعين لها، المجاهرين بها والرد عليهم

حكم هجر أهل البدع الداعين المهاجرين

أقل درجات هجر المبتدع

(د) الفسقة والفجرة المجاهرون بذلك

(ﻫ) تارك الصلاة كسلاً

(و) السحرة والمشعوذون

(ز) من ارتكب ذنباً عظيماً ولم يتب منه وإن كان من مستوري الحال

(ح) المتخلي

(ط) المصلي والمؤذن والقارئ للقرآن

(ي) الآكل في حال ازدراد الطعام، والشارب أثناء شربه

 

لكل مقامٍ مقال، ولكل حال شأن، فالسلام تحية المسلمين في الدنيا والآخرة، حكمه سنة ورده واجب، وهو من أوجب حقوق المسلم على إخوانه المسلمين، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيته فسلـِّم، وإذا دعك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه"1.

هذه الحقوق من الحقوق الكفائية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا تركها الجميع أثموا.

هذا الحق ـ السلام ورده ـ يسقط في بعض المواطن، والحالات، والهيئات التي يكون فيها وعليها المُسَلـِّم والمُسَلـَّم وهو ما نريد بيانه في إيجاز تبصيراً لمن يجهله، وإزالة للحرج الذي يعتري بعض المسلمين.

من هؤلاء من لا يُسَلم عليهم لعدم تهيئتهم وانشغالهم، ومنهم من لا يُسَلم عليهم ولا يرد عليهم زجراً لهم ولأمثالهم.

المواطن التي لا يُسَّلم فيها على المسلم ولا يُرَد إذا سُلـِّم عليه فيها

الذين لا يُسلـَّم عليهم وليسوا مطالبين بالرد إذا سُلـِّم عليهم هم

1.  المصلي.

2.  المؤذن، والمقيم.

3.  قارئ القرآن.

4.  المتخلي في حال قضاء الحاجة.

5.  الملبي.

6.  المرأة مع الرجل الأجنبي.

7.  الرجل مع المرأة الأجنبية.

8.  تارك الصلاة كسلاً.

9.  السحرة والمشعوذون.

10. أهل البدع الكفرية، المجاهرون بها، الداعون إليها.

11. أهل الفسوق والفجور، المجاهرون بذلك.

12. الكفار والمشركون.

13. أهل اللهو في حال تلبسهم به.

14. الآكل والشارب في حال ازدراد الطعام، وأثناء الشرب مع خلاف في ذلك.

15. الجالسون في حلق العلم.

16. النائم والناعس.

17. في حال خطبة الجمعة.

18. لمن كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه.

19. من ارتكب ذنباً عظيماً، ولم يتب منه وإن كان من مستوري الحال.

20. الظلمة إلا إذا خاف من شرهم وسطوتهم.

هؤلاء منهم من يحرم السلام عليهم والرد منهم كالجالس لقضاء الحاجة، ومنهم من يكره السلام عليه كالآكل والشارب مع اختلاف وتفصيل لأهل العلم في ذلك.

 ã 

الأدلة على ذلك

إليك بعض الأدلة على ذلك:

1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروهم إلى أضيقه"2.

2. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن رَهْطاً3 من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّـام4 عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليكم" فقالت عائشة: بل عليكم السَّام واللعنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟! قال: "قد قلت: وعليكم")5.

3. عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فلم يرد عليه ـ يعني السلام)6.

4. وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: "... فيجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فيسلم تسليماً، لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان..."7.

5. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، واليهود فسلم عليهم)8.

6. قال كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له: (... ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، قال: وكنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه فأقول: هل حرَّك شفتيه يرد السلام أم لا؟)9.

7. وقال البخاري رحمه الله: وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "لا تسلموا على شربة الخمر"10.

8. سئل عطاء بن أبي رباح عن السلام على النساء؟ فقال: (إن كن شواب فلا)11.

9. وعن مجاهد أن ابن عمر رضي الله عنهما مر على امرأة فسلـَّم عليها"12. قلت لعلها متجالة، أو من محارمه.

10. وعن الحسن البصري: (أنه كان لا يرى أن يسلم الرجل على المرأة إلا أن يدخل عليها في بيتها فيسلم13)14.

11. وجاء رجل إلى الحسن فقال: أسلم على النساء؟ قال: (الحق بأهلك)15.

12. وسئل مالك عمن سلم على اليهودي أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: (لا)16.

13. وقال شعبة: (سألت الحكم وحماداً عن السلام على النساء فكرهاه على الشابة والعجوز17)18.

14.  قال يحيى: (سئل مالك، هل يسلم على المرأة؟ فقال: أما المتجالة فلا أكره، وأما الشابة فلا أحب ذلك)19.

 ã 

أقوال العلماء

(أ‌) في سلام الرجال على النساء، والنساء على الرجال

قال الإمام النووي رحمه الله تحت باب: [من يسلم عليه، ومن لا يسلم عليه، ومن يرد عليه، ومن لا يرد عليه]: (أعلم أن الرجل المسلم الذي لبس بمشهور بفسق، ولا بدعة، يُسلـِّم ويُسلـَّم عليه. فيسن له السلام ويجب الرد عليه.

قال أصحابنا20: والمرأة مع الرجل كالرجل مع المرأة. وأما المرأة مع الرجل، فقال الإمام أبو سعد المتولي: إن كانت زوجته، أو جاريته، أو محرماً من محارمه فهي معه كالرجل، فيستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر السلام عليه. وإن كانت أجنبية، فإن كانت جميلة21 يخاف الافتتان بها لم يسلم الرجل عليها، ولو سلم لم يجز لها رد الجواب، ولم تسلم هي عليه ابتداءً، فإن سلمت لم تستحق جواباً، فإن أجابها كره له، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها. وإذا كانت النساء جمعاً فيسلم22 عليهن الرجل، أو كان الرجال جمعاً كثيراً فسلموا على المرأة الواحدة جاز، إذا لم يخف عليه وعليهن ولا عليها وعليهم فتنة)23.

وقال الحافظ بن حجر رحمه الله:(وقال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء، والنساء عن الرجال جائز24، إذا أمنت الفتنة، وفرق المالكية بين الشابة والعجوز25 سداً للذريعة26، ومنع منه ربيعة27 مطلقاً. وقال الكوفيون28: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الأذان والإقامة29، والجهر بالقراءة، قالوا: فيستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محارمها.

قال المهلب: وحجة مالك حديث سهل في الباب30، فإن الرجال الذين كانوا يزورونها وتطعمهم لم يكونوا من محارمها. انتهى.

وقال المتولي: إن كان للرجل زوجة، أو محرم، أو أمَةٌ فكالرجل مع الرجل، وإن كانت أجنبية نظر: إن كانت جميلة31 يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداءً ولا جواباً، فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز.

وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه، فإن الجمال مظنة الافتتان، فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء32 جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة).

وقال الحطـَّاب رحمه الله33: وأما السلام على الشابة فقال الفاكهاني في شرح العمدة في باب اللباس: ولا يسلم على الشابة بخلاف المتجالة انتهى.

وصرح الجزولي بأنه يكره السلام على الشابة، وأنه يجوز للشاب أن يسلم على المتجالة34، وللمتجالة أن تسلم على الشاب.

وعن التدالي ما نصه: ولا يسلم على الشابة.

وقال اللخمي: ولا يسلم على الشابة35.

وقال القرطبي رحمه الله: (وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة الشيطان ، أو خائنة عين. وأما المتجالات والعُجْز فحسن للأمر فيما ذكرناه، هذا قول عطاء وقتادة وإليه ذهب مالك، وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات محرم.... والصحيح الأول)36.

الذي يترجح لدي من أقوال العلماء السابقة:

  • أن كلاً من الرجل والمرأة لا يسلم أحدهما على الآخر إن كان منفرداً وإذا سلم أحدهما على الآخر لا يرد عليه السلام.

  • أما الرجل الواحد فيجوز أن يسلم على جماعة النساء وكذلك المرأة الواحدة أن تسلم على جماعة الرجال باللفظ والإشارة أما المصافحة فلا تحل لرجل ولا لامرأة غير المحارم أياً كان.

 ã 

(ب‌) السلام على الكفار والرد عليهم:

ذهب أهل العلم في بدء الكفار والمشركين بالسلام مذاهب هي:

1.   لا يحل.

2.  يجوز.

3.  لا يجوز إلا عند الحاجة ودفع الضرر.

وفي الرد عليهم أقوال هي:

1.  يرد عليهم بعليكم.

2.  يرد عليهم بغير تحية الإسلام.

3.  لا يرد عليهم.

قال النووي رحمه الله: (وأما أهل الذمة37 فاختلف أصحابنا فيهم، فقطع الأكثرون أنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه. فإن سلموا هم على مسلم قال في الرد: وعليكم، ولا يزيد على هذا.

وحكى أقضى القضاة الماوردي وجهاً لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكن يقتصر المُسَّلـِّم على قوله: السلام عليك38، ولا يذكره بلفظ الجمع.

وحكى الماوردي وجهاً أنه يقول في الرد عليهم إذا ابتدءوا وعليكم السلام، ولكن لا يقل: ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان....

قال أبو سعد: لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك.

قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه فيقول: صبحت بالخير، أو بالسعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك39.

وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له، وإيناس، وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم، ومنهيون عن ودهم فلا نظهره والله أعلم.

إلى أن قال: إذا مر واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم، ويقصد المسلمين أو المسلم.

إلى أن قال: وإذا كتب كتاب إلى مشرك ـ أو كافر ـ وكتب فيه سلاماً، أو نحوه فينبغي أن يكتب ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم في حديث أبي سفيان رضي الله عنه في قصة هرقل: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب: من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى")40.

وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا"41: (واختلف في رد السلام على أهل الذمة42 هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ابن عباس، والشعبي، وقتادة، تمسكاً بعموم الآية، وبالأمر بالرد عليهم في صحيح السنة وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب، فإن رددت فقل: عليك. واختار ابن طاووس أن يقول في الرد عليهم: علاك السَّلام، أي ارتفع عنك. واختار بعض علمائنا: السِّلام (بكسر السين) يعني به الحجارة. وقول مالك وغيره في ذلك كافٍ كما جاء في الحديث43.

وقال في تأويل قول إبراهيم عليه السلام: "قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ"44 لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد، لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامة المسالمة التي هي المتاركة لا التحية، قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيهاً، كما قال تعالى: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا"45 وقال بعضهم: معنى تسليمه: هو تحية مفارق، وجوَّز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم، قال الله تعالى: " لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"46 وقال: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ"47 وقال إبراهيم لأبيه: "سَلامٌ عَلَيْكَ". قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة)48.

قلت: استدلال البعض لتبرير موالاة الكفار جميعاً محاربين وغير محاربين بهذه الآية خطأ فاحش، وجريمة نكراء، وهو من باب الاستدلال بكلمة حق على باطل محض، لهذا فليحذر الذين يخالفون أوامر الله، ويبررون الباطل، ويزينون القبيح، وليعلم هؤلاء أنهم موعودون بما وعد به المبدلون للكتب السابقة، والمحرفون لها عن مرادها فليبشروا بذلك وليهنأوا.

وقال زين الدين العراقي رحمه الله: (قال أكثر أهل العلم من السلف والخلف بوجوبه ـ أي الرد ـ ومنعه طائفة من العلماء، فقالوا: لا يرد عليهم، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. أما ابتداؤهم بالسلام فمنعه أكثر العلماء وذهبت طائفة إلى جوازه. وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا49 حكاه الماوردي ولكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: السلام عليكم بالجمع، وتمسك هؤلاء بعموم أحاديث إفشاء السلام، وكيف يصح التمسك بها مع ورود المخصص وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام". وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم، ويرده أن ظاهر النهي التحريم وهو الصواب. وقالت طائفة: يجوز ابتداؤهم به لضرورة، أو حاجة، أو سبب، وهو قول علقمة وإبراهيم. وعن الأوزاعي أنه قال: إن سلمتَ فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون)50.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وعن طائفة من العلماء: لا يرد عليهم51 السلام أصلاً. وعن بعضهم: التفرقة بين أهل الذمة، وأهل الحرب. والراجح من هذه الأقوال كلها ما دل عليه الحديث ولكنه مختص بأهل الكتاب. وقد أخرج أحمد بسند جيد عن حميد بن زادويه، وهو غير حميد الطويل في الأصح عن أنس: أمرنا أن لا نزيد على أهل الكتاب على: وعليكم)52.

 ã 

من سلم على من يظنه مسلماً فبان كافراً هل يسترد سلامه؟

ذهب أهل العلم في استرداد السلام، إذا سلم على من ظنه مسلماً فبان أنه كافر إلى أقوال هي:

1.  يسترد، وهذا مذهب ابن عمر رضي الله عنهما.

2. لا يسترد وهذا مذهب مالك.

3.  يسترد إلا إذا خشي الضرر من الكافر.

قال النووي رحمه الله: (قال أبو سعد المتولي: ولو سلم على رجل ظنه مسلماً فبان كافراً يستحب أن يسترد سلامه، فيقول له: رد عليَّ سلامي، والغرض من ذلك أن يوحشه، ويظهر له أن ليس بينهما ألفة. وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما سلم على رجل، فقيل له: إنه يهودي53، فتبعه، وقال له: ردَّ عليَّ سلامي.

وروينا في موطأ مالك رحمه الله أن مالكاً سئل عمن سلم على اليهودي أو النَّصراني54 هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبه، واختاره ابن العربي المالكي)55.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واستدل بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب" بأنه لايشرع للمسلم ابتداء الكافر بالسلام، حكاه الباجي عن عبد الوهاب56، قال الباجي: لأنه بين حكم الرد ولم يذكر حكم الابتداء، كذا قال. ونقل ابن العربي عن مالك، لو ابتدأ شخصاً بالسلام وهو يظنه مسلماً فبان كافراً، كان ابن عمر يسترد منه سلامه، وقال مالك: لا. قال ابن العربي: لأن الاسترداد حينئذ لا فائدة له، لأنه لم يحصل له منه شيء لكونه قصد السلام على المسلم. وقال غيره: له فائدة، وهي إعلام الكافر أنه ليس أهلاً للابتداء بالسلام.

قلت: ويتأكد إذا كان هناك من يخشى إنكاره لذلك، أو إقتداؤه به، إذا كان الذي سلم ممن يقتدى به)57.

 ã 

من غمض عينيه عند رؤية كافر ذميٍّ

لم يقتصر البعض بعدم ابتداء الكافر بالسلام، ولا بالرد عليه، بل تعداه بحيث كان يغمض عينيه إذا قابله كافر كما كان يفعل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، فكان إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه. فقيل له في ذلك؟ فقال: لا اقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه58.

الذي يترجح لدي من الأدلة السابقة ومن أقوال العلماء ما يأتي:

  • لا يحل بدء الكفار بالسلام.

  • إذا سلم الكافر على المسلم يرد عليه بما ورد في الحديث الصحيح ب"عليكم".

  • إذا ابتلي المسلم بمخالطة الكفار واضطر أن يسلم أو يرد عليهم لا يحييهم بتحية الإسلام، وإنما بتحايا نحو: كيف حالك، صباح الخير، مساء الخير، في السلام وفي الرد بـ: هداك الله.

  • أما إذا كتب كتاباً لكافرٍ، أو مشرك فيقول فيه كما قال رسولنا الكريم: "سلام على من اتبع الهدى".

 ã 

(ج) السلام على أهل البدع الداعين لها، المجاهرين بها والرد عليهم:

لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبدأ أو يرد على بدعي عرف بالدعوة إلى بدعته والجهر بها. بل هجر أهل البدع الكفرية من أجَل القربات، وأفضل التطوعات.

ليس لهجر أهل البدعة حد، إلا أن يتوبوا عن بدعتهم ويعلنوا ذلك على الملأ كما أعلنوا بدعتهم وضلالهم، قال تعالى: " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ"59.

وينبغي أن يكون هجر أهل البدع ـ بعد أن يبين لهم ضلالهم ـ هجراً طويلاً غير جميل.

من أولئك المبتدعة الذين ينبغي أن يهجروا في هذا العصر:

1.  الرافضة، الشيعة، وكل من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.  الرؤوس الضلال، والشيوخ الجهال الذين أنكروا ما هو معلوم من الدين ضرورة.

3.  كل من له أتباع من أهل البدع والأهواء يعتدون به وينخدعون ببدعته.

4. المعادون لأولياء الله من العلماء وأهل السنة.

 ã 

حكم هجر أهل البدع الداعين المهاجرين

حكم هجر أهل البدع الوجوب. قال ابن مفلح: قال "أحمد رحمه الله: (ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة، أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه، أو خاف الاغترار به والتأذي دون غيره. وقيل يجب هجره مطلقاً، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله عنه السابق. وقطع ابن عقيل به في معتقده قال: ليكون ذلك كسراً له واستصلاحاً، واستدل عليه.

وقال أيضاً: إذا أردتَ أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطآتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله، ينظمون وينثرون هذا يقول: حديث خرافة، والمعري يقول:

تلوا باطلاً وجلوا صارماً      وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم

يعني بالباطل كتاب الله عز وجل، وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت مصنفاتهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلوب.

وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ـ ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى.

وقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي أيسلم عليه؟ قال: لا، وإذا سلم عليه لا يرد عليه.

وقال ابن حامد: يجب على الخامل، ومن لا يحتاج إلى خلطهم، ولا يلزم من يحتاج إلى خلطهم لنفع المسلمين.

وقال ابن تميم: وهجران أهل البدع ـ كافرهم وفاسقهم60 ـ والمتظاهرين بالمعاصي، وترك السلام عليهم فرض كفاية ومكروه لسائر الناس.

وقيل: لا يسلم أحد على فاسق معلن، ولا مبتدع معلن داعية، ولا يهجر مسلماً مستوراً غيرهما من السلام، فوق ثلاثة أيام.

وقال القاضي أبو الحسن في [التمام]61: لا تختلف الرواية62 في وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة، أطلق63 كما ترى، وظاهره: أنه لا فرق بين المجاهر وغيره في المبتدع والفساق.

قال: ولا فرق في ذلك بين ذي الرحم والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى)64.

وقال ابن مفلح في موضع آخر: (روى الخلال في [كتاب العلم] بسنده إلى أبي ثابت الخطاب قال: لقيني أبو عبد الله، فقال: من أين يا ثابت؟ قلت: أشتري دقيقاً لأبي سليمان الجوزجاني. فقال: تشتري لأبي سليمان دقيقاً؟ فقلت: وما بأس؟ فقال: ما يحل لك. فقلت: من أي شيء تقول يا أبا عبد الله؟ قال: لا يحل تشتري دقيقاً لرجل يرد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم).65

 ã 

أقل درجات هجر المبتدع:

عدم السلام، والرد عليه، وعدم إجابة دعوته، وتشييعه والصلاة خلفه، وعليه.

 ã 

(د) الفسقة والفجرة المجاهرون بذلك:

من جملة الذين لا يبدأون بالسلام وإذا سلم أحدهم لا يرد عليه أهل الفسق والفجور المجاهرون بذلك نحو:

1. الفنانين والفنانات.

2. والعازفين والعازفات.

3.  والممثلين والممثلات.

4.  المرابين التعساء.

5.  المحترفين للعب بالكرة ونحوها.

6.  المبتلين بلعب الورق، والشطرنج، ونحوهما.

7.  كثيري الحلف بالطلاق.

ومن شاكلهم.

وفي عدم السلام والرد عليهم، واعتزال أهل الفضل والصلاح الصلاة على جنائزهم إهانة لهم وزجر لأمثالهم.

قال ابن مفلح رحمه الله: (قال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله66: اطلعنا من رجل على فجور، وهو يتقدم يصلي بالناس، أخرج من خلفه؟ قال: اخرج من خلفه خروجاً لا تفحش عليه.

وقال ابن منصور لأبي عبد الله: إذا عُلـِمَ من الرجل الفجور أنخبر به الناس؟ قال: لا، بل يستر عليه إلا أن يكون داعية67. ويتوجه في معنى الداعية من اشتهر وعرف بالشر والفساد ينكر عليه وإن أسر بالمعصية، وهو يشبه قول القاضي فيمن أتى ما يوجب حداً: إن شاع عنه، استحب أن يذهب إلى وليِّ الأمر ليأخذه به، وإلا ستر نفسه.

وقد قال القاضي: فإن كان يستتر بالمعاصي فظاهر كلام أحمد انه لا يهجر.

قال في رواية حنبل: ليس لمن يسكر ويقارف شيئاً من الفواحش حرمة، ولا وصلة إن كان معلناً لذلك مكاشفاً.

قال الخلال في [كتاب المجانبة]: أبو عبد الله يهجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الرَّدية، أو تعدى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى الإقامة عليه أو الإصرار، وأما من سكر أو شرب، أو فعل فعلاً من هذه الأفعال المحظورة، ثم لم يكاشف بها، ولم يلق فيها جلباب الحياء فالكف عن أعراضهم وعن المسلمين، والإمساك عن أعراضهم والمسلمين أسلم.

إلى أن قال: وينبغي لأهل الخير أن يهجروه68 ميتاً، إذا كان فيه كف لأمثاله فيتركون تشييع جنازته)69.

 ã 

(ﻫ) تارك الصلاة كسلاً

 تارك الصلاة كسلاً كافر كفراً مخرج من الملة في أرجح قولي العلماء. هذا بخلاف من يصلي ويقطع، ويتهاون فيها فقد وعد بالويل قال الله تعالى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ"70 حيث قيل لابن مسعود: هذا الذي لا يصلي؟ فقال: لا، الذي لا يصلي كافر.

فتارك الصلاة بالكلية وإن كان مقراً بوجوبها:

1.  لا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام.

2.   لا تجاب دعوته، ولا يعاد إن مرض، ولا تشيع جنازته.

3.  لا يعطى من الزكاة، ولا من الأضحية.

4. لا يصلى عليه إذا مات، ولا تجري عليه أحكام المسلمين من: الغسل، والدفن في مقابر المسلمين، ولا تعتد عليه زوجه، ولا يرث ولا يورث.

قال ابن مفلح رحمه الله: (وذكر الشيخ تقي الدين71 في [فتواه]: أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي، ولا يجيب دعوته، انتهى كلامه.

وقطع بعض أصحابنا: أنه لا تجب إجابة من يجوز هجره. وقطع جماعة منهم بأنه الذي لا تجب إجابته، وحكاه في [المغني] عن الأصحاب، وقال: إنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة)72.

 ã 

(و) السحرة والمشعوذون

من الذين لا ينبغي أن يسلم عليهم، ولا يرد عليهم إذا سلموا، ولا تجاب دعوتهم، ولا يعادوا، ولا يصلى خلفهم، ولا عليهم، ولا يحل التعامل معهم، السحرة والمشعوذون سيما الذين يتعلق سحرهم بالكواكب والشياطين، الذين يمارسون ما يعرف ب(الحل والعقد) أو (الصرف والعطف) وقد حكم الله عز وجل بكفر أولئك فقال: "وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ"73.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافاً74 فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"75.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أناسٌ عن الكهان، فقال: "ليسوا بشيء" فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون أحياناً بشيء، فيكون حقاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة"76.

 ã 

(ز) من ارتكب ذنباً عظيماً ولم يتب منه وإن كان من مستوري الحال

من الذين لا يسلم عليهم ولا يرد عليهم إذا سلموا، من ارتكب جرماً عظيماً حتى يتوب منه وإن كان من مستوري الحال ودليل ذلك هجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لكعب وصاحبيه قبل أن تنزل توبتهم. وهجر عائشة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.

قال ابن مفلح: (وقيل: ترك السلام على من جهر بالمعاصي حتى يتوب منها فرض كفاية، ويكره لبقية الناس تركه، وظاهر ما نقل عن أحمد ترك الكلام والسلام مطلقاً.

قال أحمد في رواية الفضل، وقيل له: ينبغي لأحد أن لا يكلم أحداً؟ فقال: نعم، إذا عرفت عن أحد نفاقاً فلا تكلمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خاف على الثلاثة الذين خُلـِّفوا فأمر الناس ألا يكلموهم.

قلت لأبي عبد الله: كيف يصنع بأهل الأهواء؟ قال: أما الجهمية، والرافضة فلا، قيل له: فالمرجئة؟77 قال: هؤلاء أسهل إلا المخاصم منهم فلا تكلمه).

إلى أن قال: أما قصة كعب ففيها ترك السلام والكلام، ولهذا كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: هل حرك شفتيه؟ وأنه سلم على أبي قتادة78 فلم يرد عليه.

ثم ذكر عدداً من الآثار منها:

  • أن ابن مسعود رضي الله عنه هجر رجلاً رآه يضحك في جنازة فقال له: أتضحك مع الجنازة؟ لا أكلمك أبداً.

  • وقيل لأنس: إن قوماً يكذبون بالشفاعة وبعذاب القبر. فقال: لا تجالسوهم.

  • وقال حذيفة لرجل جعل على عضده خيطاً من الحمى: لو متَّ وهذا عليك لم اصل عليك.

  • وكتب عمر لأهل البصرة: لا تجالسوا صبيغاً.

  • وقال سعيد بن جبير لأيوب: لا تجالس ابن حبيب فإنه مرجئ.

  • وقال إبراهيم لرجل تكلم عنده في الإرجاء: إذا قمت من عندنا فلا تعد إلينا79.

 ã 

(ح) المتخلي

لا يُسلم على الذي يقضي حاجته، من بول أو غائط، ولا يرد إن سلم عليه.

قال الإمام النووي رحمه الله: (فمن ذلك إن كان المُسَلَّـم عليه مشتغلاً بالبول ـ أوالغائط ـ أو نحوهما، فيكره أن يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق جواباً)80.

 ã 

(ط) المصلي والمؤذن والقارئ للقرآن

كذلك لا يُسلم على المصلي ولا يرد هو السلام إن كان في فرض وله في النافلة أن يرد بالإشارة.

قال النووي: (ومن ذلك من كان مصلياً، أو مؤذناً في حال أذانه أو إقامته الصلاة، أو كان في حمام ونحوه من الأمور التي لا يؤثر السلام فيها)81.

روى الشيخان82: أن ابن مسعود عندما سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة لم يرد عليه فلما سلَّم قال: "إن في الصلاة شغلاً". وعن صهيب أن الأنصار كانوا يسلمون على الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فيرد عليهم بالإشارة83.

وقال القرطبي رحمه الله: (ولا يُسلم على المصلي، فإن سُلم عليه فهو بالخيار إن شاء رد بالإشارة بإصبعه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد. ولا ينبغي أن يسلم على من يقضي حاجته، فإن فـُعل لم يلزمه أن يرد عليه..... ولا يُسلم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته، وهو بالخيار إن شاء رد وإن شاء أمسك حتى يفرغ ثم يرد، ولا يسلم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة، أو كان مشغولاً بما له دخل بالحمام ومن كان بخلاف ذلك سُلم عليه)84.

 ã 

(ي) الآكل في حال ازدراد الطعام، والشارب أثناء شربه

كذلك يكره السلام على الآكل في حال ازدراد الطعام، أو تناول الشراب، فإن سلم عليه فلا يرد إلا بعد فراغه مما في فيه.

قال الإمام النووي رحمه الله: (وأما الأحوال التي يكره فيها، أو يخف، أو يباح فهي مستثناة من ذلك فيحتاج إلى بيانها:

ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً، ومن ذلك من كان مصلياً، أو مؤذناً في أذانه أو إقامته الصلاة، أو كان في الحمام أو نحو ذلك....

ومن ذلك: إذا كان يأكل واللقمة في فمه، فإن سلم عليه في هذه الأحوال لم يستحق جواباً.

أما إذا كان على الأكل وليست اللقمة في فمه فلا بأس بالسلام ويجب الجواب.

وأما السلام في حال خطبة الجمعة فقال أصحابنا: يكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإنصات للخطبة، فإن خالف وسلم فهل يرد عليه، فيه خلاف85 لأصحابنا....

وأما السلام على المشتغل بقراءة القرآن، فقال أبو الحسن الواجدي الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سُلم عليه كفاه الرد بالإشارة، ولإن رد باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة. هذا كلام الواجدي، وفيه نظر. والظاهر أنه يسلم عليه ويجب عليه الرد باللفظ. أما إذا كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يقال هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه والأظهر عندي في هذا أنه يكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل.

وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه، لأنه يكره له قطع التلبية، فإن سلم عليه رد السلام باللفظ، نص عليه الشافعي وأصحابنا رحمهم الله)86.

وقال الحطـَّاب رحمه الله في شرح ما قاله خليل في مختصره: (وسلام عليه) ـ أي على المؤذن ـ: (قال في المدونة: ويكره السلام على الملبي. قال ابن يونس: وكذلك المؤذن قاله في غير المدونة. ونقله أبو الحسن وابن ناجي. وقال صاحب [الطراز]: وأما السلام على المؤذن فالمذهب منعه. وقال التونسي: على القول بأنه يرد إشارة يجوز السلام عليه كالمصلي انتهى.

وينبغي أن يحمل المنع في كلامه على الكراهة. والفرق بين الصلاة والأذان في جواز السلام على المصلي وكراهته على المؤذن. أنه لما جاز للمصلي أن يرد إشارة جاز السلام عليه، والمؤذن والملبي لا يردان إشارة.

إلى أن قال: وقال أبو الحسن الصغير: والذين يكره السلام عليهم خمسة: الملبي، والمؤذن، وقاضي الحاجة، والآكل، والشارب. انتهى.

وقال في المدخل: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: أربعة لا يسلم عليهم، فإن سَلم عليهم أحد لا يستحق جواباً: الآكل، والجالس لقضاء حاجة الإنسان، والمؤذن، والملبي. وزاد بعضهم: قارئ القرآن...

وقال ابن ناجي في الرسالة: لم نقف أنه لا يسلم على الآكل. انتهى.

ونقل في باب السلام والاستئذان عن التادلي ما نصه: ولا يسلم على الشابة، والآكل، وقاضي الحاجة، والملبي، والمؤذن، وأهل البدع، والكافر، وأهل المعاصي. ثم قال: قلت: وما ذكره عن عدم السلام على الأكل لا أعرفه في المذهب، وكذلك أنكره شيخنا أبو مهدي لما سألته هل تعرفه أم لا؟ انتهى.

قلت: تقدم النص عليه في كلام أبي الحسن، وصاحب المدخل، ولم يذكروا المقيم، صرح به الشيبي في شرح الرسالة فقال: ولا يُسلم على المؤذن والمقيم، ولا يردان على من سلم عليهما. وقيل: يردان إشارة. وقيل: يردان بعد الفراغ. وقيل: يردان كلاماً، قاله ابن أبي حازم وابن مّسْلمة. وقال اللخمي: يرد بعد فراغه. انتهى....

وقال في المسائل الملقوطة: يكره السلام على الآكل، وعلى الملبي، وعلى المؤذن، وعلى قاضي الحاجة، وعلى المصلي، وعلى البدعي، وعلى الشابة، وعلى اليهود والنصارى، وعلى القارئ، وعلى أهل الباطل، وعلى أهل اللهو حال تلبسهم به، وعلى لاعب الشطرنج. انتهى.

قلت: وما ذكره من كراهة السلام على المصلي خلاف ما شهره المصنف في السهو، وما ذكره من كراهة السلام على اليهود والنصارى، وأهل البدع صرح به الجزولي في شرح قوله في الرسالة: ولا يبتدئ اليهود والنصارى بالسلام. قال الجزولي: وهذا على جهة الكراهة، وكذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، وكذلك الظلمة، وأهل المعاصي، اختلف في السلام عليهم.

وفي مذهب مالك لا ينبغي السلام عليهم زجراً لهم. ثم اعترض على الشيخ أبي محمد، في قوله فيمن يلعب بالشطرنج: (ولا بأس أن يسلم عليهم) ثم قال: يريد في غير حال لعبهم بها. وقيل: يكره السلام عليهم مطلقاً.

وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: يريد بعد انصرافهم وفراغهم من اللعب وأما في حالة اللعب فلا يجوز لأنهم متلبسون بمعصية، ونقله عن ابن رشد في البيان.

قلت: وهذا إذا لم يقامروا عليها، ولم يلتهوا بها عن الصلاة في أوقاتها، وأما إذا قامروا عليها، أو تركوا الصلاة لأجلها حتى يخرج وقتها فهم من أهل المعاصي، فيكره السلام عليهم.

وأما قول الشيخ في الرسالة: (فيكره87 الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم) فقال ابن ناجي: الكراهة محمولة على التحريم. وتردد في ذلك الجزولي، وفي كلامه ميل على حمل الكراهة على بابها.

وأما السلام على الشابة فقال الفاكهاني في شرح العمدة في باب اللباس: ولا يسلم على الشابة بخلاف المتجالة. انتهى.

وصرح الجزولي بأنه يكره السلام على الشابة، وأنه يجوز للشاب أن يسلم على المتجالة، وللمتجالة أن تسلم على الشاب)88.

يستفاد من النهي عن بدء الكفار، والمبتدعة والفجار المجاهرين، وأهل المعاصي، وتاركي الصلاة والرد عليهم وكذلك في النهي عن السلام على المصلي، والمتخلي، والمؤذن، والمقيم ونحوهما ما يأتي:

أولاً: مكانة وفضل السلام في الإسلام.

ثانياً: أن هذه التحية لا يحيى بها إلا المسلم في الدنيا والآخرة.

ثالثاً: أن أهل البدع والفجور المجاهرون بذلك والداعون لبدعهم وفجورهم هجرهم من أفضل القربات، وعلامة على مكانة الدين في قلوب المجانبين لهم.

رابعاً: أن التهاون والتساهل في السلام والرد على من نهانا الشارع عن السلام والرد عليهم خلل كبير في عقيدة الولاء والبراء.

خامساً: الحكم في الإسلام على الظاهر أما السرائر والبواطن فلا يعلمها إلا علام الغيوب.

والحمد لله الذي تتم به الصالحات، وتتفرج به الكربات، وصلى الله وسلم على خاتم الرسل والناسخ بشرعه لجميع الشرائع السابقات، وعلى آله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم يبعثون.

 ã