من لا ترد لهم دعوة

أولاً: دعوة المظلوم على من ظلمه

الآثار التي وردت في إجابة دعوة المظلوم

دعوة المظلوم تشمل الظالم وأعوانه

نماذج لمن استجيب دعاؤهم فيمن ظلمهم

ثانياً: دعوة الوالد لولده، أوعلى ولده

الدليل على أنَّ دعوة الوالد لولده لا ترد

نماذج من إجابة دعوة الوالد لولده وعليه

ثالثاً: دعوة مجاب الدعوة

رابعاً: دعوة آكل الحلال الطيب

خامساً: الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد

سادساً: دعوة الصائم حتى يفطر

سابعاً: دعوة المسافر حتى يرجع

ثامناً: دعوة المضطر

تاسعاً: دعوة الواقف في الصف تجاه العدو

عاشراً: دعوة المتصَدَّق عليه للمتصدِّق

الحادي عشر: دعوة الإمام العادل

الثاني عشر: دعوة المسلم لأخيه بظاهر الغيب، مُجابة، ويقال: ولك مثلها

الثالث عشر: الذاكر والداعي الله كثيراً

الرابع عشر: عند نزول المطر

الخامس عشر: عند السجود

موانع إجابة الدعاء

 

إجابة الدعاء الذي تكشف به الكربات، وتقال به العثرات، ويُستنجد به في الملمات من النعم العظيمة، والآلاء الجسيمة، والكرامات العميمة، لا يناله إلاَّ الذين صبروا، وإلاَّ ذو الحظوظ العظيمة، والمنازل الرفيعة.

لقد خص الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم وميَّز أناساً بأنَّ دعوتهم لا تُرد، وسؤالهم لا يخيب، إمَّا أنْ يستجاب لهم في الحال، أوبعد حين، أويصرف عنهم من الأسواء الشيء العظيم، أويُدخر لهم الأجر إلى يوم القضاء.

فيا نعمى من دعا له هؤلاء، ويا خسارة وندامة من دعا عليه من وعدوا بإجابة الدعوة.

أما بعد..

فإنَّ من جملة الذين وعدوا بإجابة الدعاء، وحكم لهم بذلك الله ورسوله هم:

1. دعوة المظلوم.

2. دعوة الوالد لولده أوعلى ولده.

3. دعوة مُجاب الدعوة.

4. دعوة آكل الحلال الطيب.

5. الدعاء بين الآذان والإقامة.

6. دعوة الصائم حتى يفطر.

7. دعوة المسافرحتى يرجع.

8. دعوة المضطر.

9. دعوة المُتصدَّق عليه للمتصدِّق.

10. دعوة من وقف في الصف تجاه العدو.

11.  دعوة الإمام العادل.

12. دعوة الذاكر لله كثيراً.

13. دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب.

14. الدعاء عند نزول المطر.

15. الدعاء عند السجود.

وسنتحدث بشيء من الإيجاز عن أدلة ذلك، مع ذكر ما تيسر من هذه النماذج، فنقول وبالله التوفيق:

  بداية الصفحة 

أولاً: دعوة المظلوم على من ظلمه

الدليل على أنَّ دعوة المظلوم لا ترد:

الله عز وجل ملك الملوك، ورب الأرباب، وخالق الخلائق، لقد حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرماً كما صح في الحديث([1]) القدسي: "يا عبادي إنِّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا".

ولهذا فقد وعد الله عز وجل، والله لا يخلف الميعاد بإجابة دعوة المظلوم ولو إلى حين، وأقسم على ذلك، وبيَّن أنَّ دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فإذا دعتك قدرتك أيها المسكين، الغشوم، الظلوم اللئيم، فتذكر قدرة الله عليك، وتذكر أنَّ الله يمهل ولايهمل، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"([2])، ثم قرأ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"([3]).

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فاذكر قدرة الله عليك، ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك)([4]).

وإليك بعض الأدلة على ذلك

·  جاء في آخر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ وقد بعثه إلى اليمن، معلماً ومرشداً: ".... فإيَّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب"([5]).

·  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم ....."([6]).

·  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يرد دعاؤهم....، ودعوة المظلوم"([7]).

·  وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا دعوات المظلوم، فإنَّها تصعد للسماء كأنها شرارة"([8]).

  بداية الصفحة 

الآثار التي وردت في إجابة دعوة المظلوم

1.  عن زيد بن أسلم عن أبيه، أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يُدعى هُنَيّاً على الحمى، فقال: (ياهُنَيَّ اضمم جناحك([9]) عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإنَّ دعوة المظلوم مستجابة)([10]).

2. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :(إنَّ الناس لم يتنازعوا في أنَّ عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة)، ويروى: (الله ينصر الدولة العادلة وإنْ كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإنْ كانت مؤمنة)([11]).

3. وقال يزيد بن حكيم: (ما هبت أحداً هيبتي رجلاً ظَلَمْتُه، وأنا أعلم لا ناصر له إلاَّ الله، يقول: حسبي الله، الله بيني وبينك).

4.    قال ابن حجر في الفتح([12]): (جاء في الخبر من دعا على ظالمه فقد انتصر).

5.    وقال الشاعر:

           لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً      فـالظلم آخره يأتيـك بالندم

           نامت عيونك والمظلوم منتبه      يدعوعليك وعين الله لم تنم

6.    وقال آخر:

           أتهـزأ بالدعـاء وتزدريـه     وما تدري بما صنع الدعـاء؟

            جنـود الليـل لا تخطـئ      ولكن لها أجل وللأجل انقضاء

7.    قال الماوردي من الأجوبة المسكتة: (قيل لعلي: كم بين السماء والأرض؟، قال: دعوة مستجابة).

  بداية الصفحة 

دعوة المظلوم تشمل الظالم وأعوانه

دعوة المظلوم تشمل الظلَمة وأعوانهم من الوزراء، والمستشارين، والشُّرَط، والقضاة وكل من أعان الظالم على ظلمه، ولم يرده عن غيِّه، ويذكره بعاقبة أمره.

جاء في الأثر: (إذا كان يوم القيامة يجتمع الظلمة وأعوانهم ومن ألاق لهم([13]) دواة، وبَرَى لهم قلماً، فيجعلون في تابوت ويلقون في جهنم).

  بداية الصفحة 

نماذج لمن استجيب دعاؤهم فيمن ظلمهم

الأمثلة على سرعة إجابة دعوة المظلومين وانتقام الله لهم ممن ظلمهم كثيرة جداً، ولكن نكتفي ببعض النماذج وهي كافية لمن كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد.

1.   سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على أحد ممن أذاه أوآذى أصحابه إلاَّ في القليل النادر، بل كان دائماً يقول إذا طلب منه أنْ يدعو عليهم: (اللهم اهد قومي فإنَّهم لا يعلمون).

وعندما قال له الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه: ادعو على دوس، فقد غلبني عليهم الزنا، قال: (اللهم اهد دوساً وآتِ بهم)، فاستجاب الله لدعائه، فقد وافى الطفيل الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر بسبعين بيتاً من دوس.

من هذا القليل:

 ·       دعاؤه على قريش قائلاً: "اللهم سَبْعاً كسبع يوسف"

قال ابن مسعود رضي الله عنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الناس إدباراً قال: "اللهم سَبْعاً كسبع يوسف"، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى أكلوا الجلود، والميتة، والجيف، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك تأمر بطاعة الله، وصلة الرحم، وإنَّ قومك قد هلكوا فادعوا الله لهم.

وفي رواية: (فدعا رسول الله صلى الله عليه، فسقوا الغيث فأَطبقت عليهم سبعاً، شكا الناس كثرة المطر، قال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم)([15]).

·       دعاؤه صلى الله عليه وسلم على أبي عامر الفاسق

كان أبو عامر –وهو من الخزرج- كان متنصراً مترهباً قبل الإسلام، وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان ذا مكانة في قومه، وكان يُمنِّي نفسه بالرياسة، فعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل قومه في الإسلام، وانتصر المسلمون في بدر غاظه ذلك، فخرج فاراً إلى مشركي مكة محرضاً على أخذ الثأر من المسلمين حتى خرجوا في أُحُد.

ومن مكائده أنَّه حفر حفراً بين الصفين، فوقع في أحدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرح وكسرت رباعيته، وفي بداية معركة أُحُد، أراد لعنه الله أنْ يحرض قومه الأنصار على التمرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمالهم لنصرته، فسبوه، ولعنوه، ولقبوه بالفاسق، فقال: (لقد أصاب قومي بعدي شر).

وكان عندما هاجر رسول الله دعاه للإسلام فأبى وتمرَّد، ثم كاد للإسلام والمسلمين بَعْدُ، فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أنْ يموت بعيداً طريداً، فاستجيبت دعوة المظلوم، ومن مكائده بناؤه مسجد الضرار، الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهدمه وحرقه.

2.   نوح عليه السلام

حيث قال: "أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ"([16])، وذلك بعد أن أُوحيَ إليه أنَّه لن يؤمن من قومك إلاَّ من قد آمن، وذلك لظلمهم إيَّاه واستهزائهم به وبرسالته، فاستجاب الله دعاءه، فأرسل عليهم الطوفان الذي قضى على كل شيء إلاَّ من ركب مع نوح: "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ*وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ*تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ"([17]).

3.   سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، "اللهم أطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن"

عن جابر بن سمرة قال: (شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- فعزله واستعمل عماراً، فشكوا حتى ذكروا لا يحسن يصلي، فارسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟، فقال: أمَّا أنا والله فإنِّي كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد([18]) في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجل –أو رجالاً- إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلاَّ سأل عنه يثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقال رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، فقال: أمَّا إذا أنشدتنا فإنَّ سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية.

فقال سعد: (اللهم فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن).

وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سَمُرة: فأنا رأيته قد سقط حاجبا عينيه من الكبر، وأنَّه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن)([19]).

4.   سعيد بن زيد: من العشرة المبشرين بالجنة

دعا على من ظَلَمته قائلاً: (اللهم فاعم بصرها، واقتلها في أرضها).

عن عروة بن الزبير، أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنَّه أخذ شيئاً من أرضها، فقال: (أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، قال مروان: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قال: سمعت رسول الله يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، طوَّقه الله إلى سبع أرضين".

فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إنْ كانت كاذبة فاعم بصرها، واقتلها في ارضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذْ وقعت في حفرة فماتت)([20]).

5.   الحسن البصري رحمه الله

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([21])رحمه الله: (تغيَّب الحسن عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج، وكان يؤذيه فخر ميتاً)([22]).

6.   ابن شنبوذ أبو الحسن محمد بن أحمد المقرئ المتوفى328هـ

دعا على ابن مقلة الكاتب: بان يقطع الله يده، ويشتت شمله، فكان الأمر كذلك.

قال ابن خلكان: (كان من مشاهير القراء وأعيانهم، وكان دَيِّناً، وفيه سلامة صدر وفيه حمق.

إلى أنْ قال:

وتفرد بقراءات من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب فأُنْكرت عليه، وبلغ ذلك الوزير أبا علي محمد بن مُقْلة الكاتب المشهور، وقيل له: إنَّه يغير حروفاً من القرآن، ويقرأ بخلاف ما أُنزل.

فاستحضره في أول شهر ربيع الآخر 323هـ، واعتقله في داره أياماً –ثم- استحضر الوزير المذكور القاضي أبا الحسين عمر بن محمد، وأبا بكر أحمد، ابن مجاهد المقرئ، وجماعة من أهل القرآن، وأحضر ابن شنبوذ، ونُوظر بحضرة الوزير، فأغلظ في الخطاب للوزير، والقاضي أبي بكر بن مجاهد..... فأمر الوزير أبو علي بضربه، فأقيم وضرب سبع درر، فدعا وهو يُضرب على الوزبر ابن مقلة، بانْ يقطع الله يده ويشتت شمله فكان الأمر كذلك.

ثم استتيب فتاب، وأنَّه رجع عمَّا كان يقرأ به، وأنَّه لا يقرأ إلاَّ بمصحف عثمان بن عفان([23]).

ثم قال ابن خلكان في ترجمة ابن مُقْلة([24]) ملخصاً: اعتقله الراضي، وكان ابن رائق التمس قطع يده اليمنى لإحن بينهما، فقطعت يده اليمنى.....، وكان ذلك نتيجة دعاء أبي الحسن محمد ابن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد..... وذلك من عجيب الاتفاق).

  بداية الصفحة 

7.   لمَّا حدثت فتنة البرامكة في عهد الرشيد

وكانت نتيجة عزمهم على الغدر والانتصار للشعوبية، وقُتِلَ مَنْ قُتِل منهم، وحبس من حبس، منهم خالد بن برمك وولده، قال الولد لأبيه: ياابتِ بعد العز صرت في القيد والحبس، فقال: يا بنيَّ الذي حبسنا دعوة مظلوم ظلمناه سرت بليل ونحن عنها في غفلة، ولكن الله تعالى لم يغفل عنها([25]).

  بداية الصفحة 

ثانياً: دعوة الوالد لولده، أوعلى ولده

من الدعوات التي لا ترد، دعوة الوالد لولده، أو على ولده.

فليحذر الأبناء من عقوق الوالدين، ومن غضبهم المفضي إلى مقت الله وغضبه، وكذلك فليحذر الوالدان من التعجل بالدعاء بالشر على الأبناء، فيستجاب لهم فيندمون ولاة حين مندم، قال الله تعالى محذراً من ذلك: "وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً"([26]).

قال ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره في تأويلها: (هو دعاء الرجل على نفسه، وولده عند الضجر، بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم اهلكه ونحوه)([27]).

لكن من رحمة الله ولطفه بعباده، أنَّه لا يستجيب لهم غالباً في ذلك، ولهذا قال: "وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ"([28]).

ولهذا قال الناصح الأمين: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله تبارك تعالى ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم"([29]).

  بداية الصفحة 

الدليل على أنَّ دعوة الوالد لولده لا ترد

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم"([30]).

وفي رواية: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن"([31]).

وفي أخرى: "ثلاث دعوات لا ترد"([32]).

  بداية الصفحة 

نماذج من إجابة دعوة الوالد لولده وعليه

سنكتفي بنموذجين هما:

·  من أصدق النماذج وأبينها في إجابة دعاء الوالد لولده سواء كان بلسان الحال أو المقال، ما صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتوها لله صالحة، فادعو الله بها([33]) لعله يفرجها".

فقال أحدهم: (إنَّه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالديّ، اسقيهم قبل ولدي، وإنَّه نأى بي الشجر، فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب عند رؤسهما، أكره أنْ أوقظهما من نومهما، وأكره أنْ أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر.

فإنْ كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج لهم فرجة حتى رأوا منها السماء)([34])، الحديث.

أيها الأبناء والبنات، أين أنتم من هذا البر؟!، ومن هذا الصدق والتجرد؟، عليكم أنْ تتشبهوا بهذا العبد الصالح ،وإنْ لم تتمكنوا أنْ تكونوا مثله، فإنَّ التشبه بالرجال فلاح.

وأين أنت أيها الطائع لزوجه، العاصي لأمه، المقرب لصديقه، المباعد لأبيه، هل علمت أنك كما تدين تدان.

ورحم الله القائل:

بروا آباء كم تبركم أبناؤكم         وعفُّـوا تعفُّ نساؤكـم

·  دعاء أم جُرَيْج على ابنها العابد لعدم إجابته لندائها، حيث فضَّل الاستمرار في صلاة النافلة على إجابة دعوة الأم، وهي واجبة، فقد أبى جُرَيْج من قلة فقهه وعلمه، فالعلم قائد والعمل تابع له، وعمل قليل في سُنَّة خير من عمل كثير في بدعة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة([35]): عيسى ابن مريم، وصاحب جُريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة([36])، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جُرَيْح!، فقال: يارب أمي وصلاتي([37])، فأقبل على صلاته فانصرفت.

فلما كان من الغد أتته وهويصلي، فقالت: يا جُرَيْح!، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت.

فلما كان من الغد أتته وهويصلي فقالت: يا جُرَيْج!، فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المموسات([38]).

فتذاكر بنو إسرائيل جُرَيْجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يُتَمَثل بحسنها، فقالت: إنْ شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فامكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت فلما ولدت، قالت: هو من جُرَيْج، فاتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟، قالوا: زنيت بهذه البغي فوَلَدَت منك، فقال: أين الصبي؟، فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟، قال: فلان الراعي.

قال: فاقبلوا على جُرَيْج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا"([39]).

  بداية الصفحة 

ثالثاً: دعوة مجاب الدعوة

لقد خص الله عز وجل أُناساً بإجابة الدعاء، وميزهم بانْ لو اقسموا على الله لأبرهم.

الدليل على ذلك

1. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم من ضعيف متضعف ذو طِمْرَين([40])، لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك، وأنَّ البراء لقى زحفاً من المشركين، فقالوا له: يا براء، لو أقسمت على الله لأبرك، فاقسم على ربك، قال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، ثم التقوا على قنطرة السويس فأوجعوا في المسلمين، فقالوا: اقسم يا براء على ربك، قال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ومنحتني الشهادة، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيداً"([41]).

2. وفي رواية للترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم من أشعث أغبر ذي طِمْرَين، لا يوبه به، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك"([42]).

روى ابن عبد البر، بسنده إلى مالك بن انس قال: كان يونس بن يوسف –وقيل يوسف بن يونس- من عُبَّاد الناس، فراح إلى المسجد ذات يد فلقيته امرأة، فوقع في نفسه منها، فقال: اللهم إنك خلقت لي بصري نعمة، وأخشى أنْ يكون عليَّ نقمة، فاقبضه إليك. فكان يرجع إلى المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا استقبل الأسطوانة اشتغل الصبي يلعب مع الصبيان، فإن نابته حاجة حصبه وأقبل إليه.

فبينما هو يصلي ذات يوم ضحوة، إذا حس في بطنه شيئاً، فحصب ابن أخيه، فاشتغل مع الصبيان يلعب ولم يأته، فلما خاف على نفسه قال: اللهم إنك خلقت لي بصري نعمة وخشيت أن يكون عليَّ نقمة، فسألتك فقبضته، اللهم إنِّي قد خشيت الفضيحة، قال: فانصرف إلى منزله وهو يبصر، قال مالك: فرأيته أعمى، ورأيته بصيراً"([43]).

  بداية الصفحة 

رابعاً: دعوة آكل الحلال الطيب

إذا أردت أخي الكريم أنْ تكون مُجاب الدعوة، فاطب مطعمك تكن مجاب الدعوة كما أخبر بذلك نبيك، حيث قال له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، اسأل الله أنْ أكون مجاب الدعوة، فقال له: أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة"، الحديث.

  بداية الصفحة 

خامساً: الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد

من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء بين الآذان والإقامة، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد"([44]).

زاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟، قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة".

وفي رواية عند أبي داود([45]) ، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يرد الدعاء بين الآذان والإقامة".

  بداية الصفحة 

سادساً: دعوة الصائم حتى يفطر

من الذين يستجاب دعاؤهم إلاَّ إذا دعوا بإثم أو قطيعة رحم الصائم حتى يفطر.

الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر"([46]).

وفي رواية: "ثلاث حق على الله أنْ لا يرد لهم دعوة"، وذكر منهم: "الصائم حتى يفطر"([47]).

  بداية الصفحة 

سابعاً: دعوة المسافر حتى يرجع

كذلك يستجاب للمسافر سفر طاعة لا معصية، إلى أنْ يرجع إلى وطنه.

للأحاديث السابقة:

·       "ثلاث دعوات مستجابات.........، ودعوة المسافر".

·       وفي رواية: "ثلاث حق على الله أنْ لا يرد لهم دعوة"، وذكر منهم: "والمسافر حتى يرجع".

ثامناً: دعوة المضطر

من فضل الله وكرمه، أنَّه يُجيب دعوة المضطر ولوكان كافراً، أوفاجراً، قال تعالى: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ"([48]).

فالاضطرار والضيق مع التضرع والابتهال سبب رئيس لإجابة الدعاء، فالله سبحانه وتعالى رب جميع الخلق ومليكهم.

  بداية الصفحة 

تاسعاً: دعوة الواقف في الصف تجاه العدو

كذلك من الذين لا ترد لهم دعوة، ولا يخيب لهم أمل، الواقف في الصف لقتال الكفار والمنافقين، والدليل ما صح عن سهل بن سعد رضي الله عنه، يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "ثنتان لا تردان –أو قلما تردان- عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً"([49]).

وفي رواية الموطأ: "ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقلَّ داعٍ ترد له دعوته: حضرة النداء للصلاة، والصف في سبيل الله"([50]).

  بداية الصفحة 

عاشراً: دعوة المتصَدَّق عليه للمتصدِّق

كذلك من الدعوات التي لا ترد، دعوة المتصَدَّقْ عليه للمتصدِّقْ له. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا جاءه أحد بصدقة دعا له وقال: "اللهم صل على فلان وعلى آل فلان".

روى ابن عبد البر بسنده إلى عليّ بن الحسين، قال: "دعوة المتصدَّدقْ عليه للمتصدِّقْ لا تُرد"([51]).

عليك اخي المسلم أنْ لا تستقل صدقة، فتقع فيما هو أقبح من ذلك في البخل، وقد قال رسولك: "اتق النار ولو بشق تمرة".

وقد تصدقت أمنا عائشة رضي الله عنها بعنبتين، فاستقل ذلك البعض، فقالت: ولِمَ؟، وقد قال الله تعالى: "وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ"([52])، كم ذرة في هاتين العنبتين؟!، أو كما قالت.

قال يزيد بن حبيب: (وكان أبو الخير لا يخطيه يوم إلاَّ تصدق فيه بكعكة أو بصلة، أو شيء)([53]).

  بداية الصفحة 

الحادي عشر: دعوة الإمام العادل

الإمام العادل فضله عظيم، وثوابه جزيل، فهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله، ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (لو كانت لي دعوة واحدة مستجابة لادخرتها للإمام عادل لأنَّ بعده ينصلح الحال).

وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: إمام عادل خير من مطر وابل.

ولهذا لاغرو أنْ تجاب دعوته، وأنْ تفرج كربته، يدل على ذلك ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر لله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط"([54])، أي العادل.

وفي رواية: "ثلاثة لا ترد دعوتهم"، وذكر منهم: "الإمام العادل"([55]).

  بداية الصفحة 

الثاني عشر: دعوة المسلم لأخيه بظاهر الغيب، مُجابة، ويقال: ولك مثلها

روى عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "ما دعوة أسرع إجابة من دعوة الغائب للغائب"([56]).

ويغني عنه ما عند مسلم: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله".

  بداية الصفحة 

الثالث عشر: الذاكر والداعي الله كثيراً

من الذين لا ترد لهم دعوة الذاكرين والداعين لله كثيراً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر لله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط"([57]).

  بداية الصفحة 

الرابع عشر: عند نزول المطر

من الساعات التي يستجاب فيها الدعاء، عند نزول الغيث.

  بداية الصفحة 

الخامس عشر: عند السجود

أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

  بداية الصفحة 

موانع إجابة الدعاء

لقد أمرنا ربنا بالدعاء، ووعدنا بالإجابة: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"([58])، والله لا يخلف الميعاد.

لكن علينا أنْ نحذر موانع إجابة الدعاء، التي من أهمها ما يأتي:

·       أكل الحرام ومافيه شبهة، فإنَّ الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً.

·  أنْ ندعوه ونحن موقنون بالإجابة، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: (والله لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء).

·  أنْ لا يقول أحدنا: دَعَوْتُ فلم يستجب لي، فلا بد من الاستمرار في الدعاء، وعدم اليأس والقنوط من رحمة الله.

·       أنْ ندعوه بخشوع وتضرع.

قال المقريزي في التذكرة: (يستجاب الدعاء في أوقات منها: عند القيام إلى الصلاة، وعند لقاء العدو في الحرب، وإذا قال مثل ما يقول المؤذن ثم دعا، وبين الآذان والإقامة، وعند نزول المطر، ودعوة الوالد لولده، والمظلوم حتى ينتصر، ودعوة المسافر حتى يرجع، والمريض حتى يبرأ، وفي ساعة من الليل –وهي جوف الليل الآخر-، وفي ساعة من يوم الجمعة –وهي الساعة الأخيرة بعد العصر-، وفي الموقف بعرفة، ودعوة الحاج حتى يعود، والغازي حتى يرجع، وعند رؤية الكعبة، ودعاؤه تقدمه الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ودعاء الصائم مطلقاً، ودعاؤه عند فطوره، ودعاء الإمام العادل، ودعاء عبد رفع يديه إلى الله تعالى، والدعاء عند خشوع القلب، واقشعرار الجلد، ودعاء الغائب للغائب).

وأخيراً، اعلم أخي الكريم أنَّ داعي الله لا يخيب، فإمَّا أنْ يُستجاب له في الحال، وإمَّا أنْ يدفع عنه بسببه بلاء، وإمَّا أنْ يدخر له ليوم القيامة.

اللهم اجب دعاءنا، واعطنا سؤالنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، واختم لنا بخير، واجعل عاقبة أمورنا كلها إلى خير.

اللهم هيء للأمة الإسلامية في كل مكان أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

والحمد لله أولاً وأخيراً، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

وكتبه

الأمين الحاج محمد

رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان

لعشر ليال خلت من رجب 1430 هـ

  بداية الصفحة