الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة فرفعت عن هذه الأمة

أهم الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة فوضعت ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وشرفنا بالانتساب إلى ملة خير ولد عدنان، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

فيا فوز وسعادة من وفقه الله للاقتداء والتأسي بسنته، ويا تعاسة وشقاء من حرم ذلك واشتغل بالبدع والمحدثات فتخلف عن ركب السادة الغرر من الصحابة والسلف الفالحين، والخلف الموفقين.

لقد قصر الله رحمته على عباده المتقين وجنده المفلحين فقال: "عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"1.

فمن جملة ما خص به نبي الرحمة رفع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تأويل قوله: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ": (أي أنه جاء بالتيسير والسماحة، كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة"2، وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا"3)، وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت تيسيره)، وقد كانت الأمم الذين قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفسها، ما لم تقل أو تعمل"4.

وقال: "إنَّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"5.

ولهذا أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"6. وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: "قد فعلت، قد فعلت")7.

هذه الشريعة قوامها رفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة، فقد رفع الله عنها كثيراً من الأغلال والآصار التي كانت على الأمم السابقة وخصها بمضاعفة الأجور وبالعديد من الرخص الشرعية.

أهم الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة فوضعت ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم

1.     قتل النفس في التوبة. قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"8.

2.     وإخراج ربع المال في الزكاة، وهذه الأمة مامورة بإخراج ربع العشر. قال تعالى: "إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ"9.

3.     قرض موضع النجاسة بقطع الثوب وإتلافه، وروى قرض جلد أحدهم، ونحن مأمورون بغسلها.

4.     تحليل الغنائم وقد كانت محرمة عليهم.

5.     مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها وقد كان كل هذا محرماً على من قبلنا من بني إسرائيل.

6.     قبول التوبة بيننا وبين ربنا، أما السابقون فكان عدم قبول التوبة والقرابين يعلمها الجميع.

7.     جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، أما أولئك فلا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم.

8.     لم يكن فيهم الدية وإنما كان القصاص.

هذا من باب التمثيل لا الحصر، وإلا فالآصار والأغلال التي وضعت عن هذه الأمة كثيرة ومتنوعة.

فالحمد لله الذي فضلنا على غيرنا من الأمم، وميزنا وخصنا بما لم يخص به غيرنا، فعلينا أن نقابل هذه النعم بالشكر، فيه تدوم النعم وتزداد، وعلينا أن نحذر الجحود والكفر المضيع والسالب لها، قال تعالى: "لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ"10.

اللهم يسرنا لليسرى وانفعنا بالذكرى، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على البشير النذير، وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرين الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.