الكريم لا يعدمُ ما يتصدقُ به
"ألا تحبِّون أن تكونوا كأبي ضمضم؟!"

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

وكان صلى الله عليه وسلم يحب الجود والجوادين، ويبغض البخل والبخيلين، وكان ناصحاً لأمته، ولهذا قال لأصحابه رضوان الله عليهم: "ألا تحبون أن تكونوا كأبي ضَمْضَم؟" قالوا: يا رسول الله، ومن أبو ضمضم؟ قال: "إن أبا ضمضم كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من ظلمني"1، وفي رواية: "اللهم تصدقت بعرضي على عبادك".

وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه كما قال ابن عبد البر: ("إن رجلاً من المسلمين قال: اللهم إني ليس لي مال أتصدق به، وإني قد جعلت عرضي صدقة لله عز وجل لمن أصاب منه شيئاً من المسلمين؛ قال: فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له"، أظنه أبا ضمضم المذكور، والله أعلم).

قال ابن عبد البر: أبو ضمضم غير مسمى ولا منسوب.

في هاتين الروايتين فإن أبا ضمضم هذا كان من الصحابة، ولهذا ترجم له ابن عبد البر في الصحابة، وتبعه الحافظ ابن حجر في الإصابة2، ولكن خرَّج أبو داود وأبو الخطيب في الموضح كما قال الحافظ ابن حجر3، عن ثابت بن عبد الرحمن بن عجلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيعجزُ أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: رجلٌ ممن كان قبلكم.." الحديث.

فالتشبه بالرجال فلاح، لأن الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة منها ما هو فطري، ومنها ما هو مكتسب، بحيث يستطيع المرء أن يكتسبها عن طريق الحرص والمجاهدة.

وهذا كله يدل على أن الكرم ليس بكثرة العَرَض والمال، وإنما بسخاء النفس ويقينها بأن الله يخلف ما ينفق، ولهذا كان الغنى الحقيقي هو غنى النفس، فالكريم الجواد يتصدق ولو بتبسمه في وجه أخيه، ولو بعرضه، والبخيل الشحيح يطمع في ما عند غيره.

  بداية الصفحة