الناس كإبل مائة لا تجد
فيها راحلة
سبحان من فاوت بين الخلق تفاوتاً لا تسعه إلاَ قدرة الله العظيمة،
وعلمه المحيط، وتدبيره الشامل؛ لقد فاوت بينهم في الخَلْق والخُلُق، وفي
الإيمان والكفر، والإيثار والأثرة، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، والفطنة
والغباء، فقد جمع خلقه بين الأضداد، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "الناس كإبل
مائة لا تجد فيها راحلة".
فإبراهيم عليه السلام عندما أمر بذبح ولده الوحيد الذي جاءه بعد
عمر مديد، تلَّه للجبين، وقال له الابن الصالح والولد الفالح: "يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين"، ولذلك فُدي بذبح عظيم، وعُدَّ من
المحسنين .
بينمـا نجد بني إسـرائيل عندما أمـرهم نبيهم مـوسى عليه السلام
بذبح بقرة ، تمنَّعوا :" فذبحوها وما كادوا يفعلون"، فشدّد عليهم من أجل ذلك ،
حيث لم توجد أوصافها إلا عند يتيم.
وبينما خرج أبو بكر الصديق من جميع ماله ولم يترك لأهله وعياله
إلاَ الله ورسوله، بخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة الواجبة بعد أن عاهد الله عليها:
"لئن آتانا من فضله لنصدقنّ ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به
وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما
وعدوه وبما كانوا يكذبون".
وبينما جاد حاتم الطائي في حضره وترحاله، بخل الحباب بضوء ناره؛
وبينما أقسم عاصم بن ثابت رضي الله عنه أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، نجد بعض
حكام المسلمين يتزلفون للكفار ويخطبون ودهم وما هم بفاعلي؛ وبينما يفر الشيطان
من عمر رضي الله عنه، يفر بعض المسلمين من بيوتهم ودورهم بسبب زوالات وخيالات،
وقد أخبر تعالى: "إن كيد الشيطان كان ضعيفا".
وبينما يتقلل البعض من المباحات ينغمس كثير من الناس في المحرمات.
وبينما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بأنه أسد الله
وأسد رسوله، يرد عليه عمه أبو لهب بأقبح رد: "تباً لك ألهذا جمعتنا؟"، فيرد
الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة: "تبت يدا أبي
لهب وتب".
وهذا كله يدل على قدرة الله الفائقة، وحكمته البالغة، سبحانه من
إله عظيم، ورب خالق حكيم، وصلى الله وسلم وبارك على إمام المتقين، وسيد الغر
المحجلين، وعلى آله وأصحابه الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.