من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم
"من تشبه بقوم فهو منهم"[1]
من جملة ما خص به رسولنا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء
والمرسلين وعلى أمته أنه أوتيَ جوامع الكلم من ذلك:
- قوله صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم".
- وقوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"[2].
- وقوله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها
ائتلف، وما تناكر منها اختلف"[3].
وهذا من الأضداد، فالتشبه قد يكون بالصالحين، وقد يكون بالطالحين،
والمرء قد يكون محباً لله، ولرسوله، وللمؤمنين وهلم جرّا، وقد يكون
محباً لشياطين الانس والجن، وللشر وأهله.
وهكذا، فالأرواح الطيبة المؤمنة الزكية تأتلف مع من يماثلها، وكذلك
الأرواح الخبيثة الأمَّارة بالسوء تأتلف وتميل إلى مثيلاتها.
أمَّا بعد:
فالتشبه منه ما هو محمود مرغوب فيه ومحضوض عليه كالتشبه بالأنبياء
والرسل والعلماء والصالحين، بالاستنان بسنتهم، والسير على طريقتهم:
"إنَّ الهديَ الصالح والسمت الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاَ من
النبوة"[4].
فالتشبه بالأخيار فلاح ونجاح:
تشبهوا بهم إنْ لم تكونوا مثلهم
إنَّ التشبـه بالرجـال فـلاح
ورحم الله الإمام المطلبي الشافعي النبيه حين قال تواضعاً وكسراً
للنفس:
أحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنـال بهم شفاعـة
وأكره من تجارته
المعاصي وإن كنا سواء في البضاعـة
بل هو من سادات الصالحين، ومن جلة الأئمة المهتدين، فقال له من يعرف
الفضل لأهله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله:
تحب الصالحين وأنت منهـــم
رفيق القوم يلحـق بالجماعة
وتكره من بضاعته
المعاصي حماك الله من تلك
البضاعة
فرد الشيخ العلامة زيد بن محمد بن هادي المدخلي على الإمام أحمد
رحمه الله فقال :
وما قال الإمام أراه حقـا
ومن كالشافعي علما و طاعة
وياليت النساء يلدن يومـا كمثل الشافعي في كل
ساعة
شجاع ماجـد حبر كريم عظيم الزهـد حليتـه القناعة
وفي شتى العلوم له اطلاع كـذا الأخلاق أسوته
الجماعة
ويـارباه فارحمنـا جميعا إلــه الخلق و امنحنا
الشفاعة
وهو درجات وأقسام بعضها أرفع وأجل من بعض، ومنه ما هو مذموم ممنوع
محذر منه – وهو التشبه بالكفار- أهل الكتاب والمشركين والشياطين
والعصاة والفسقة، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وهو دركات
بعضها أخس وأرذل من بعض.
وسنتحدث بشي من الإيجاز عن كل من هذين النوعين التشبه المحمود
والتشبه المذموم، وعن أقسام كل نوع منهما.
وهو على نوعين:
1. محمود، وهو من سلك سبيلهم وأخذ بالأسباب التي أخذو بها.
2. مذموم، وهم الأدعياء، إمَّا لافراطهم
في الغلو والتقليد الأعمى، والتعصب المقيت، وإمَّا لتفريطهم في الأخذ
بالأسباب واكتفائهم بالدعوة.
وكل يدعي وصلاً بليلى
وليلى لا تقـر لهم بذاك
وبمعنى آخر، فالتشبه بالعلماء والأخيار الممدوح الذي يكون تشبهاً
لهم في الظاهر والباطن، أمَّا التشبه المذموم الممقوت، هو الذي يكتفي
فيه بالمظاهر دون الاعتناء بالنيات والبواطن.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ويقول:
- "اشتروا انفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً"[5].
- وقال لأهله: "إنَّ أوليائي منكم المتقون يوم القيامة، لا يأتي
الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون يا
محمد؟، فأقول: لقد بلغت"[6].
- ولما سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة، قال له: "اعني على
نفسك بكثرة السجود"[7]).[8]
قال الحسن البصري رحمه الله: (لا تغتر بقولك: المرء مع من أحب، إنه
من أحب قوماً اتبع آثارهم، ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ
بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي وأنت على منهاجهم، حريصاً أنْ تكون
منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم، وإنْ كنت مقصراً في العمل، فإن ملاك
الأمر أنْ تكون على استقامة، أما رأيت اليهود، والنصارى، وأهل الأهواء
المردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم، لأنهم خالفوهم في القول والعمل،
وسلكوا غير طريقتهم، فصار مأواهم النار؟، نعوذ بالله من النار)[9].
ولذات السبب عندما زعم بعض الصحابة أنهم يحبون الله ابتلاهم الله
بقوله سبحانه وتعالى: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"[10].
فقد جعل الله لكل شيء سبباً، ولكل قول علامة وإمارة.
ولهذا قال الحسن رحمه الله: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن
ما وقر في القلب وصدقه العمل).
فادعاء بلا اقتداء، وقول بلا عمل، واصلاح الظاهر مع خراب الباطن لا
يغني عن المرء شيئاً.
فالجاهل من اتبع نفسه هواها، وتمنى مع الله الأماني، والعاقل الكيّس
من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
فالمرء الصالح يقوم بالواجبات، ويكثر من النوافل والتطوعات، ويجتنب
المحرمات، ويتباعد عن الشبه والمكروهات، ومع ذلك يخشى أنْ لا يقبل
عمله.
الذين ينبغي أنْ يتأسى ويقتدي ويتشبه بهم من أراد الخير والفلاح في
الدنيا والآخرة، هم الرسل واتباعهم من العلماء ورثة الأنبياء، الذين
يكونون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام،
والسلف العظام في تلك القرون الفاضلة، والأزمنة الخيرة، في العقيدة
والعبادة والأدب والسلوك، وفي المنهج وطلب العلم الشرعي.
أمَّا أهل الأهواء والمبتدعة فلا يحل التشبه بهم ولا القرب منهم،
ولا الانتساب إلى فرقهم وطرقهم.
قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللهَ كَثِيرًا"[11].
وقوله تعالى حاضاً عباده على التأسي والاقتداء بأولئك الأخيار
الأطهار: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ
وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى
تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ
رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا
وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو
اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[12].
وقال صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي"[13]،
يعني بذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ولعائن الله المتتاليات مصحوبة
بغضبه على من لعنهما أو سبهما.
وقال كذلك: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي،
عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"[14].
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " من كان مستناً فليستن بمن قد مات،
بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أبر هذه الامة قلوباً،
وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً ........".
أمَّا أهل البدع والأهواء فالواجب الفرار منهم أشد من الفرا من
المجذومين والأسد، وهجرهم وإبعادهم، وعدم توقيرهم واحترامهم.
ولله در إمام أهل السنة أحمد بن حنبل القائل كما روي عنه ابنه عبد
الله[15]: (قبور أهل
السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة من الزّهاد[16]
حفرة، فسّاق أهل السنة أولياء الله، وزهّاد أهل البدعة أعداء الله).
ورحم الله ابن سيرين ومالكاً حين قالا: (إن هذا العلم دين فانظروا
ممن تأخذون دينكم)، أو كما قالا.
فالدين رأس المال فاستمسك به فضياعه من أعظم الخسران
الواجب على المسلم أن يتشبه بالرسل وورثتهم في كل ما استطاع، فقد
كان بعض السلف يحرص على التشبه والاقتداء حتى في الأمور المباحة كما
كان يفعل ابن عمر وأنس رضي الله عنهما وغيرهما، لكن يتأكد التأسي
والتشبه في أمور منها:
1. في طلب العلم الشرعي، في كيفية طلبه، والانتفاع به، وبثه بين
الخلق.
2. في تحري أكل الحلال وتجنب الحرام وما
فيه شبهة.
3. في تجنب البدع والمحدثات.
4. في تزكية النفس ومجاهدتها وحملها على
ما فيه صلاحها دنيا وأخرى.
5. في الالتزام بالسنة والدوران مع الدليل
حيث دار.
6. في الحذر من التقليد المقيت، والتعصب
الضار.
7. في عدم الغلو ومجاوزة الحدود الشرعية.
8. في التواضع ولين الجانب.
9. في عدم التعجل في الفتيا.
10. في التقلل من المباحات.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله ناصحاً طلاب العلم في وقته:
أيها الطالب علماً ائت حماد بن
زيد اقتبس علماً
وحلماً ثم قيده بقيد
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله مبيناً الغرض الأساس من صحبة الأخيار
ومعاشرة الأطهار: (فإنما يراد من صحبة الأخيار صلاح الأعمال والأحوال
والاقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة
إلى العمل، ومن التخليط في التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة
عيوب النفس وآفاتها واحتقارها.
فأما من صحبهم وافتخر بصحبتهم، وادعى بذلك الدعاوى العريضة، وهو مصر
على غفلته وكسله وبطالته، فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه،
كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو مما نهى
عنه.
إلى أنْ قال:
التشبه بأهل الخير والتقوى والطاعة، فهذا حسن مندوب إليه، ولهذا
يشرع الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وحركاته
وسكناته وآدابه وأخلاقه، وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإن المرء مع من
أحب، ولابد من مشاركته في أصل عمله وإن قصر عن درجته)[17].
الحسنة بين سيئتين وخير الأمور أوسطها، والوسطية الحقة[18]
من سمات هذا الدين ومن خصائصه في شأنه كله، فلا إفراط ولا تفريط،
ولاغلو ولاجفاء، ولكن اتباع للسنة الغرَّاء، والحنيفية السمحة.
ورحم الله الإمام سفيان بن عيينة العالم الرباني، والفقيه المتفاني
حين قال: (من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه
شبه بالنصارى).
ما قاله ابن عيينة نثراً صاغه عبد الله بن المبارك شعراً، حيث قال:
وهل أفسد الدين إلاَّ الملوك
وأحبـار سوء ورهبانهـا؟!
فكما أن أحبار اليهود ورهبان النصارى خربوا اليهودية والنصرانية،
وحرفوها، وبدلوها، وغيروها كذلك، يريد علماء السوء والمبتدعة الطرقية
أن يفعلوا بالاسلام، ولكن أنَّى لهم ذلك؟!، فقد تولى وتكفل الله بحفظ
أصول هذا الدين -الوحيين- وهيأ لحفظه العملي العلماء الربانيين،
والفقهاء الحكماء الناصحين، فلا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على
الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة المرحومة أنها لا تجتمع على ضلالة
أبداً.
لقد ابتليت الامة بهذين الصنفين الذين تشبهوا واقتدوا بالمغضوب
عليهم والضالين.
قال الحافظ ابن رجب مبيناً وشارحاً لما قاله سفيان بن عيينة: (ووجه
هذا ان الله ذمَ علماء اليهود بأكل السحت، واكل الاموال بالباطل والصد
عن سبيل الله، وبقتل النبيين بغير حق، وبقتل الذين يأمرون بالقسط من
الناس، وبالتكبر عن الحق وتركه عمداً خوفاً من زوال المأكل والرياسات،
وبالحسد وبقسوة القلب، وبكتمان الحق، وتلبيس الحق بالباطل، وكل هذه
الخصال توجد في علماء السوء من أهل البدع ونحوهم، ولهذا شبهت الرافضة[19]
اليهود في نحو من سبعين خصلة[20].
وأمَّا النصارى فذمهم الله بالجهل والضلال، وفي الغلو في الدين بغير
حق، ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها، حتى تدعي فيه الألوهية، واتباع
الكبراء في التحليل والتحريم، وكل هذا في جهال المنتسبين إلى العبادة
من هذه الأمة.
فمنهم من تعبد بالجهل بغير علم، بل ذم العلم وأهله، ومنهم من يغلو
في بعض الشيوخ فيدعي فيه الحلول، ومنهم من يدعي الحلول المطلق والاتحاد[21]،
ومنهم من يغلو فيمن يعتقده من الشيوخ كما تغلو النصارى في رهبانهم،
وتعتقد أن لهم أن يغلو في الدين ما شاءوا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا
يبالي بما عمل من عمل، وان محبتهم لا يضر معها ذنب.
وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار، وأن ينقطع العبد
إلى الله بصحبة الاخيار، فمن صحب الاخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو
فيهم زائد عن الحد وأعلق قلبه بهم، فقد انقطع عن الله بهم، وإنما
المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه
ويعلموه دينه)[22].
ذكر الحافظ ابن رجب عدداً من الآثار[23]
ينهى فيها السلف الاخيار الاتباع عن التعلق بهم، والغلو فيهم منها:
- كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين يكرهون أن يطلب منهم
الدعاء، ويقولون: (أأنبياء نحن؟!).
- وكان السلف الصالح ينهون عن تعظيمهم غاية النهي، كالحسن،
والثوري، وأحمد. وكان أحمد يقول: من أنا حتى تجيئون إليّ؟، اذهبوا
اكتبوا الحديث، وكان إذا سئل عن شيء، يقول، سلوا العلماء، وإذا سئل
عن شيء من الورع يقول: أنا لا يحل لي أن اتكلم في الورع، لو كان
بشراً حياً تكلم في هذا[24].
- وسئل أحمد مرة عن الإخلاص، فقال: اذهبوا إلى الزهاد، وأي شيء
نحن حتى تجيئ إلينا؟.
- وجاء إليه رجل فمسح يده على ثيابه، ومسح بهما وجهه، فغضب عليه
الإمام احمد وأنكر عليه أشد الإنكار، وقال: عمن أخذتم هذا؟[25].
- كان مالك بن دينار –التابعي الكبير- يقول إذا ذكر الصالحون:
(أفٍ لي وتف).
- وقال أيوب السختياني: (إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل).
- وقال يونس بن عبيد: (أعد مائة خصلة من خصال الخير، ليس فيَّ
منها واحدة).
- وقال محمد بن واسع: (لو أنّ للذنوب رائحة لم يستطع أحد أن يجلس
إليّ).
- وقال الإمام القحطاني في نونيته:
والله لو علموا قبيح سريرتي
لأبى السلام عليَّ من يلقاني
- ومن قبل قال ابن مسعود لتلامذته: لو تعلمون من نفسي ما أعلم
لرجمتموني بالحجارة، وقال كذلك: ما وطيء عقبي منكم أحد.
كان السلف يقولون ذلك مع اجتهادهم في اعمال الخير، ومع صلاحهم
يحسبون انفسهم من المقصرين، ونحن كما قال ابن رجب: مع اساءتنا نعد
انفسنا من المحسنين، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
متى انفصم طلب العلم عن طلب الأدب والسلوك؟!
كان الناس في عصور الإسلام الزاهرة، وأيامه الخالدة يقصدون المشايخ
الأجلاء، والعلماء الحكماء الفقهاء لطلب العلم، والأدب، والسلوك معاً،
ولهذا قال ابن وهب رحمه الله: ما تعلمته من أدب مالك أكثر مما تعلمته
من علمه.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله موجهاً ومرشداً لطلاب العلم
والأدب معاً:
أيها الطالب علمــاً
ائت حماد بن زيد
اقتبس علماً وحلمـاً
ثم قيــــده بقيـــــد
ولكن عندما عز العلماء الربانيون وكثر (البلاطيون)، والمشايخ
الطرقية، حدث هذا الانفصام المشؤوم والطلاق البائن المذموم بين هذا
التوأم فاحتار الناس واصبحوا مترددين حائرين، فمنهم من أغرته الطرق
الصوفية برقصها وسماعها، ومنهم من جلس إلى بعض انصاف المتعلمين يرتضع
منهم التقليد والتعصيب وبغض الدليل، ومنهم من آثر السلامة – حسب زعمه-
فاكتفى بالرجوع إلى الكتب، وصدق أبو حيان القائل:
يظن الغمر ان الكتب تهــــدي
أخـا جهـل لادراك العلـوم
وما علم الجهول بأن
فيهـــــا مدارك قـد تدق
على الفهيم
ومن أخذ العلوم بغير
شيـــخ يضل عن الصراط
المستقيم
وكم من عائب قولاً
صحيحاً و
آفتـه مـن الفهـم السقيم
قيل لأبي حنيفة: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، قال لهم: رأس؟ -أي
شيخ-، قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبداً.
ومنهم من ضعفت همته، حتى قصر نفسه على اقتناء الأشرطة وسماعها،
والاكتفاء بالأسابيع الدعوية، وما يتلقاه من وسائل الإعلام المختلفة.
وأشقى من هؤلاء جميعاً واتعس من اتخذ المستشرقين وتلاميذهم من
المنسلخين عن الإسلام مشايخ وأساتذة لا يرضى عنهم بديلاً، ولا يحيد عن
أقوالهم وشبههم قيد أنملة، "أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ"[26]،
"أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ
عَلَيْهِ وَكِيلًا"[27].
قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن تشبه بقوم فهو منهم"، من الأضداد،
فهو يشمل التشبه المحمود المرغوب فيه كما يشمل التشبه الممنوع المذموم
المحذر منه.
فالتشبه بالكفار، والمشركين، والجاهليين، والشياطين، والفسقة،
والمفسدين هو الذي حذر منه الكتاب الكريم، ونطقت به سنة سيد المرسلين،
ونبه على خطورته العلماء الربانيون.
مع ذلك فهو كائن لا محالة في هذه الامة كما تنبأ بذلك رسولها الذي
لا ينطق عن الهوى: "لتتبعن سنَنَ من كان قبلكم حذو القُذة بالقذة، حتى
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: اليهود والنصارى؟، قال: "فمن"[28]،
"لا تقوم الساعة حتى تأخذ امتي ما اخذ القرون شبراً بشبر، وذراعاً
بذراع"، فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟، قال: "ومن الناس إلاَّ
أولئك"[29].
وروي عنه كذلك: "وحتى لو أن أحدهم جامع أمه لفعلتم"[30]،
أو كما قال.
التشبه بالكفار والمشركين وغيرهم، منه ما هو:
1. كفر مخرج عن الملة، نحو تصحيح مذاهبهم، ومحاولة رفع الكفر عنهم
والتحاكم إلى شرائعهم، وما شابه ذلك.
2. ومنه ما هو حرام كالتشبه بهم في المظهر
والاعياد، وتعلم رطاناتهم والتحدث بها من غير ضرورة.
3. ومنه ما هو دون ذلك.
والكل منهي عنه و محذر منه.
الأدلة[31]
على ذلك
الأدلة عل هذا الحكم الكتاب والسنة واجماع الأمة المرحومة التي لا
تجتمع على ضلالة:
فمن الكتاب
1. قوله تعالى: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ
الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا
يَعْلَمُونَ"[32].
2. وقوله: "وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ
مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ"[33].
من السنة
1. "لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئات
من أمتي الأوثان"[34].
2. "ائتموا بأئمتكم، إن صلوا قياماً فصلوا
قياماً، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً، إن كدتم آنفاً تفعلون فعل فارس
والروم يقومون على ملوكهم"[35].
ومن الإجماع
اجماع الصحابة ومن بعدهم على النهي والتحذير عن الشبه، فعن عمر رضي
الله عنه: "إياكم والتنعم وزي أهل الشرك"[36].
التشبه نوعان: مطلق ومقيد
التشبه بالكفار والمشركين وأعداء الملة والدين نوعان: خاص وعام، أو
مطلق ومقيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فقد دلّ الكتاب والسنة
والاجماع على الامر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة،
سواء كان عاماً في جميع أنواع المخالفات، أو خاصاً ببعضها، وسواء كان
أمر إيجاب أو أمر استحباب) ([37]).
المطلق أو العام
نحو التشبه بهم في:
1. التحاكم إلى شرائعم –ديمقراطيتهم-.
2. كتمان العلم.
3. الغلو في الدين.
4. التأويل والتحريف المذموم.
5. رد النصوص بالهوى.
6. الانسلاخ من الدين.
المقيد أو الخاص
ويشمل التشبه بهم في:
1. أعيادهم، الاحتفال بها، والاهداء لهم، وقبول هداياهم فيها، لأنّ
أعيادهم جلها أصولها وثنية شركية والمسلم ليس له في الدنيا ولا في
الآخرة إلاَّ ثلاثة أعياد، عيد اسبوعي هو الجمعة – وهو يوم المزيد-،
وعيدان سنويان: الفطر والأضحى.
2. في السمت والهدي.
3. الملابس.
4. الأكل والشرب.
5. التعلم والتكلم برطاناتهم من غير
ضرورة، بل تدريس ذلك من الروضة والأساس لتزاحم اللغة الام، لغة القرآن،
بينما يمنع الكفار تعلم لغتنا العربية في مراحل الأساس في بلادهم.
وقد أوصل شيخ الإسلام، مفتي الأنام أحمد بن عبد الحليم الإمام،
الأمور التي أمر الشارع بمخالفتها للكفار إلى بضع وستين، نحو:
إعفاء اللحية، وقص الشارب، الصلاة في النعال، تعجيل الفطر، أكلة
السحر، معاشرة الحاتض في غير الفرج، إلى غير ذلك.
لقد نهى الشارع الحكيم عن البدع، وحذر منها، وأمر بهجر أصحابها،
ونهى عن تقليدهم.
من الأمور التي عمت بها البلوى في هذه العصور التشبه وتقليد
المبتدعة، وإليك طرفاً من ذلك:
الشيعة
قلدهم البعض في الآتي:
- العمل بالحساب في غير الصلاة، حيث تخالف الآن بعض الدول
الإسلامية في يوم عرفة، وتعيِّد ثاني أيام التشريق.
- تخصيص عليّ بكرّم الله وجهه، وآل البيت بعليهم السلام، بينما
يلعنون ويكفرون خيار الصحابة.
- لبس السواد لأنه أصبح شعاراً لهم.
- التعلق بالقبور، والاجتماع عندها والحج إليها.
التشبه بمشايخ الطرق الصوفية
- البناء على القبور وايقاد السرج عليها.
- الزيارة البدعية لها، والدعاء، والصلاة إليها.
- عمل الحوليات والموالد.
- اتخاذ الزي الأخضر شعاراً لهم.
- لباس الشهرة الذي يتخذه بعضهم.
- التأبين عند القبر، وبعد أيام، وأسابيع، وشهور، وسنة.
التشبه بالشياطين
- في الاكل والشرب بالشمال.
- في ترك شعر الرأس من غير تسريح ولا إدهان.
- استخدامهم بشروط التخلي عن بعض الواجبات الشرعية.
- الذبح للرحيل إلى منزل جديد، وبعد شراء سيارة، أو فتح محل
تجاري.
تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال
- في الملابس.
- ارسال شعر الرأس.
- لبس السلاسل والختم ونحوها.
وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء،
والمتشبهات من النساء بالرجال.
التشبه بالمستشرقين وتلاميذهم من المنسلخين عن الإسلام
وذلك بـ:
- إثارة الشبه والأباطيل عن القرآن، والسنة، والصحابة.
- الطعن والتشكيك في المسلمات والثوابت.
- الدعوى الكاذبة، دعوى الاستغلالية والتحرر في البحث.
- الاكتفاء في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة:
(ص)، أو (صلعم).
التشبه بالفسقة، والعصاة، والمفسدين
نحو التشبه بالفنانين، والممثلين، والمصارعين، واللاعبين وتعظيمهم،
واجلالهم، والاحتجاج على قدر الله بالانتحار لموت أحدهم.
لقد اضحت (شاشات التلفاز)، اصنام يعتكف عليها كثير من شباب وشابات
المسلمين الساعات الطوال، واصبح اللعب بكرة القدم وغيرها صنم يُعبد من
دون الله، وقلد فيها المسلمون الكفار، بل فاقوهم، وانشئت وزارات خاصة
باللعب ترصد لها الميزانيات المفتوحة في بعض البلاد، وينفق عليها في
بعض البلاد الفقيرة ما لا ينفق على الصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب.
اللهم اهدنا واهد قومنا فإنهم لا يعلمون، وردنا إليك رداً جميلاً
إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة
المسداة، والسراج المنير، وعلى آله، وأزواجه، وصحبه والتابعين.
وكتبه
الأمين الحاج محمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة
بالسودان
لست عشرة ليلة خلت من ذي الحجة 1431هـ
(1) سنن أبي داود رقم [4031]، وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح
سنن أبي داود للألباني جـ2/504.
(2) الترمذي رقم [3529]، وقال: حسن صحيح.
(3) صحيح سنن أبي داود للألباني رقم [4834]، وقال: صحيح.
(4) في بعض الروايات خمسة وعشرين جزءاً، وفي بعضها سبعين
جزءاً. قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي جـ8/93:
(رواه الطبراني وفيه قابوس بن أبي ظبيان، وهو ثقة وفيه ضعف،
وبقية رجاله رجال الصحيح).
(5) متفق عليه، البخاري رقم [2753]، ومسلم رقم [206].
(6) البخاري في الأدب المفرد.
(7) أحمد في المسند جـ4/59.
(8) مجموع رسائل ابن رجب جـ1/251.
(13) صحيح سنن الترمذي، للألباني رقم [3662]، وكذلك صحيح سنن
ابن ماجة له رقم [97].
(14) أبو داود رقم [4607]، والترمذي رقم [2678]، وقال: حسن
صحيح.
(15) طبقات الحنابلة، لأبي يعلى جـ1/184.
(16) أمثال المعتزلي عمرو بن عبيد الذي كان غاية في الزهد، ومع
ذلك استجاز لعنه الإمامان الكبيران الحسن البصري وأبو حنيفة،
ونهى يونس بن عبيد ابنه من الدخول عليه.
(17) مجموع رسائل الحافظ ابن رجب جـ1/252-253.
(18) وليست المزيفة التي يُسوّق إليها الآن.
(20) وزادت عليهم وعلى الشياطين بخصلة، وهي اعتقادهم أن شر
القرون، قرن الصحابة، بينما اليهود والنصارى يعتقدون فضل قوم
موسى وحوارى عيسى عليهما السلام. وكذلك الشياطين يعتقدون فضل
ابليس عليهم.
(21) نحو محي الدين بن عربي، والحلاج، وابن الاقارص وغيرهم –
وهؤلاء فاقوا النصارى في الضلال حيث يعتقدون أن الله يحل في
جميع المخلوقات حتى الكلب والخنزير، بينما النصارى فقط يعتقدون
حلول اللاهوت- وهو الله في الناسوت، وهو عيسى تعالى الله عن
قولهم جميعاً علواً كبيراً.
(22) مجموع رسائل ابن رجب جـ1/250-251.
(24) بشر بن الحارث، الحافي.
(25) لأن هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم التي لم
يشاركه فيها أحد، لا من الصحابة ولا من بعدهم.
(28) متفق عليه، البخاري رقم [7320]، ومسلم رقم [2669].
(30) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي جـ7/264: (وعن
ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكره وقال:
رواه البزار ورجاله ثقات).
(31) للاستزادة من ذلك، ارجع إلى (اقتضاء الصراط المستقيم
مخالفة أصحاب الجحيم)، لابن تيمية.
(34) أبو داود رقم [4252]، والترمذي رقم [2219]، وقال: حسن
صحيح.
(37) المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم، لابن
تيمية، اختصره محمد البعلي المتوفى 778هـ/صـ29.
|