لباس المسلم
رجالاً ونساءاً
"وأنزلنا إليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى
ذلك خير" الأعراف 27
الحمد لله الذي كرم الإنسان: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر
والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقن تفضيلاً"1،
وفضله على سائر الحيوان بالعقل وحسن القوام، والحمد لله موصول بالشكر له مع
الامتنان بأن جعلنا من ملة خير الأنام محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى
السلام.
لقد أمر الله عز وجل عباده بستر العورة وبالتزين بالمباحات، ونهاهم
وحذرهم عن العري والتفسخ والتحلل، ومن التزين والتحلي بالحرام والنجس، وبين أن ذلك
من فتنة الشيطان وأوليائه من بني الإنسان: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج
أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث
لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون".2
على الرغم من ذلك نجد بعض من انطمست فطرتهم، وفسدت طباعهم، وتبلدت
أحاسيسهم يقول إن العري والتفسخ هو الأصل!!
هذا مع إعلامه سبحانه وتعالى لنا وإرشاده أن السترة التامة واللباس
الحقيقي هو في تقوى الله عز وجل: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم
وريشاً ولباس التقوى ذلك خير".3
وصدق من قال:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب
عريانـاً و إن كان كاسياً
وخير لباس المرء طاعــة ربه ولا خيـر
فيمن كان لله عاصياً
ولأهل العلم في تأويل لباس التقوى أقوال متقاربة، هي:4
1. الحياء.
2. العمل الصالح.
3. السمت الحسن.
4. ما علمه عز وجل وهدى به.
5. الخشية لله.
6. استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه.
ستر العورة للمسلم المكلف رجلاً كان أم امرأة فرض واجب، وقد بين
الشارع الحكيم كيفية ستر العورة، وحذر وتوعد من لم يتقيد بذلك ولم يترك هذا الأمر
لأهواء البشر، وإنما حده حداً بيناً لا لبس فيه ولا غموض، فالحمد لله الذي لم يخلق
الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه.
وبعد فهذا بحث عن لباس المسلم، ذكراً كان أم أنثى، صغيراً كان أم
كبيراً، وقد دفعني للكتابة في هذا الموضوع أمور، هي:
الأول: كثرة سؤال الناس عن اللباس الشرعي للرجل والمرأة.
الثاني: اضطراب الأقوال في هذا الأمر الشرعي وتضاربها، بحيث يصعب
على البعض أن يصدر عن أي قول منها.
الثالث: الغزو الثقافي والفكري الذي عمَّ وطم.
الرابع: تقليد الكفار والتشبه بهم الذي ابتلي به قطاع كبير من
المسلمين.
الخامس: جمع وتيسير كل ما يتعلق باللباس في مؤلف واحد موجز.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم
وبارك على سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
الفصل الأول: ما يشترط في الملبوس
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى، صغيراً كان أم كبيراً شروط
عدة، وسنتحدث عنها بشيء من الإيجاز مع ذكر الأدلة وأقوال الأئمة والترجيحات، فنقول
وبالله التوفيق:
أولاً:
الطهارة
أول ما يشترط في لباس المسلم أن يكون طاهراً غير نجس، حيث يحرم على
المسلم أن يلبس شيئاً نجساً، ثوباً كان أم نعالاً أوغير ذلك، أوأن يصلي على بساط
أوسجاد نجس.
· فيحل له لبس القطن، والكتان، والصوف، ونحوها.
· وجلود وفراء وصوف كل ما يؤكل لحمه إذا ذكي ودبغ.
· وجلود وفراء الميت مما يؤكل لحمه من الحيوان إذا دبغ في
أرجح قولي العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".5
ذهب أهل العلم في جلد الميتة التي يؤكل لحمها ثلاثة مذاهب، هي:6
1. يطهر بعد الدباغ، وهذا مذهب الجمهور، وهو الراجح.
2. لا يطهر بعد الدباغ.
3. طاهر قبل الدباغ.
واختلفوا كذلك هل الدباغ يطهر كل الجلود، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل
لحمه:
1. يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، وهذا مذهب الجمهور.
2. يطهر كل جلد ميت من السباع وغيرها إلا الكلب والخنزير.
3. تطهر كل الجلود حتى الكلب والخنزير.
واختلفوا كذلك هل طهارة جلد الميتة بعد الدباغ طهارة كاملة أم لا؟
على قولين.
قال ابن عبد البر رحمه الله: واختلف الفقهاء أيضاً بعد ما ذكرنا في
حكم طهارة الجلد المذكور بعد الدباغ هل هي طهارة كاملة في كل شيء كالمذكى أوهي
طهارة ضرورة تبيح الانتفاع في شيء دون شيء؟ فذكر أبو عبد الله محمد بن نصر قال:
وإلى جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ في كل شيء من البيع وغيره، وكراهية
الانتفاع بها قبل الدباغ ذهب أكثـر أهـل العلم من التـابعين، وهو قول يحيى بن سعيد
الأنصاري وعامة علماء الحجاز.
قال أبو عمر بن عبد البر: قوله أطلق الانتفاع بها في كل شيء – يعني
الوضوء فيها والصلاة فيها، وبيعها وشراءها، وسائر وجوه الانتفاع بها، وبثمنها،
كالجلود المذكاة سواء، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالحجاز والعراق من أهل الفقه
والحديث، وممن قال بها الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن
حي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول داود بن علي، والطبري، وإليه ذهب ابن
وهب صاحب مالك، كل هؤلاء يقولون: دباغ الإهاب طهوره للصلاة والوضوء والبيع وكل شيء.
إلى أن قال: قال ابن وهب: وأخبرنا محمد بن عمرو عن ابن جريج قال:
قلت لعطاء: الفرو من جلود الميتة يصلي فيها؟ قال: نعم، وما بأسه وقد دُبغ؟
قال ابن وهب: وسمعت الليث بن سعد يقول: لا بأس بالصلاة في جلود
الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالنعال من الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالاستسقاء بها،
والشرب منها، والوضوء فيها.7
كرهت عائشة رضي الله عنها لباس الفراء من جلود الميتة ولو دبغت.
عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال لعائشة: ألا نجعل لك فرواً
تلبسينه؟ قالت: إني أكره جلود الميتة؛ قال: إنا لا نجعله إلا ذكياُ، فجعلناه فكانت
تلبسه.
وكذلك روى نافع عن ابن عمر أنه كان لا يلبس إلا ذكياً.
فراء وقلاسي وطواقي الثعالب
ذهب أهل العلم في حل فراء وقلاسي – القلانس – وطواقي الثعالب
مذهبين:
1. جلود الثعالب إذا ذكيت أوماتت ودبغت طهرت، وهذا قول من يقول إن
جلود السباع إذا دُبغت حلت سواء ذكيت أوماتت، ولهذا فهم يجوزون لبس فراء الثعالب
والقلانس والطواقي "الكوفيات" التي تصنع منها، سيما إذا دعت الضرورة لذلك كما هو
الحال في مناطق سيبيريا ونحوها، حيث تبلغ درجة الحرارة في الشتاء 50 درجة تحت
الصفر، وقد علمت من بعض طلاب تلك المناطق أنه ليس هناك أدفأ من جلود الثعالب لتغطية
الرأس، وهذا مذهب المالكية ومن وافقهم.
2. جلود الثعالب كغيرها من السباع لا تطهر بتذكية ولا دباغ، ولهذا
لا يحل استعمالها.
قال ابن عبد البر: قال ابن القاسم: أما جلد السبع والكلب إذا ذكي
فلا بأس ببيعه والشرب فيه، والصلاة به.
قال أبوعمر بن عبد البر: الذكاة عند مالك وابن القاسم عاملة في
السباع لجلودها، وغير عاملة في الحمير والبغال لجلودها، والنهي عند جمهور أهل العلم
في أكل كل ذي ناب من السباع أقوى من النهي عن أكل لحوم الحمر، لأن قوماً قالوا: إن
النهي عن الحمر إنما كان لقلة الظهر، وقال آخرون: إنما نهى منه عن الجلالة، ولم
يعتل بمثل هذه العلل في السباع.
وقال عبد الملك بن حبيب – المالكي -: لا يحل بيع جلود السباع ولا
الصلاة فيها، وإن دبغت، إذا لم تذك، قال: ولو ذكيت جلودها لحل بيعها، والصلاة فيها.
إلى أن قال: وقال الشافعي: جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ، وكذلك
جلد ما لا يؤكل لحمه إذا دبغ إلا الكلب والخنزير، فإن الذكاة والدباغ لا يعملان في
جلودهما شيئاً.
إلى أن قال: وحكي عن أبي حنيفة: أن الذكاة عنده عاملة في السباع
والحمر لجلودها، ولا تعمل الذكاة عنده في جلد الخنزير شيئاً، ولا عند أحد من
أصحابه.
وكره الثوري جلود الثعالب، والهر، وسائر السباع، ولم ير بأساً بجلود
الحمير.
قال أبو عمر: هذا في الذكاة دون الدباغ، وأما الدباغ فهو عنده مطهر
لجلود الثعالب وغيرها.
وقالت طائفة من أهل العلم: لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل
الدباغ ولا بعده، مذبوحة كانت أوميتة، وممن قال هذا القول الأوزاعي، وابن المبارك،
وإسحاق، وأبوثور، ويزيد بن هارون، واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما
أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان يؤكل لحمه.8
وقال ابن مفلح: واختلف قول الإمام أحمد في جلد الثعلب، فعنه يباح
لبسه والصلاة فيه، وعنه تصح الصلاة فيه مع الكراهة، وعنه يحرم لبسه والصلاة فيه.9
الركوب على جلود النمور والتنعل بها
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركوب على جلود النمور
واتخاذها نعالاً لما في ذلك من الخيلاء والزينة، فعن معاوية رضي الله عنه قال: "نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطعاً".10
قال الشوكاني رحمه الله: وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيه من
الزينة والخيلاء، لأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره.11
الأحذية المصنعة من جلود الأصل12
والثعابين
الأصل جمع أصلة، وهي من أخبث أنواع الحيات.
أجاز المالكية أكل لحم الحية إذا ذكيت وانتزع السم الذي بها، ولهذا
فإذا دبغت جلودها يظهر حلها، والله أعلم.
هل يقاس كره لبسها لما فيه من الزينة والخيلاء على جلود النمور أم
لا؟ هذا ما يحتاج إلى شيء من النظر، سيما وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد
دليل بحرمتها.
الامتشاط
بالعاج
ذهب أهل العلم في جواز الامتشاط بالعاج إلى قولين، أرجحهما والله
أعلم جواز ذلك، وقد رخص في جواز أكل لحم الفيل جماعة من العلماء منهم المالكية.
قال ابن عبد البر رحمه الله: ومن أجاز عظم الميتة كالعاج وشبهه في
الأمشاط وغيرها، زعم أن الميتة ما جرى فيها الدم، وليس كذلك العظم، واحتجوا بقوله
في هذا الحديث13
إنما حرم أكلها، وليس العظم مما يؤكل.
وقالوا: فكل ما لا يؤكل من الميتة جائز الانتفاع به، لقوله: "إنما
حرم أكلها"، وممن رخص في أمشاط العاج، وما يصنع من أنياب الفيلة، وعظام الميتة، ابن
سيرين، وعروة بن الزبير، وأبوحنيفة وأصحابه، قالوا: تغسل، وينتفع بها، وتباع،
وتشترى؛ وبه قال الليث بن سعد، إلا أنه قال: تغلى بالماء والنار حتى يذهب ما فيها
من الدسم.
وممن كره العاج وسائر عظام الميتة ولم يرخص في بيعها ولا الانتفاع
بها عطاء، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، واختلف فيها عن
الحسن البصري.14
ثانياً:
الحل
مما يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى، مكلفاً كان أم غير
مكلف، أن يكون حلالاً طيباً.
فيحرم على الجنسين، وعلى من يعولون، لبس ثياب مسروقة، أومغصوبة،
أوشريت بمال حرام.
كما يحرم على ذكور هذه الأمة صغاراً وكباراً لبس الذهب والحرير،
وذهب أهل العلم في لبس ما فيه يسير من الحرير إلى قولين أرجحهما جواز ذلك.
وقد رخص الشارع في لبس الحرير للعلاج لمن به حكة أوجرب، وفي لبس
عصابة من الحرير في الحرب.
وفي حكم اللباس الافتراشُ والركوبُ.
والحرير المحرم هو الحرير الطبيعي – حرير دود القز – وليس الحرير
الصناعي.
الأدلة على تحريم
الذهب والحرير على ذكور هذه الأمة
· عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم".15
· وعن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من
لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".16
· وعن أبي عثمان النهدي قال: "أتانا كتاب عمر ونحن مع عُتبة بن فرقد
بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه
اللتين تليان الإبهام، قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام".17
· وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه".18
لهذا فقد أجمعت الأمة على الآتي:19
أولاً: جواز لبس الحرير والذهب محلقاً وغير محلق على النساء.
ثانياً: تحريم لبس الحرير الخالص والذهب على الرجال والصبيان من غير
ضرورة.
ثالثاً: أبيح لبس يسير الحرير للرجال في أرجح قولي العلماء.
روى ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، فأما القلم – أي الخط – من
الحرير، وسدا الثوب، فليس به بأس".
قال أبوعمر20:
قول ابن عباس تفسير أحاديث هذا الباب، وعليه جمهور السلف والخلف من العلماء.
ثم سمى عدداً ممن لبس الخـز من الصحـابة ومن دونهـم، منهم: ابن
عباس، وأبو قتـادة، وعبدالله بن أبي أوفى، وأبوهريرة، وعبد الله بن الزبير، والحسين
بن علي رضي الله عنهم؛ ومن التابعين: ابن أبي ليلى، والأحنف بن قيس، وقيس بن أبي
حـازم، وشريح، والشعبي، وعـروة بن الزبير؛ وسمى من كره لبسه، وهم ابن عمر من
الصحابة، ومن دوهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وابن سيرين،
ومالك بن أنس مع اختلاف عنه.
مما يدل على خطورة لبس المحرم من الثياب قوله صلى الله عليه وسلم في
الحديث: ".. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء، يا رب، يا رب،
ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".21
ثالثاً: أن يكون واسعاً لا يصف أويحكي شيئاً من جسم المرأة ولا عورة الرجل
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أوأنثى أن يكون واسعاً فضفاضاً، لا
يصف شيئاً من جسم المرأة، ولا شيئاً من عورة الرجل، لهذا نهى عمر عن لبس القباطي،
وعلله بقوله: إنه إن لم يشف فإنه يصف؛ أي يصف شكل البدن وحجمه، ومنه العورة.
رابعاً: أن لا يكون شفافاً يظهر
البشرة
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى أن يكون سميكاً لا يشف عما
تحته ولا يحكي عورة.
صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما،
قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات،
لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد مسيرة خمسمائة سنة".22
قال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث دليل على أن لباس الخفيف الذي يصف
ولا يستر من الثياب لا يجوز للنساء، وكذلك ما وصف العورة ولم يسترها من الرجال.23
وقال ابن مفلح رحمه الله تحت فصل "في كراهية لبس الشفوف والحاكية
التي تصف البدن": يكره لبس ثوب رقيق يصف البشرة، ويكره للأنثى في بيتها، نص عليه24،
وقيل: يحرم مع غير محرم له النظر إليها، وقيل: مع غير زوج وسيد، وهو أصح، ذكره كله
في "الرعاية الكبرى".25
وقال ابن تميم: يكره الثوب الرقيق إذا وصف البدن، قال أصحابنا:
للرجال، وقال في "المستوعب": يكره للرجل والمرأة لبس الرقيق من الثياب، وهو ما يصف
البشرة غير العورة، ولا يكره ذلك للمرأة إذا كان لا يراها إلا زوجها أومالكها.
وقال في "الشرح": إذا كان خفيفاً يصف لون البشرة فيبين من ورائه
بياض الجلد وحمرته لم تجز الصلاة به، وإن كان يستر اللون ويصف الخلقة جازت الصلاة
فيه لأن البشرة مستورة، وهذا لا يمكن التحرز منه، انتهى كلامه.
وقال المروزي: وأمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوباً،
فقال لي: لا يكون رقيقاً، أكره الرقيق للحي والميت؛ قلت: وقد سألوني أن أشتري لهم
ثوباً عليه كتاب، فقال لهم: إن أردتم اشتريه ونقلع الكتاب؛ قلت: إنما يريدون ذلك
للكتاب؛ فقال: لا تشتره.26
خامساً: أن لا يكون لباس شهرة
نهى الإسلام عن لباس الشهرة، وهو الرفيع جداً أوالوضيع جداً،
أوالمخالف لما تعارف عليه الناس، ولم يخالف أمراً شرعياً، سواء كان ذلك في شكل
الثوب، أولونه، أوكيفية حياكته.
عن ابن عمر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لبس ثوب شهرة
ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة".27
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "أنه نهى عن الشهرتين، فقيل:
يا رسول الله، وما الشهرتان؟ قال: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها
وقصرها، ولكن سداداً بين ذلك واقتصاداً".28
لأهل العلم في ثوب الشهرة ثلاثة أقوال، هي:
1. حرام، للحديث السابق.
2. مكروه.
3. جائز، وهذا بعيد مع هذا الوعيد.
فيتقلب الحكم بين الحرمة والكراهة حسب درجة الشهرة واصطحاب ذلك
بالخيلاء.
قال ابن مفلح: قال في "الرعاية الكبرى": يكره في غير حرب إسبال29
بعض لباسه فخراً وخيلاء، وبطراً، وشهرة، وخلاف زي بلده بلا عذر، وقيل: يحرم ذلك،
وهو أظهر، وقيل: ثوب الشهرة ما خالف زي بلده، وأزرى به، ونقص مروءته، انتهى كلامه.
والقول بتحريم ذلك خيلاء هو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقطع به في
"المستوعب" و"الشرح"30،
وهو الذي وجدته في كلام الشيخ تقي الدين.31
ونص أحمد على أنه لا يحرم ثوب الشهرة، فصارت الأقوال ثلاثة، فإن
أحمد رضي الله عنه رأى على رجل برداً مخلطاً بياضاً وسواداً، فقال: ضع عنك هذا،
واكسب لباس أهل بلدك، وقال: ليس هو بحرام، ولو كنت بمكة أوالمدينة لم أعب عليك.
وقال في "التخليص" وابن تميم: يكره ثوب الشهرة، وهو ما خالف ثياب
بلده، وقال ابن تميم: ويكره لبس ما يخرج بلابسه إلى الخيلاء، وقال في "المستوعب":
يكره من اللباس ما يشتهر به عند الناس، ويزري بصاحبه، وينقص مروءته، وفي "الغنية"32:
من اللباس المتنزه عنه كل لبسة يكون بها مشتهراً بين الناس، كالخروج عن عادة أهل
بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون لئلا يشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سبباً
إلى حملهم على غيبته، فيشاركهم في إثم الغيبة.
إلى أن قال: ويدخل في الشهرة وخلاف المعتاد من لبس شيئاً مقلوباً
ومحولاً، كجبة وقباء، كما يفعله بعض أهل الجفاء والسخافة والانخلاع، والله أعلم.33
ومن أمثلة لبس الشهرة لبس اللون الأسود والأخضر، لأنهما أضحيا
شعاراً لأهل الأهواء.
سادساً: أن يشبه لباس العرب
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى أن يشبه لباس العرب ويخالف
لباس العجم.
قال ابن مفلح: وقال القاضي34،
وابن عقيل، والشيخ عبد القادر – الجيلاني – وغيرهم رحمهم الله: ومن اللباس المكروه
ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم، ومن هذا العمامة الصماء35،
وهي مكروهة، نص عليه الإمام أحمد والأصحاب، وهل هي كراهة تحريم أوتنزيه؟ فيه خلاف،
وقد كره أحمد النعل الصَّرارة36،
وقال من زي العجم، قال الميموني: ما رأيتُ أبا عبد الله قط مُرْخي الكمين، يعني في
المشي.37
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن الذي عليه أهل السنة أن
جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، ورومهم، وفرسهم، وغيرهم، وأن
قريش أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله أفضل بني هاشم، فهو أفضل
الخلق نفساً وأفضلهم نسباً.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون رسول الله منهم،
وإن هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل.
واستدل على ذلك بما صح عند مسلم38:
"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني
هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وبما خرجه الترمذي39:
"إن الله خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم، فخيِّر الفريقين، ثم خيَّر القبائل فجعلني
في خير قبيلة، ثم خير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم
بيتاً".
ثم علل لأفضلية العرب بأنهم أفهم، وأحفظ، وأقدر على البيان
والعبارة.40
من الملابس التي كرهها الإسلام البنطلون، والقميص، والإسكيرت،
والبلوزة، لأنها أصبحت شعاراً للكفار.
سابعاً: أن لا يشبه لباس الكفار
لقد نهى الإسلام أتباعه نهياً تاماً عن التشبه في أي أمر من الأمور
دقيقها وجليلها، حقيرها وعظيمها، سيما في الأعياد، والملبس، والمظهر، والتحدث، وأمر
المسلم أن يعتد بدينه، وبمظهره، ومخبره.
التشبه بالكفار حرام، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما روى
ابن عمر رضي الله عنهما: "ومن تشبه بقوم فهو منهم".41
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية42:
وقد تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.
وقال: وروي عن حذيفة أنه دعي إلى وليمة، فرأى شيئاً من زي الأعاجم،
فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم.
إلى أن قال: فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما
عليه الأعاجم الكفار قديماً وحديثاً، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن
السابقون الأولون عليه.. ولهذا كان الذين ينالون العلم والإيمان من أبناء فارس إنما
حصل لهم ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقص من العرب
إنما بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنة أن يخالفوا فيه.
ومما يشبه لباس الكفار مما ابتلي به كثير من المسلمين لبس البنطلون
والقميص، حيث صار شعاراً للحضارة المادية الكافرة.
ثامناً: أن
لا يشبه لبس الرجال النساء، ولا لبس النساء الرجال
يحرم على الرجال التشبه بالنساء في أي أمر من الأمور، في تقلد
الأمور، وفي اللباس، والمشية، والكلام، وفي تصفيف الشعر، والزينة، ونحو ذلك، قال
تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء
نصيب مما اكتسبن"43،
وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من
الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.44
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح45:
قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص
بالنساء ولا العكس، قلت: وكذا في الكلام والمشي.
فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي
نسائهم من رجالهم في اللبس46،
لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فتختص بمن
تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك
بالتدرج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به،
وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين، وأما إطلاق من أطلق كالنووي، وأن المخنث الخلقي لا
يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي
والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً ولو بالتدريج
فتركه بغير عذر لحقه اللوم.
إلى أن قال: وقال ابن التين: المراد باللعن في هذا الحديث من تشبه
من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في
التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن يتعاطى
السحاق بغيرها من النساء، فإن لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشد عن من لم يصل إلى
ذلك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه: ظاهر اللفظ الزجر من
التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات
والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير.
إلى أن قال: واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل
باللؤلؤ، وهو واضح لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك، وأما قول الشافعي: ولا
أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا أنه من زي النساء، فليس مخالفاً لذلك، لأن مراده أنه لم
يرد في النهي عنه بخصوصه شيء.
وقال ابن مفلح: يكره47
تشبه رجل بامرأة، وامرأة برجل في لباس وغيره، ذكره صاحب "المستوعب" وابن تميم،
وقدمه في "الرعاية الكبرى"، وعنه يحرم ذلك، وقطع به الشيخ موفق الدين وهو أولى،
وقطع به أكثر الشافعية، والأول ذكره صاحب "المحيط" من الحنفية.
قال المروذي: سألت أبا عبد الله: يخاط للنساء هذه الزيقات العراض؟
فقال: إن كان شيء عريض فأكرهه، هو محدث، وإن كان شيء وسط لم ير به بأس، وكره أن
يصير للمرأة مثل جيب الرجال.. وكنت يوماً عند أبي عبد الله فمرت به جارية عليها
قباء، فتكلم بشيء، فقلت: تكرهه؟ قال: كيف لا أكرهه جداً؟ لعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال؛ ويدخل في هذه المسألة حكم الخف، فينهى
النساء عن لبس خف يشبه خف الرجال، وقد صرح به الشيخ تقي الدين، ولا تنافي بين هذا
وبين نص الإمام أحمد والأصحاب رحمهم الله تعالى على إباحة لبس الخف للمرأة.
ويدخل فيها أيضاً – أي في التشبه – حكم العمامة لها، وقد صرح به
الأصحاب، والمرجع في اللباس إلى حكم عرف البلد، ذكره في "التلخيص".
ولا تختمر المرأة كخمار الرجل، بل يكون خمارها على رأسها لية
وليتين.48
قلت: العرف المعتبر هو الذي لا يخالف الشرع، ولا يكون فيه تشبه
بالكفار، فإذا تعارف الرجال والنساء مثلاً على لبس ما عند الكفار، مثل لبس البنطلون
والقميص للرجال، والإسكيرت والبلوزة للنساء، كما هو الحال الآن في معظم بلاد
المسلمين، لا اعتبار لهذا العرف، لمخالفته الصريحة للشرع.
تاسعاً: تجنب الخيلاء
لقد نهى الإسلام عن الخيلاء في اللبس والكلام، وفي المشية، وفي أي
شيء، وتوعد على ذلك بالعذاب الأليم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني
عذبته"49،
يعني فيهما.
وعنه يرفعه: "بينما رجل يمشي في حُلة تعجبه نفسه، مُرَجَّلٌ رأسُه،
يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل50
في الأرض إلى يوم القيامة".51
وفي الحديث كذلك: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"،
ومن تواضع لله رفعه.
عاشراً: تجنب الإسراف
لقد نهى الله ورسوله عن الإسراف، وحذرا منه في أي أمر من الأمور،
فقال عز من قائل: "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".
فالإسراف حرام في اللبس، والأكل، والشرب، وفي الطهارة، وفي جميع
المباحات، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً أن يسرف في الوضوء ولو كان
يتوضأ من نهر جارٍ.
الحادي عشر: تجنب الألوان الصارخة والتي أضحت شعاراً لأهل الأهواء والفساق
مما ينبغي للمسلم أن يتجنبه في لباسه ذكراً كان أم أنثى الألوان
الصارخة، نحو الأحمر القاني، وكذلك الألوان التي أضحت شعاراً لأهل الأهواء، نحو لبس
السواد، لأنه أضحى شعار الرافضة، والأخضر الذي أصبح شعاراً لبعض الطرقية.
لقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر الألوان، ولكنه استحب
البياض للأحياء والأموات، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم".53
وقال البراء: "رأيته – أي الرسول – في حلة حمراء".54
وقال أبو جحيفة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء".55
وعن جابر قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعليه عمامة
سوداء".56
وعن عائشة قالت: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه
مِرْط مرجل من شعر أسود".57
قال ابن مفلح: يباح لبس السواد من عمامة، نص عليه أحمد، وثوب وقباء،
وهذا معنى ما في "المستوعب"، و"التلخيص"، و"الشرح"، وقيل: إلا لمصاب أوجندي في غير
حرب، وعنه يكره للجندي مطلقاً، وخياطه إذا روع به مسلماً، وأجازه للمرأة، نقله عنه
المروذي، وقيل: فمن ترك ثياباً سوداء يحرقها الوصي، قال الخلال عن المروذي عنه،
وهذا يقتضي تحريمه، وعلل أحمد بأنه لبس الجند أصحاب السلطان الظلمة، وسأل الإمام
أحمد المتوكل أن يعفيه من لبس السواد58
فأعفاه؛ فسلم رجل على أحمد فلم يرد عليه، وكان عليه جبة سوداء، رواه الخلال.59
لعل دليل أحمد في عدم رده على لابس السواد ما رواه عبد الله بن عمرو
قال: "مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل عليه ثوبان أحمران، فسلم فلم يرد النبي
صلى الله عليه وسلم".60
الثاني عشر:
تجنب لبس ما فيه صورة إنسان، أوحيوان، أوصليب
ينبغي للمسلم أن يتجنب في لبسه رجلاً كان أوامرأة أوطفلاً ما فيه
صورة إنسان أوحيوان.
تصوير ما فيه نفس من المحرمات الكبائر، وقد أخبر الرسول صلى الله
عليه وسلم قائلاً: "لا تدخل الملائكة61
بيتاً فيه كلب ولا تصاوير".
قال ابن مفلح: يكره الصليب في الثوب ونحوه، قال ابن حمدان: ويحتمل
التحريم، قال أحمد رحمه الله في رواية صالح في الخواتيم التي عليها الصور: كانت
نقشت في الجاهلية لا ينبغي لبسها لما فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صور
صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، وعُذب"62،
وقد قال إبراهيم: أصاب أصحابنا خمائص فيها صُلب، فجعلوا يضربونها بالسلوك يمحونها..
ويحرم تصوير حيوان برأس ولو في سرير، أوحائط، أوسقف بيت، أوقبة،
واستعمال ما هو فيه بلا ضرورة، وجعله ستراً معلقاً، وذكره في الرعاية، وهو مذهب أبي
حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال في "الشرح" في باب الوليمة: وصنعة التصاوير محرمة على فاعلها،
ولم يفرق، وهو قول بعض السلف، قال: والأمر بعمله محرم كعمله، وقال في "المستوعب":
تكره التصاوير في السقوف، والستور، والحيطان، والأسِرَّة، ونحو ذلك.
وقال ابن تميم: وينهى عن التصاوير في السقوف والحيطان والأسرة
ونحوها؛ وقال ابن أبي موسى: الصور والتماثيل مكروهة عنده63
في الأسرة والجدران وغير ذلك، إلا أنها في الرَّقم أيسر، وتركه أفضل، فإن أزيل رأس
الصورة، أوكانت بلا رأس جاز، نص عليه، وفيه وجه يكره، وقطع به في "المستوعب".
ويباح بسطه64
مطلقاً، قال في الرعاية وغيرها: وصورة غيرها مطلقاً كشجر وغيره من التماثيل،
والصلاة عليها، وذكر في "المستوعب" وابن تميم أنه لا بأس بما فيه تماثيل غير
الحيوان، وهل يكره لبس ما فيه صورة حيوان للرجال والنساء أويحرم؟ على وجهين، ولا
بأس بافتراشه.
إلى أن قال: وقال في "التلخيص": يحرم لبس الثياب التي فيها تصاوير
وتعليقها ستوراً – على الرجال والنساء – إلا من ضرورة.65
الفصل الثاني: لباس الرجل
لقد فرَّق الله بين الرجال والنساء في أمور كثيرة، من تلك الأمور
اللباس، فعورة الرجل تختلف عن عورة المرأة، ولبس الرجل في الصلاة وفي إحرامه يختلف
عن لبس المرأة، بل لقد فرق بعض أهل العلم بين كفن الرجل والمرأة، وهذا كله ينفي
الدعوة الكاذبة التي يرفعها بعض دعاة تحرير المرأة من القيود الشرعية من أن الله
تعبَّد المرأة بكل ما تعبَّد به الرجل، وأن المرأة مساوية للرجل في الحقوق
والواجبات.
فعلى النساء أن يتقين الله عز وجل في أنفسهن، ولا يتمنين ما فضل
الله به الرجال على النساء، وأن يرضين بما قسم الله لهن.
فلبس الرجل يختلف عن لبس المرأة في أمور، وسنتحدث في هذا الفصل بشيء
من التفصيل فيما يخص لبس الرجل، وسنردفه بما هو خاص بالمرأة في الفصل الذي يليه،
فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: عورة66
الرجل والصبي دون البلوغ
أرجح أقوال العلماء أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، هذا
بجانب أن العورة المغلظة هي السوأتان.
وستر العورة واجب في الصلاة وغيرها، ولا يحل لرجل كشف عورته إلا
لامرأته أوما ملكت يمينه.
قال تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم
وريشاً" الآية.
قال القرطبي في تفسيرها67:
قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة، لأنه قال: "يواري
سوءاتكم"، وقال قوم: إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام
فقط.
قلت: القول الأول أصح، ومن جملة الإنعام ستر العورة.
إلى أن قال: ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين
الناس، واختلفوا في العورة ما هي؟.
ثم ذكر اختلاف أهل العلم في ذلك، ملخصها:
1. من السرة إلى الركبة.
2. السرة ليست بعورة، وهذا مذهب مالك.
3. السرة والركبتان ليسا بعورة، وهذا مذهب الشافعي.
4. الفرج فقط، القبل والدبر، وهذا مذهب ابن أبي ذئب وداود بن علي
الظاهري.
احتج القائلون بأن السرة ليست بعورة بما روي أن أبا هريرة قبَّل سرة
الحسن بن علي، وقال: أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك؛ بأن
لو كانت السرة عورة لما قبلها أبوهريرة، ولا مكنه الحسن من ذلك.
والدليل على أنه لا يجوز للرجل أن يكشف عورته إلا لزوجه أوما ملكت
يمينه ما رواه أهل السنن68:
"احظ عورتك إلا من زوجتك، أوما ملكت يمينك؛ قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم
بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا ترينها أحداً؛ قال: قلت: يا
رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحي منه من الناس".
والدليل على أن الفخذ عورة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "غط فخذك
فإن الفخذ من العورة".69
ثانياً: ما يلبسه الرجل في بيته
يلبس الرجل في بيته ما يشاء إذا كان ما يلبسه ساتراً ما بين السرة
إلى الركبة، نحو القميص والسراويل أو"التبان"70،
أوسراويل و"فنيلة"، أوإزار ورداء، وما شابه ذلك من الملابس التي اعتاد الناس أن
يلبسوها في بيوتهم.
هذا إذا لم يكن معه في البيت أحد من غير محارمه، أما إن كان معه غير
المحارم فعليه أن يغطي أعلى جسده كذلك.
ثالثاً: ما يلبسه الرجل
والصبي المميز في صلاتهما
أقل ما يصلي فيه الرجل وكذلك الصبي المميز سراويل، أوإزار يغطي ما
بين السرة والركبة، وأن يجعل على عاتقه شيئاً من الثياب قميصاً أورداءً، والأكمل
والأفضل له أن يصلي في قميص أوثوب أو"جلابية"، وسراويل أوإزار، ويغطي رأسه بطاقية
أوعمامة.
قال الثوري: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه المتيسرة له، ويتقمص
ويتعمم.71
قال صاحب سبيل السعادة المالكي72:
عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة.. فيجب على المكلف ستر ما بين السرة والركبة،
وليس هذا مطلوباً في الصلاة خاصة، بل في الصلاة وخارج الصلاة، سواء في وجوب ستر ما
بين السرة والركبة، وأن هذا واجب في جميع أحوال المكلف، فيحرم عليه كشف شيء من هذا
سواء كان متلبساً بالصلاة أم لا.
إلى أن قال: تكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء، لكن
الحكم بالكراهة إذا لم يكن شفافاً يبدو منه العورة، وإلا كان حراماً، ما لم يكن
فوقه شيء كثيف يحجب لون العورة، وإلا انتفت الحرمة والكراهة.
من صلى في لباس ضيق يصف العورة المغلظة، أوشفاف يحكي لون العورة
بطلت صلاته وإن كان خالياً، فكيف إذا كان أمام الناس؟ والفرض والنفل سواء، وكذلك
سواء كان يصلي في بيته أوفي المسجد وهو أشد حرمة، هذا إن لم يكن مضطراً لا يجد غير
تلك الملابس.
قال النووي: قال أصحابنا – الشافعية -: يجب الستر بما يحول بين
الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق، يشاهد من ورائه سواد البشرة أوبياضها، ولا
يكفي كذلك الغليظ المهلهل النسيج الذي يظهر بعض العورة من خلله، فلو ستر اللون ووصف
حجم البشرة، كالركبة والإلية ونحوهما صحت صلاته فيه لوجود الستر، وحكى الدارمي
وصاحب البيان وجهاً أنه لا يصح إذا وصف الحجم وهو غلط73
ظاهر، ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب، والجلود، والورق، والحشيش المنسوج، وغير ذلك
مما يستر لون البشرة، وهذا لا خلاف فيه، ولو ستر بعض عورته بشيء من زجاج بحيث ترى
البشرة منه لم تصح صلاته بلا خلاف، ولو وقف في ماءٍ صافٍ لم تصح صلاته إلا إذا غلبت
الخضرة لتراكم الماء.74
وقال الشيرازي الشافعي: ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء،
أوقميص وإزار، أوقميص وسراويل.75
جاء في نيل المآرب وهو يتحدث عن شروط صحة الصلاة: ستر العورة، قال
ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوب |