لباس المسلم
رجالاً ونساءاً
"وأنزلنا إليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى
ذلك خير" الأعراف 27
الحمد لله الذي كرم الإنسان: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر
والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقن تفضيلاً"1،
وفضله على سائر الحيوان بالعقل وحسن القوام، والحمد لله موصول بالشكر له مع
الامتنان بأن جعلنا من ملة خير الأنام محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى
السلام.
لقد أمر الله عز وجل عباده بستر العورة وبالتزين بالمباحات، ونهاهم
وحذرهم عن العري والتفسخ والتحلل، ومن التزين والتحلي بالحرام والنجس، وبين أن ذلك
من فتنة الشيطان وأوليائه من بني الإنسان: "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج
أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث
لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون".2
على الرغم من ذلك نجد بعض من انطمست فطرتهم، وفسدت طباعهم، وتبلدت
أحاسيسهم يقول إن العري والتفسخ هو الأصل!!
هذا مع إعلامه سبحانه وتعالى لنا وإرشاده أن السترة التامة واللباس
الحقيقي هو في تقوى الله عز وجل: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم
وريشاً ولباس التقوى ذلك خير".3
وصدق من قال:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب
عريانـاً و إن كان كاسياً
وخير لباس المرء طاعــة ربه ولا خيـر
فيمن كان لله عاصياً
ولأهل العلم في تأويل لباس التقوى أقوال متقاربة، هي:4
1. الحياء.
2. العمل الصالح.
3. السمت الحسن.
4. ما علمه عز وجل وهدى به.
5. الخشية لله.
6. استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه.
ستر العورة للمسلم المكلف رجلاً كان أم امرأة فرض واجب، وقد بين
الشارع الحكيم كيفية ستر العورة، وحذر وتوعد من لم يتقيد بذلك ولم يترك هذا الأمر
لأهواء البشر، وإنما حده حداً بيناً لا لبس فيه ولا غموض، فالحمد لله الذي لم يخلق
الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه.
وبعد فهذا بحث عن لباس المسلم، ذكراً كان أم أنثى، صغيراً كان أم
كبيراً، وقد دفعني للكتابة في هذا الموضوع أمور، هي:
الأول: كثرة سؤال الناس عن اللباس الشرعي للرجل والمرأة.
الثاني: اضطراب الأقوال في هذا الأمر الشرعي وتضاربها، بحيث يصعب
على البعض أن يصدر عن أي قول منها.
الثالث: الغزو الثقافي والفكري الذي عمَّ وطم.
الرابع: تقليد الكفار والتشبه بهم الذي ابتلي به قطاع كبير من
المسلمين.
الخامس: جمع وتيسير كل ما يتعلق باللباس في مؤلف واحد موجز.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم
وبارك على سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
الفصل الأول: ما يشترط في الملبوس
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى، صغيراً كان أم كبيراً شروط
عدة، وسنتحدث عنها بشيء من الإيجاز مع ذكر الأدلة وأقوال الأئمة والترجيحات، فنقول
وبالله التوفيق:
أولاً:
الطهارة
أول ما يشترط في لباس المسلم أن يكون طاهراً غير نجس، حيث يحرم على
المسلم أن يلبس شيئاً نجساً، ثوباً كان أم نعالاً أوغير ذلك، أوأن يصلي على بساط
أوسجاد نجس.
· فيحل له لبس القطن، والكتان، والصوف، ونحوها.
· وجلود وفراء وصوف كل ما يؤكل لحمه إذا ذكي ودبغ.
· وجلود وفراء الميت مما يؤكل لحمه من الحيوان إذا دبغ في
أرجح قولي العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".5
ذهب أهل العلم في جلد الميتة التي يؤكل لحمها ثلاثة مذاهب، هي:6
1. يطهر بعد الدباغ، وهذا مذهب الجمهور، وهو الراجح.
2. لا يطهر بعد الدباغ.
3. طاهر قبل الدباغ.
واختلفوا كذلك هل الدباغ يطهر كل الجلود، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل
لحمه:
1. يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، وهذا مذهب الجمهور.
2. يطهر كل جلد ميت من السباع وغيرها إلا الكلب والخنزير.
3. تطهر كل الجلود حتى الكلب والخنزير.
واختلفوا كذلك هل طهارة جلد الميتة بعد الدباغ طهارة كاملة أم لا؟
على قولين.
قال ابن عبد البر رحمه الله: واختلف الفقهاء أيضاً بعد ما ذكرنا في
حكم طهارة الجلد المذكور بعد الدباغ هل هي طهارة كاملة في كل شيء كالمذكى أوهي
طهارة ضرورة تبيح الانتفاع في شيء دون شيء؟ فذكر أبو عبد الله محمد بن نصر قال:
وإلى جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ في كل شيء من البيع وغيره، وكراهية
الانتفاع بها قبل الدباغ ذهب أكثـر أهـل العلم من التـابعين، وهو قول يحيى بن سعيد
الأنصاري وعامة علماء الحجاز.
قال أبو عمر بن عبد البر: قوله أطلق الانتفاع بها في كل شيء – يعني
الوضوء فيها والصلاة فيها، وبيعها وشراءها، وسائر وجوه الانتفاع بها، وبثمنها،
كالجلود المذكاة سواء، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالحجاز والعراق من أهل الفقه
والحديث، وممن قال بها الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن
حي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول داود بن علي، والطبري، وإليه ذهب ابن
وهب صاحب مالك، كل هؤلاء يقولون: دباغ الإهاب طهوره للصلاة والوضوء والبيع وكل شيء.
إلى أن قال: قال ابن وهب: وأخبرنا محمد بن عمرو عن ابن جريج قال:
قلت لعطاء: الفرو من جلود الميتة يصلي فيها؟ قال: نعم، وما بأسه وقد دُبغ؟
قال ابن وهب: وسمعت الليث بن سعد يقول: لا بأس بالصلاة في جلود
الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالنعال من الميتة إذا دبغت، ولا بأس بالاستسقاء بها،
والشرب منها، والوضوء فيها.7
كرهت عائشة رضي الله عنها لباس الفراء من جلود الميتة ولو دبغت.
عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال لعائشة: ألا نجعل لك فرواً
تلبسينه؟ قالت: إني أكره جلود الميتة؛ قال: إنا لا نجعله إلا ذكياُ، فجعلناه فكانت
تلبسه.
وكذلك روى نافع عن ابن عمر أنه كان لا يلبس إلا ذكياً.
فراء وقلاسي وطواقي الثعالب
ذهب أهل العلم في حل فراء وقلاسي – القلانس – وطواقي الثعالب
مذهبين:
1. جلود الثعالب إذا ذكيت أوماتت ودبغت طهرت، وهذا قول من يقول إن
جلود السباع إذا دُبغت حلت سواء ذكيت أوماتت، ولهذا فهم يجوزون لبس فراء الثعالب
والقلانس والطواقي "الكوفيات" التي تصنع منها، سيما إذا دعت الضرورة لذلك كما هو
الحال في مناطق سيبيريا ونحوها، حيث تبلغ درجة الحرارة في الشتاء 50 درجة تحت
الصفر، وقد علمت من بعض طلاب تلك المناطق أنه ليس هناك أدفأ من جلود الثعالب لتغطية
الرأس، وهذا مذهب المالكية ومن وافقهم.
2. جلود الثعالب كغيرها من السباع لا تطهر بتذكية ولا دباغ، ولهذا
لا يحل استعمالها.
قال ابن عبد البر: قال ابن القاسم: أما جلد السبع والكلب إذا ذكي
فلا بأس ببيعه والشرب فيه، والصلاة به.
قال أبوعمر بن عبد البر: الذكاة عند مالك وابن القاسم عاملة في
السباع لجلودها، وغير عاملة في الحمير والبغال لجلودها، والنهي عند جمهور أهل العلم
في أكل كل ذي ناب من السباع أقوى من النهي عن أكل لحوم الحمر، لأن قوماً قالوا: إن
النهي عن الحمر إنما كان لقلة الظهر، وقال آخرون: إنما نهى منه عن الجلالة، ولم
يعتل بمثل هذه العلل في السباع.
وقال عبد الملك بن حبيب – المالكي -: لا يحل بيع جلود السباع ولا
الصلاة فيها، وإن دبغت، إذا لم تذك، قال: ولو ذكيت جلودها لحل بيعها، والصلاة فيها.
إلى أن قال: وقال الشافعي: جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ، وكذلك
جلد ما لا يؤكل لحمه إذا دبغ إلا الكلب والخنزير، فإن الذكاة والدباغ لا يعملان في
جلودهما شيئاً.
إلى أن قال: وحكي عن أبي حنيفة: أن الذكاة عنده عاملة في السباع
والحمر لجلودها، ولا تعمل الذكاة عنده في جلد الخنزير شيئاً، ولا عند أحد من
أصحابه.
وكره الثوري جلود الثعالب، والهر، وسائر السباع، ولم ير بأساً بجلود
الحمير.
قال أبو عمر: هذا في الذكاة دون الدباغ، وأما الدباغ فهو عنده مطهر
لجلود الثعالب وغيرها.
وقالت طائفة من أهل العلم: لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل
الدباغ ولا بعده، مذبوحة كانت أوميتة، وممن قال هذا القول الأوزاعي، وابن المبارك،
وإسحاق، وأبوثور، ويزيد بن هارون، واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما
أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان يؤكل لحمه.8
وقال ابن مفلح: واختلف قول الإمام أحمد في جلد الثعلب، فعنه يباح
لبسه والصلاة فيه، وعنه تصح الصلاة فيه مع الكراهة، وعنه يحرم لبسه والصلاة فيه.9
الركوب على جلود النمور والتنعل بها
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركوب على جلود النمور
واتخاذها نعالاً لما في ذلك من الخيلاء والزينة، فعن معاوية رضي الله عنه قال: "نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطعاً".10
قال الشوكاني رحمه الله: وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيه من
الزينة والخيلاء، لأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره.11
الأحذية المصنعة من جلود الأصل12
والثعابين
الأصل جمع أصلة، وهي من أخبث أنواع الحيات.
أجاز المالكية أكل لحم الحية إذا ذكيت وانتزع السم الذي بها، ولهذا
فإذا دبغت جلودها يظهر حلها، والله أعلم.
هل يقاس كره لبسها لما فيه من الزينة والخيلاء على جلود النمور أم
لا؟ هذا ما يحتاج إلى شيء من النظر، سيما وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد
دليل بحرمتها.
الامتشاط
بالعاج
ذهب أهل العلم في جواز الامتشاط بالعاج إلى قولين، أرجحهما والله
أعلم جواز ذلك، وقد رخص في جواز أكل لحم الفيل جماعة من العلماء منهم المالكية.
قال ابن عبد البر رحمه الله: ومن أجاز عظم الميتة كالعاج وشبهه في
الأمشاط وغيرها، زعم أن الميتة ما جرى فيها الدم، وليس كذلك العظم، واحتجوا بقوله
في هذا الحديث13
إنما حرم أكلها، وليس العظم مما يؤكل.
وقالوا: فكل ما لا يؤكل من الميتة جائز الانتفاع به، لقوله: "إنما
حرم أكلها"، وممن رخص في أمشاط العاج، وما يصنع من أنياب الفيلة، وعظام الميتة، ابن
سيرين، وعروة بن الزبير، وأبوحنيفة وأصحابه، قالوا: تغسل، وينتفع بها، وتباع،
وتشترى؛ وبه قال الليث بن سعد، إلا أنه قال: تغلى بالماء والنار حتى يذهب ما فيها
من الدسم.
وممن كره العاج وسائر عظام الميتة ولم يرخص في بيعها ولا الانتفاع
بها عطاء، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، واختلف فيها عن
الحسن البصري.14
ثانياً:
الحل
مما يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى، مكلفاً كان أم غير
مكلف، أن يكون حلالاً طيباً.
فيحرم على الجنسين، وعلى من يعولون، لبس ثياب مسروقة، أومغصوبة،
أوشريت بمال حرام.
كما يحرم على ذكور هذه الأمة صغاراً وكباراً لبس الذهب والحرير،
وذهب أهل العلم في لبس ما فيه يسير من الحرير إلى قولين أرجحهما جواز ذلك.
وقد رخص الشارع في لبس الحرير للعلاج لمن به حكة أوجرب، وفي لبس
عصابة من الحرير في الحرب.
وفي حكم اللباس الافتراشُ والركوبُ.
والحرير المحرم هو الحرير الطبيعي – حرير دود القز – وليس الحرير
الصناعي.
الأدلة على تحريم
الذهب والحرير على ذكور هذه الأمة
· عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم".15
· وعن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من
لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".16
· وعن أبي عثمان النهدي قال: "أتانا كتاب عمر ونحن مع عُتبة بن فرقد
بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه
اللتين تليان الإبهام، قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام".17
· وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه".18
لهذا فقد أجمعت الأمة على الآتي:19
أولاً: جواز لبس الحرير والذهب محلقاً وغير محلق على النساء.
ثانياً: تحريم لبس الحرير الخالص والذهب على الرجال والصبيان من غير
ضرورة.
ثالثاً: أبيح لبس يسير الحرير للرجال في أرجح قولي العلماء.
روى ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، فأما القلم – أي الخط – من
الحرير، وسدا الثوب، فليس به بأس".
قال أبوعمر20:
قول ابن عباس تفسير أحاديث هذا الباب، وعليه جمهور السلف والخلف من العلماء.
ثم سمى عدداً ممن لبس الخـز من الصحـابة ومن دونهـم، منهم: ابن
عباس، وأبو قتـادة، وعبدالله بن أبي أوفى، وأبوهريرة، وعبد الله بن الزبير، والحسين
بن علي رضي الله عنهم؛ ومن التابعين: ابن أبي ليلى، والأحنف بن قيس، وقيس بن أبي
حـازم، وشريح، والشعبي، وعـروة بن الزبير؛ وسمى من كره لبسه، وهم ابن عمر من
الصحابة، ومن دوهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وابن سيرين،
ومالك بن أنس مع اختلاف عنه.
مما يدل على خطورة لبس المحرم من الثياب قوله صلى الله عليه وسلم في
الحديث: ".. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء، يا رب، يا رب،
ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".21
ثالثاً: أن يكون واسعاً لا يصف أويحكي شيئاً من جسم المرأة ولا عورة الرجل
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أوأنثى أن يكون واسعاً فضفاضاً، لا
يصف شيئاً من جسم المرأة، ولا شيئاً من عورة الرجل، لهذا نهى عمر عن لبس القباطي،
وعلله بقوله: إنه إن لم يشف فإنه يصف؛ أي يصف شكل البدن وحجمه، ومنه العورة.
رابعاً: أن لا يكون شفافاً يظهر
البشرة
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى أن يكون سميكاً لا يشف عما
تحته ولا يحكي عورة.
صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما،
قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات،
لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد مسيرة خمسمائة سنة".22
قال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث دليل على أن لباس الخفيف الذي يصف
ولا يستر من الثياب لا يجوز للنساء، وكذلك ما وصف العورة ولم يسترها من الرجال.23
وقال ابن مفلح رحمه الله تحت فصل "في كراهية لبس الشفوف والحاكية
التي تصف البدن": يكره لبس ثوب رقيق يصف البشرة، ويكره للأنثى في بيتها، نص عليه24،
وقيل: يحرم مع غير محرم له النظر إليها، وقيل: مع غير زوج وسيد، وهو أصح، ذكره كله
في "الرعاية الكبرى".25
وقال ابن تميم: يكره الثوب الرقيق إذا وصف البدن، قال أصحابنا:
للرجال، وقال في "المستوعب": يكره للرجل والمرأة لبس الرقيق من الثياب، وهو ما يصف
البشرة غير العورة، ولا يكره ذلك للمرأة إذا كان لا يراها إلا زوجها أومالكها.
وقال في "الشرح": إذا كان خفيفاً يصف لون البشرة فيبين من ورائه
بياض الجلد وحمرته لم تجز الصلاة به، وإن كان يستر اللون ويصف الخلقة جازت الصلاة
فيه لأن البشرة مستورة، وهذا لا يمكن التحرز منه، انتهى كلامه.
وقال المروزي: وأمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوباً،
فقال لي: لا يكون رقيقاً، أكره الرقيق للحي والميت؛ قلت: وقد سألوني أن أشتري لهم
ثوباً عليه كتاب، فقال لهم: إن أردتم اشتريه ونقلع الكتاب؛ قلت: إنما يريدون ذلك
للكتاب؛ فقال: لا تشتره.26
خامساً: أن لا يكون لباس شهرة
نهى الإسلام عن لباس الشهرة، وهو الرفيع جداً أوالوضيع جداً،
أوالمخالف لما تعارف عليه الناس، ولم يخالف أمراً شرعياً، سواء كان ذلك في شكل
الثوب، أولونه، أوكيفية حياكته.
عن ابن عمر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لبس ثوب شهرة
ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة".27
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "أنه نهى عن الشهرتين، فقيل:
يا رسول الله، وما الشهرتان؟ قال: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها
وقصرها، ولكن سداداً بين ذلك واقتصاداً".28
لأهل العلم في ثوب الشهرة ثلاثة أقوال، هي:
1. حرام، للحديث السابق.
2. مكروه.
3. جائز، وهذا بعيد مع هذا الوعيد.
فيتقلب الحكم بين الحرمة والكراهة حسب درجة الشهرة واصطحاب ذلك
بالخيلاء.
قال ابن مفلح: قال في "الرعاية الكبرى": يكره في غير حرب إسبال29
بعض لباسه فخراً وخيلاء، وبطراً، وشهرة، وخلاف زي بلده بلا عذر، وقيل: يحرم ذلك،
وهو أظهر، وقيل: ثوب الشهرة ما خالف زي بلده، وأزرى به، ونقص مروءته، انتهى كلامه.
والقول بتحريم ذلك خيلاء هو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقطع به في
"المستوعب" و"الشرح"30،
وهو الذي وجدته في كلام الشيخ تقي الدين.31
ونص أحمد على أنه لا يحرم ثوب الشهرة، فصارت الأقوال ثلاثة، فإن
أحمد رضي الله عنه رأى على رجل برداً مخلطاً بياضاً وسواداً، فقال: ضع عنك هذا،
واكسب لباس أهل بلدك، وقال: ليس هو بحرام، ولو كنت بمكة أوالمدينة لم أعب عليك.
وقال في "التخليص" وابن تميم: يكره ثوب الشهرة، وهو ما خالف ثياب
بلده، وقال ابن تميم: ويكره لبس ما يخرج بلابسه إلى الخيلاء، وقال في "المستوعب":
يكره من اللباس ما يشتهر به عند الناس، ويزري بصاحبه، وينقص مروءته، وفي "الغنية"32:
من اللباس المتنزه عنه كل لبسة يكون بها مشتهراً بين الناس، كالخروج عن عادة أهل
بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون لئلا يشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سبباً
إلى حملهم على غيبته، فيشاركهم في إثم الغيبة.
إلى أن قال: ويدخل في الشهرة وخلاف المعتاد من لبس شيئاً مقلوباً
ومحولاً، كجبة وقباء، كما يفعله بعض أهل الجفاء والسخافة والانخلاع، والله أعلم.33
ومن أمثلة لبس الشهرة لبس اللون الأسود والأخضر، لأنهما أضحيا
شعاراً لأهل الأهواء.
سادساً: أن يشبه لباس العرب
يشترط في لباس المسلم ذكراً كان أم أنثى أن يشبه لباس العرب ويخالف
لباس العجم.
قال ابن مفلح: وقال القاضي34،
وابن عقيل، والشيخ عبد القادر – الجيلاني – وغيرهم رحمهم الله: ومن اللباس المكروه
ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم، ومن هذا العمامة الصماء35،
وهي مكروهة، نص عليه الإمام أحمد والأصحاب، وهل هي كراهة تحريم أوتنزيه؟ فيه خلاف،
وقد كره أحمد النعل الصَّرارة36،
وقال من زي العجم، قال الميموني: ما رأيتُ أبا عبد الله قط مُرْخي الكمين، يعني في
المشي.37
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن الذي عليه أهل السنة أن
جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، ورومهم، وفرسهم، وغيرهم، وأن
قريش أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله أفضل بني هاشم، فهو أفضل
الخلق نفساً وأفضلهم نسباً.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون رسول الله منهم،
وإن هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل.
واستدل على ذلك بما صح عند مسلم38:
"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني
هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وبما خرجه الترمذي39:
"إن الله خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم، فخيِّر الفريقين، ثم خيَّر القبائل فجعلني
في خير قبيلة، ثم خير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم
بيتاً".
ثم علل لأفضلية العرب بأنهم أفهم، وأحفظ، وأقدر على البيان
والعبارة.40
من الملابس التي كرهها الإسلام البنطلون، والقميص، والإسكيرت،
والبلوزة، لأنها أصبحت شعاراً للكفار.
سابعاً: أن لا يشبه لباس الكفار
لقد نهى الإسلام أتباعه نهياً تاماً عن التشبه في أي أمر من الأمور
دقيقها وجليلها، حقيرها وعظيمها، سيما في الأعياد، والملبس، والمظهر، والتحدث، وأمر
المسلم أن يعتد بدينه، وبمظهره، ومخبره.
التشبه بالكفار حرام، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما روى
ابن عمر رضي الله عنهما: "ومن تشبه بقوم فهو منهم".41
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية42:
وقد تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.
وقال: وروي عن حذيفة أنه دعي إلى وليمة، فرأى شيئاً من زي الأعاجم،
فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم.
إلى أن قال: فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما
عليه الأعاجم الكفار قديماً وحديثاً، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن
السابقون الأولون عليه.. ولهذا كان الذين ينالون العلم والإيمان من أبناء فارس إنما
حصل لهم ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقص من العرب
إنما بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنة أن يخالفوا فيه.
ومما يشبه لباس الكفار مما ابتلي به كثير من المسلمين لبس البنطلون
والقميص، حيث صار شعاراً للحضارة المادية الكافرة.
ثامناً: أن
لا يشبه لبس الرجال النساء، ولا لبس النساء الرجال
يحرم على الرجال التشبه بالنساء في أي أمر من الأمور، في تقلد
الأمور، وفي اللباس، والمشية، والكلام، وفي تصفيف الشعر، والزينة، ونحو ذلك، قال
تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء
نصيب مما اكتسبن"43،
وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من
الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.44
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح45:
قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص
بالنساء ولا العكس، قلت: وكذا في الكلام والمشي.
فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي
نسائهم من رجالهم في اللبس46،
لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فتختص بمن
تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك
بالتدرج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به،
وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين، وأما إطلاق من أطلق كالنووي، وأن المخنث الخلقي لا
يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي
والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً ولو بالتدريج
فتركه بغير عذر لحقه اللوم.
إلى أن قال: وقال ابن التين: المراد باللعن في هذا الحديث من تشبه
من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في
التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن يتعاطى
السحاق بغيرها من النساء، فإن لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشد عن من لم يصل إلى
ذلك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه: ظاهر اللفظ الزجر من
التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات
والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير.
إلى أن قال: واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل
باللؤلؤ، وهو واضح لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك، وأما قول الشافعي: ولا
أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا أنه من زي النساء، فليس مخالفاً لذلك، لأن مراده أنه لم
يرد في النهي عنه بخصوصه شيء.
وقال ابن مفلح: يكره47
تشبه رجل بامرأة، وامرأة برجل في لباس وغيره، ذكره صاحب "المستوعب" وابن تميم،
وقدمه في "الرعاية الكبرى"، وعنه يحرم ذلك، وقطع به الشيخ موفق الدين وهو أولى،
وقطع به أكثر الشافعية، والأول ذكره صاحب "المحيط" من الحنفية.
قال المروذي: سألت أبا عبد الله: يخاط للنساء هذه الزيقات العراض؟
فقال: إن كان شيء عريض فأكرهه، هو محدث، وإن كان شيء وسط لم ير به بأس، وكره أن
يصير للمرأة مثل جيب الرجال.. وكنت يوماً عند أبي عبد الله فمرت به جارية عليها
قباء، فتكلم بشيء، فقلت: تكرهه؟ قال: كيف لا أكرهه جداً؟ لعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال؛ ويدخل في هذه المسألة حكم الخف، فينهى
النساء عن لبس خف يشبه خف الرجال، وقد صرح به الشيخ تقي الدين، ولا تنافي بين هذا
وبين نص الإمام أحمد والأصحاب رحمهم الله تعالى على إباحة لبس الخف للمرأة.
ويدخل فيها أيضاً – أي في التشبه – حكم العمامة لها، وقد صرح به
الأصحاب، والمرجع في اللباس إلى حكم عرف البلد، ذكره في "التلخيص".
ولا تختمر المرأة كخمار الرجل، بل يكون خمارها على رأسها لية
وليتين.48
قلت: العرف المعتبر هو الذي لا يخالف الشرع، ولا يكون فيه تشبه
بالكفار، فإذا تعارف الرجال والنساء مثلاً على لبس ما عند الكفار، مثل لبس البنطلون
والقميص للرجال، والإسكيرت والبلوزة للنساء، كما هو الحال الآن في معظم بلاد
المسلمين، لا اعتبار لهذا العرف، لمخالفته الصريحة للشرع.
تاسعاً: تجنب الخيلاء
لقد نهى الإسلام عن الخيلاء في اللبس والكلام، وفي المشية، وفي أي
شيء، وتوعد على ذلك بالعذاب الأليم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني
عذبته"49،
يعني فيهما.
وعنه يرفعه: "بينما رجل يمشي في حُلة تعجبه نفسه، مُرَجَّلٌ رأسُه،
يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل50
في الأرض إلى يوم القيامة".51
وفي الحديث كذلك: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"،
ومن تواضع لله رفعه.
عاشراً: تجنب الإسراف
لقد نهى الله ورسوله عن الإسراف، وحذرا منه في أي أمر من الأمور،
فقال عز من قائل: "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".
فالإسراف حرام في اللبس، والأكل، والشرب، وفي الطهارة، وفي جميع
المباحات، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً أن يسرف في الوضوء ولو كان
يتوضأ من نهر جارٍ.
الحادي عشر: تجنب الألوان الصارخة والتي أضحت شعاراً لأهل الأهواء والفساق
مما ينبغي للمسلم أن يتجنبه في لباسه ذكراً كان أم أنثى الألوان
الصارخة، نحو الأحمر القاني، وكذلك الألوان التي أضحت شعاراً لأهل الأهواء، نحو لبس
السواد، لأنه أضحى شعار الرافضة، والأخضر الذي أصبح شعاراً لبعض الطرقية.
لقد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر الألوان، ولكنه استحب
البياض للأحياء والأموات، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم".53
وقال البراء: "رأيته – أي الرسول – في حلة حمراء".54
وقال أبو جحيفة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء".55
وعن جابر قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعليه عمامة
سوداء".56
وعن عائشة قالت: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه
مِرْط مرجل من شعر أسود".57
قال ابن مفلح: يباح لبس السواد من عمامة، نص عليه أحمد، وثوب وقباء،
وهذا معنى ما في "المستوعب"، و"التلخيص"، و"الشرح"، وقيل: إلا لمصاب أوجندي في غير
حرب، وعنه يكره للجندي مطلقاً، وخياطه إذا روع به مسلماً، وأجازه للمرأة، نقله عنه
المروذي، وقيل: فمن ترك ثياباً سوداء يحرقها الوصي، قال الخلال عن المروذي عنه،
وهذا يقتضي تحريمه، وعلل أحمد بأنه لبس الجند أصحاب السلطان الظلمة، وسأل الإمام
أحمد المتوكل أن يعفيه من لبس السواد58
فأعفاه؛ فسلم رجل على أحمد فلم يرد عليه، وكان عليه جبة سوداء، رواه الخلال.59
لعل دليل أحمد في عدم رده على لابس السواد ما رواه عبد الله بن عمرو
قال: "مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل عليه ثوبان أحمران، فسلم فلم يرد النبي
صلى الله عليه وسلم".60
الثاني عشر:
تجنب لبس ما فيه صورة إنسان، أوحيوان، أوصليب
ينبغي للمسلم أن يتجنب في لبسه رجلاً كان أوامرأة أوطفلاً ما فيه
صورة إنسان أوحيوان.
تصوير ما فيه نفس من المحرمات الكبائر، وقد أخبر الرسول صلى الله
عليه وسلم قائلاً: "لا تدخل الملائكة61
بيتاً فيه كلب ولا تصاوير".
قال ابن مفلح: يكره الصليب في الثوب ونحوه، قال ابن حمدان: ويحتمل
التحريم، قال أحمد رحمه الله في رواية صالح في الخواتيم التي عليها الصور: كانت
نقشت في الجاهلية لا ينبغي لبسها لما فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صور
صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، وعُذب"62،
وقد قال إبراهيم: أصاب أصحابنا خمائص فيها صُلب، فجعلوا يضربونها بالسلوك يمحونها..
ويحرم تصوير حيوان برأس ولو في سرير، أوحائط، أوسقف بيت، أوقبة،
واستعمال ما هو فيه بلا ضرورة، وجعله ستراً معلقاً، وذكره في الرعاية، وهو مذهب أبي
حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال في "الشرح" في باب الوليمة: وصنعة التصاوير محرمة على فاعلها،
ولم يفرق، وهو قول بعض السلف، قال: والأمر بعمله محرم كعمله، وقال في "المستوعب":
تكره التصاوير في السقوف، والستور، والحيطان، والأسِرَّة، ونحو ذلك.
وقال ابن تميم: وينهى عن التصاوير في السقوف والحيطان والأسرة
ونحوها؛ وقال ابن أبي موسى: الصور والتماثيل مكروهة عنده63
في الأسرة والجدران وغير ذلك، إلا أنها في الرَّقم أيسر، وتركه أفضل، فإن أزيل رأس
الصورة، أوكانت بلا رأس جاز، نص عليه، وفيه وجه يكره، وقطع به في "المستوعب".
ويباح بسطه64
مطلقاً، قال في الرعاية وغيرها: وصورة غيرها مطلقاً كشجر وغيره من التماثيل،
والصلاة عليها، وذكر في "المستوعب" وابن تميم أنه لا بأس بما فيه تماثيل غير
الحيوان، وهل يكره لبس ما فيه صورة حيوان للرجال والنساء أويحرم؟ على وجهين، ولا
بأس بافتراشه.
إلى أن قال: وقال في "التلخيص": يحرم لبس الثياب التي فيها تصاوير
وتعليقها ستوراً – على الرجال والنساء – إلا من ضرورة.65
الفصل الثاني: لباس الرجل
لقد فرَّق الله بين الرجال والنساء في أمور كثيرة، من تلك الأمور
اللباس، فعورة الرجل تختلف عن عورة المرأة، ولبس الرجل في الصلاة وفي إحرامه يختلف
عن لبس المرأة، بل لقد فرق بعض أهل العلم بين كفن الرجل والمرأة، وهذا كله ينفي
الدعوة الكاذبة التي يرفعها بعض دعاة تحرير المرأة من القيود الشرعية من أن الله
تعبَّد المرأة بكل ما تعبَّد به الرجل، وأن المرأة مساوية للرجل في الحقوق
والواجبات.
فعلى النساء أن يتقين الله عز وجل في أنفسهن، ولا يتمنين ما فضل
الله به الرجال على النساء، وأن يرضين بما قسم الله لهن.
فلبس الرجل يختلف عن لبس المرأة في أمور، وسنتحدث في هذا الفصل بشيء
من التفصيل فيما يخص لبس الرجل، وسنردفه بما هو خاص بالمرأة في الفصل الذي يليه،
فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: عورة66
الرجل والصبي دون البلوغ
أرجح أقوال العلماء أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، هذا
بجانب أن العورة المغلظة هي السوأتان.
وستر العورة واجب في الصلاة وغيرها، ولا يحل لرجل كشف عورته إلا
لامرأته أوما ملكت يمينه.
قال تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم
وريشاً" الآية.
قال القرطبي في تفسيرها67:
قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة، لأنه قال: "يواري
سوءاتكم"، وقال قوم: إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام
فقط.
قلت: القول الأول أصح، ومن جملة الإنعام ستر العورة.
إلى أن قال: ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين
الناس، واختلفوا في العورة ما هي؟.
ثم ذكر اختلاف أهل العلم في ذلك، ملخصها:
1. من السرة إلى الركبة.
2. السرة ليست بعورة، وهذا مذهب مالك.
3. السرة والركبتان ليسا بعورة، وهذا مذهب الشافعي.
4. الفرج فقط، القبل والدبر، وهذا مذهب ابن أبي ذئب وداود بن علي
الظاهري.
احتج القائلون بأن السرة ليست بعورة بما روي أن أبا هريرة قبَّل سرة
الحسن بن علي، وقال: أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك؛ بأن
لو كانت السرة عورة لما قبلها أبوهريرة، ولا مكنه الحسن من ذلك.
والدليل على أنه لا يجوز للرجل أن يكشف عورته إلا لزوجه أوما ملكت
يمينه ما رواه أهل السنن68:
"احظ عورتك إلا من زوجتك، أوما ملكت يمينك؛ قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم
بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا ترينها أحداً؛ قال: قلت: يا
رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحي منه من الناس".
والدليل على أن الفخذ عورة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "غط فخذك
فإن الفخذ من العورة".69
ثانياً: ما يلبسه الرجل في بيته
يلبس الرجل في بيته ما يشاء إذا كان ما يلبسه ساتراً ما بين السرة
إلى الركبة، نحو القميص والسراويل أو"التبان"70،
أوسراويل و"فنيلة"، أوإزار ورداء، وما شابه ذلك من الملابس التي اعتاد الناس أن
يلبسوها في بيوتهم.
هذا إذا لم يكن معه في البيت أحد من غير محارمه، أما إن كان معه غير
المحارم فعليه أن يغطي أعلى جسده كذلك.
ثالثاً: ما يلبسه الرجل
والصبي المميز في صلاتهما
أقل ما يصلي فيه الرجل وكذلك الصبي المميز سراويل، أوإزار يغطي ما
بين السرة والركبة، وأن يجعل على عاتقه شيئاً من الثياب قميصاً أورداءً، والأكمل
والأفضل له أن يصلي في قميص أوثوب أو"جلابية"، وسراويل أوإزار، ويغطي رأسه بطاقية
أوعمامة.
قال الثوري: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه المتيسرة له، ويتقمص
ويتعمم.71
قال صاحب سبيل السعادة المالكي72:
عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة.. فيجب على المكلف ستر ما بين السرة والركبة،
وليس هذا مطلوباً في الصلاة خاصة، بل في الصلاة وخارج الصلاة، سواء في وجوب ستر ما
بين السرة والركبة، وأن هذا واجب في جميع أحوال المكلف، فيحرم عليه كشف شيء من هذا
سواء كان متلبساً بالصلاة أم لا.
إلى أن قال: تكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء، لكن
الحكم بالكراهة إذا لم يكن شفافاً يبدو منه العورة، وإلا كان حراماً، ما لم يكن
فوقه شيء كثيف يحجب لون العورة، وإلا انتفت الحرمة والكراهة.
من صلى في لباس ضيق يصف العورة المغلظة، أوشفاف يحكي لون العورة
بطلت صلاته وإن كان خالياً، فكيف إذا كان أمام الناس؟ والفرض والنفل سواء، وكذلك
سواء كان يصلي في بيته أوفي المسجد وهو أشد حرمة، هذا إن لم يكن مضطراً لا يجد غير
تلك الملابس.
قال النووي: قال أصحابنا – الشافعية -: يجب الستر بما يحول بين
الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق، يشاهد من ورائه سواد البشرة أوبياضها، ولا
يكفي كذلك الغليظ المهلهل النسيج الذي يظهر بعض العورة من خلله، فلو ستر اللون ووصف
حجم البشرة، كالركبة والإلية ونحوهما صحت صلاته فيه لوجود الستر، وحكى الدارمي
وصاحب البيان وجهاً أنه لا يصح إذا وصف الحجم وهو غلط73
ظاهر، ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب، والجلود، والورق، والحشيش المنسوج، وغير ذلك
مما يستر لون البشرة، وهذا لا خلاف فيه، ولو ستر بعض عورته بشيء من زجاج بحيث ترى
البشرة منه لم تصح صلاته بلا خلاف، ولو وقف في ماءٍ صافٍ لم تصح صلاته إلا إذا غلبت
الخضرة لتراكم الماء.74
وقال الشيرازي الشافعي: ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء،
أوقميص وإزار، أوقميص وسراويل.75
جاء في نيل المآرب وهو يتحدث عن شروط صحة الصلاة: ستر العورة، قال
ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى
عرياناً، فيجب سترها حتى عن نفسه، وفي خلوة، وظلمة، وخارج الصلاة، بما لا يصف لون
بشرة العورة من بياض أوسواد، لأن الستر إنما يحصل بذلك.
إلى أن قال: ويكفي الستر بغير منسوج كورق، وجلد، ونبات، ويباح كشف
العورة لتداوٍ، وتخل، ونحوهما، كزوج لزوجه.
وعورة الرجل وبالغ عشراً.. ما بين سرة وركبة، وعورة ابن سبع إلى عشر
الفرجان.. وسُنَّ صلاة رجل في ثوبين: كقميص أورداء معه إزار، أومعه سروال، مع ستر
رأسه، والإمام أبلغ لأنه يقتدى به، ويجزي الرجل في نفل ستر عورته، وأما في فرض عين،
أونذر، أوفرض كفاية، فلابد من ستر عورته ومن ستر جميع أحد عاتقيه، بلباس ولو وصف
البشرة، إذا قدر عليه، وإلا فأي شيء ستر به عاتقه أجزأه.76
الأدلة على ستر العاتقين
– الكتفين – في الصلاة
1. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، أوقال عمر رضي الله عنه: "إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن
له إلا ثوب واحد فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود".77
2. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، والآخر أن تصلي في سراويل وليس عليك
رداء".78
3. "لا يصلينَّ أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".79
قال الخطابي: اشتمال اليهود المنهي عنه هو أن يخلل بدنه بالثوب
ويسبله من غير أن يرفع طرف، قال: واشتمال الصماء: أن يخلل بدنه بالثوب ثم يرفع
طرفيه على عاتقه الأيسر، فاشتمال الصماء: إدارة الثوب على جميع البدن لا يخرج منه
يده.
قال النووي عن هذا النهي: نهي كراهة تنزيه لا تحريم، فلو صلى مكشوف
العاتقين صحت صلاته مع الكراهة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وجمهور السلف
والخلف، وقال أحمد وطائفة قليلة: يجب وضع شيء على عاتقه لظاهر الحديث، فإن تركه ففي
صحة صلاته عند أحمد روايتان، وخصَّ أحمد ذلك بصلاة الفرض.80
حكم ستر العورة في الصلاة
ذهب أهل العلم في حكم ستر العورة في الصلاة مذاهب، هي:
1. فرض في الصلاة خاصة، وشرط في صحتها.
2. فرض في الجملة في الصلاة وخارجها.
3. واجب.
4. سنة.
والراجح أنها شرط لصحة الصلاة، مع الذكر والقدرة، للأدلة السابقة.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "يا بني آدم خذوا
زينتكم عند كل مسجد"81
الآية: دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض
من فروض الصلاة، وقال الأبهري: هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين
الناس في الصلاة وغيرها، وهو الصحيح، لقوله عليه السلام للمِسْوَر بن مخرمة: "ارجع
إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة" أخرجه مسلم، وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة
من سنن الصلاة، واحتج بأنه لو كان فرضاً في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن
يصلي، لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أوبدله مع عدمه،
أوتسقط82
الصلاة جملة، وليس كذلك.83
وقال النووي عن مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة: قد ذكرنا
أنه شرط عندنا –الشافعية– وبه قال داود، وقال أبو حنيفة: إن ظهر ربع العضو صحت
صلاته وإن زاد لم تصح، وإن ظهر من السوأتين قدر درهم بطلت صلاته، وإن كان أقل لم
تبطل؛ وقال أبو يوسف: إن ظهر نصف العضو صحت صلاته، وإن زاد لم تصح؛ وقال بعض أصحاب
مالك: ستر العورة واجب وليس بشرط، فإن صلى مكشوفها84
صحت صلاته، سواء تعمد أوسها؛ وقال أكثر المالكية: الستر شرط مع الذكر والقدرة
عليها، فإن عجز أونسي الستر صحت صلاته، وهذا هو الصحيح عندهم، وقال أحمد: إن ظهر
شيء يسير صحت صلاته، سواء العورة المخففة والمغلظة85؛
دليلنا أنه ثبت الستر بحديث عائشة، ولا فرق بين الرجل والمرأة بالاتفاق، وإذا ثبت
الستر اقتضى جميع العورة، فلا يقبل تخصيص البعض إلا بدليل.86
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما صلاة الرجل بادي
الفخذين، مع القدرة على الإزار، فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف.87
لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه
من نظر إلى عورة نفسه أوعورة غيره وهو في الصلاة فقد بطلت صلاته
وعليه الإعادة.
قال القرطبي: واختلفوا إذا رأى عورة نفسه، فقال الشافعي: إذا كان
الثوب ضيقاً يُزرّه، أويخلله بشيء لئلا يتجافى القميص، فترى من الجيب88
العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة، وهو قول أحمد، ورخص مالك في
الصلاة في القميص المحلول الإزار، ليس عليه سراويل، وهو قول أبي حنيفة وأبي ثورن
وكان سالماً89
يصلي محلول الإزار، وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به، وحكى معناه
الأثرم عن أحمد.90
من انكشفت عورته وهو في الصلاة
من انكشفت عورته وهو في الصلاة إن كان يصلي خالياً فتداركها في
الحال صحت صلاته، واختلف في ذلك إن كان إماماً ورآه غيره على أقوال.
قال القرطبي: قال ابن العربي –المالكي-: وإذا قلنا إن ستر العورة
فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه، قاله ابن
القاسم، وقال سحنون: كل من نظر إليه من المأمومين أعاد؛ وروي عن سحنون أيضاً: أنه
يعيد ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة، أصله
كالطهارة، قال القاضي ابن العربي: أما من قال إن صلاتهم لا تبطل، فإنهم لم يفقدوا
شرطاً، وأما من قال: إن أخذه مكانه صحت صلاته، وتبطل صلاة من نظر إليه، فصحيفة يجب
محوها، ولا يجوز الاشتغال بها.91
صح عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: "لما رجع قومي من عند النبي
صلى الله عليه وسلم قالوا: قال: ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن؛ قال: فدعوني وعلموني
الركوع والسجود، وكنت أصلي بهم، وكانت عليَّ بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا
تغطي عنا اسْتَ ابنك".92
وصح عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم
في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال
الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال".93
وكان ذلك للضيق الذي كانوا عليه.
إن لم يجد المصلي إلا خرقة
إن لم يجد المصلي إلا خرقة غطى عورته المغلظة، وإن لم يجد إلا ما
يستر إحدى السوأتين غطى القبل.
قال الثوري: إذا وجد ما يستر به بعض العورة فقط لزمه التستر به بلا
خلاف.. فإن لم يكن إلا أحدهما فأربعة أوجه أصحها باتفاق الأصحاب يستر القبل، ونص
عليه الشافعي في الأم.94
من لم يجد إلا ثوباً نجساً، أومسروقاً، أومغصوباً، أوحريراً
من لم يجد ما يستر به عورته إلامن الحرام أوالنجس لزمه لبسه، فإن
الضرورات تبيح المحظورات، ولا يحل له أن يصلي عرياناً وهو واجد لواحد من ذلك.
حكم
صلاة العراة، وكيفيتها، وهل تعاد إذا وجدوا ما يسترون به عورتهم؟
من عجز عن ستر عورته لا تسقط عنه الصلاة، ويجزئه أن يصلي عرياناً،
وذهب أهل العلم في كيفية صلاة العريان مذهبين:
1. يصلي قائماً.
2. يصلي جالساً، ويومئ بالركوع والسجود.
وإن كانوا جماعة صلوا قياماً ووقف إمامهم وسطهم، ولا يحل له ولا لهم
أن يتقدمهم.
وهذا كله يدل على مكانة الصلاة في الإسلام، وعلى أن أداءها في جماعة
للرجال من الواجبات إلا بعذر شرعي، كيف لا وقد شرعت الجماعة في صلاة الخوف ساعة
الحرب والقتال؟
ولا إعادة على من صلى عارياً، وإنما يستتر لما يستقبل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان
الرجل خالياً، ولم يختلف في أنه في الصلاة لابد من اللباس، لا يجوز الصلاة عرياناً
مع قدرته على اللباس باتفاق العلماء، ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعوداً،
ويكون إمامهم وسطهم، بخلاف خارج الصلاة.95
وقال ابن قدامة: وجملة ذلك أن العادم للسترة لا تسقط عنه الصلاة، لا
نعلم فيه خلافاً، وذلك لأن هذا شرط للصلاة، فلا تسقط الصلاة بالعجز عنه، كالاستقبال
والوضوء، ولأنه واجب في الصلاة فأشبه أركان الصلاة، فإذا عدم السترة فإنه يصلي
قاعداً، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال به عطاء، وعكرمة، وقتـادة، والأوزاعي، وأصحاب
الرأي، وهذا مذهب أبي حنيفـة، وقال مجاهد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر: يصلي
قائماً بركوع وسجود، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع
فجالساً"96،
ولأنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلم يجز تركه له كالقادر على الستر، ولنا ما روى
الخلال بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت بهم مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: يصلون
جلوساً، يومئون إيماءً برؤوسهم؛ ولم ينقل خلافه، ولأن الستر آكد من القيام، بدليل
أمرين، أحدهما أنه لا يسقط مع القدرة بحال، والقيام يسقط في النافلة، والثاني أن
القيام يختص بالصلاة، والستر يجب فيها وفي غيرها، فإذا لم يكن بد من ترك أحدهما
فترك أخفهما أولى من ترك الآكد.
إلى أن قال: وإذا ثبت هذا، فليس علىمن صلى في هذه الحال إعادة، لأنه
شرط من شرائط الصلاة سقط عنه، كما لو عَجَزَ عن استقبال القبلة فصلى إلى غيرها.
وإن صلى العُريان قائماً، وركع وسجد، صحت صلاته أيضاً في ظاهر كلام
أحمد رحمه الله، وهو قول أصحاب الرأي، وقال ابن جريج: يتخيرون بين القيام والقعود.
وعلى كل حال فينبغي لمن صلى عُرياناً أن يضم بعضه إلى بعض، ويستر ما
أمكن ستره، قيل لأبي عبيد الله: يتربعون أويتضامون؟ قال: بل يتضامون.97
وقال النووي: إذا اجتمع رجال عراة صحت صلاتهم جماعة وفرادى، فإن
صلوا جماعة وهم بصراء وقف إمامُهم وسطهم، فإن خالف ووقف قدامهم صحت صلاته وصلاتهم،
ويغضون أبصارهم، فإن نظروا لم يؤثر في صحة صلاتهم، وهل الأفضل أن يصلوا جماعة أم
فرادى؟ ينظر إن كانوا عمياً أوفي ظلمة بحيث لا يرى بعضُهم بعضاً استحب الجماعة بلا
خلاف، ويقف إمامهم قدامهم.
إلى أن قال:
أما إذا اجتمع نساء عاريات فالجماعة مستحبة لهن بلا خلاف، لأن
إمامتهن تقف وسطهن في حال اللبس أيضاً، وإن اجتمع رجال ونساء عراة لم يصلوا جميعاً
لا في صف ولا في صفين، بل يصلي الرجال ويكون النساء جالسات خلفهم، مستدبرات القبلة،
ثم يصلي النساء، ويجلس الرجال خلفهن مستديرين، فإن أمكن أن تتوارى كل طائفة في مكان
آخر حتى تصلي الطائفة الأخرى فهو أفضل.98
ما يلبسه
المصلي
أ. في بيته
أقل ما يجزئ المصلي الواجد للباس ثوب واحد يضع منه شيئاً على عاتقه،
والأفضل أن يصلي في ثوبين، قميص وسراويل، أوإزار ورداء، وإن زاد على ذلك ثوب
أوجلابية وطاقية أوعمامة كان أفضل، والسنة أن يتخذ الإنسان لنفسه مسجداً في بيته
رجلاً كان أوامرأة، إن تيسرت غرفة صغيرة فبها، وإلا مكاناً في بيته يخلو فيه إلى
نفسه ويناجي فيه ربه، يصلي فيه السنن الرواتب، ويقيم فيه ليله، ويتنفل فيه متى شاء،
اقتداء بالسلف الصالح، وتشبهاً بالأخيار، فإن التشبه بالرجال فلاح.
ب. وهو ذاهب إلى المسجد
على المصلي وهو خارج إلى المسجد لصلاة الجماعة أن يخرج في أحسن حال
متيسرة له، قميص طويل وسراويل طويلة، وطاقية أوعمامة، وإن كان واجداً لثوب – جلابية
- وعمامة، فعليه أن يلبس ذلك، متجنباً الملابس الضيقة التي تصف العورة، والرقيقة
التي تشف عما تحتها، وما فيه صورة حيوان أوإنسان، والألوان الصارخة.
هذا مع التنظف، والتطيب، وترجيل الشعر، وتجنب الأطعمة والأشربة ذات
الروائح الكريهة، كالبصل، والثوم، والكراث، والدخان "السجائر"، والشيشة"، ونحو ذلك،
حتى لا يؤذي الملائكة ولا إخوانه المصلين.
ج. وهو ذاهب إلى الجمعة والعيدين
السنة أن يغتسل المرء وهو خارج إلى الجمعة والعيدين، ويلبس أحسن ما
عنده من الثياب، ويتطيب ويتزين، لأنه من باب تعظيم شعائر الله، والأفضل أن يخصص
ملابس معينة للجمعة والعيدين.
د. الأئمة
ينبغي للأئمة أن يكون لهم زيادة اعتناء بالملابس والنظافة والطيب،
لأنهم هم القدوة والأسوة، وليحذروا أشد الحذر الإسبال، وهو ما زاد على الكعبين في
الثياب والسراويل، وما زاد على الرسغ في الأكمام.
ﻫ. العمال والحرفيون والصناع
ينبغي لهؤلاء وغيرهم أن يحملوا معهم لباساً خاصاً بالصلاة، وعليهم
أن يوقفوا أعمالهم قبل الأذان ويتنظفوا ويخلعوا ملابس العمل، ويلبسوا ما يحملوه
معهم وهم ذاهبون إلى المسجد، حتى لا يحرجوا المصلين بملابس العمل ولا بالروائح
الكريهة.
ومما يؤسف له أن بعض العمال وكذلك بعض الموظفين يتهاونون في أداء
الصلاة المكتوبة في أوقاتها ومع جماعة المسلمين، بل وفي ترك الجمعة مع الوعيد
الوارد في ذلك – من ترك ثلاث جمع متتاليات تهاوناً طبع على قلبه بالنفاق- بحجة أنهم
غير مستعدين لذلك، ولابد لهم من تغيير ملابسهم هذه، ولا شك أن هذا المسلك لا يجوز
أبداً، فعندما يخرج الإنسان من بيته يعلم أن من أوجب الواجبات عليه أداء هذه
الصلوات في جماعة، وعليه أن يستعد لذلك وأن يتهيأ له، وليس في ذلك أدنى حرج ولا
مشقة، فإنه يحمل من أدوات عمله ما هو أشق عليه من حمل ثوب نظيف في زمبيل ليصلي فيه.
الأدلة على ذلك
1. قوله عز وجل: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" الآية.
2. عن أبي أيوب الأنصاري رض الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه،
ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم ركع إن بدا له100،
ولم يؤذ101
أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينهما".102
3. وعن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
على المنبر في يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي
مهنته".103
4. روى وكيع عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يعجبه إذا قام
إلى الصلاة الريح الطيبة والثياب النقية.
5. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "مروءة الرجل نقاء
ثوبه".104
6. روى ابن عبد البر عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه رأى نافعاً
يصلي في ثوب واحد، قال:ألم تكتس ثوبين؟ قلتُ: بلى؛ قال: فلو أرسلت إلى الدار أكنت
تذهب في ثوب واحد؟ قلتُ: لا؛ قال: فالله أحق أن تتزين له، أوللناس؟ قلتُ: بل الله".105
قال ابن مفلح معلقاً على ذلك: وقال القاضي –أبويعلى-: وذلك في
الإمام آكد منه في غيره، لأنه بين يدي المأمومين، وتتعلق صلاتهم بصلاته، فإن لم يكن
إلا ثوب واحد فالقميص أولى، لأنه أعم في الستر.106
وقال القرطبي في تفسير الآية: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل
مسجد": هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت
عرياناً، فإنه عام في كل مسجد للصلاة، لأن العبرة للعموم، لا للسبب.107
وقال ابن قدامة: الكلام في اللباس في أربعة فصول، الفصل الأول فيما
يجزي في الصلاة، والثاني في الفضيلة، والثالث فيما يكره، والرابع فما يحرم.
أما الأول فإنه يجزئه منه ما ستر عورته، إذا كان على عاتقه شيء من
اللباس، سواء كان من الثوب الذي ستر به عورته أومن غيره.
إلى أن قال:
الفصل الثاني: وهو أن يصلي في ثوبين أوأكثر، فإنه إذاً أبلغ في
الستر، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إذا أوسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه
ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في
سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقميص"..
قال التميمي: الثوب الواحد يجزئ، والثوبان أحسن، والأربع أكمل:
قميص، ورداء، وعمامة، وإزار.108
وقال ابن تيمية: أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب، فقد أمرالنبي
أن تتخذ المساجد في البيوت، وتنظف وتطيب.109
ما يكره فعله للرجال من اللباس
في الصلاة
يكره للرجل في الصلاة ما يأتي:
1. السدل110
وهو طرح الثوب على كتفيه، ولا يرد طرفه على الآخر – أي إرخاء الثوب
وإرساله من غير ضم جانبيه؛ وقد ذهب أهل العلم في السدل مذهبين، منهم من كرهه في
الصلاة وغيرها، ومنهم من أجازه في الصلاة وكرهه خارجها.
قال النووي: قال الخطابي: رخص بعض العلماء في السدل في الصلاة، روي
ذلك عن عطاء، ومكحول، والزهري، والحسن، وابن سيرين، ومالك، ويشبه أن يكونوا فرقوا
بين إجازته في الصلاة دون غيرها، لأن المصلي لا يمشي في الثوب وغيره يمشي عليه
ويسبله، وذلك من الخيلاء المنهي عنه، وكان الثوري يكره السدل في الصلاة، وكرهه
الشافعي في الصلاة وغيرها، وقال ابن المنذر: ممن كره السدل في الصلاة ابن مسعود،
ومجاهد، وعطاء، والنخعي، والثوري، ورخص فيه ابن عمر، وجابر، ومكحول، والحسن، وابن
سيرين، والزهري، وعبد الله بن الحسن؛ قال: وروينا عن النخعي أيضاً أنه رخص في سدل
القميص وكرهه في الإزار؛ وقال ابن المنذر: لا أعلم في النهي عن السدل خبراً يثبت
فلا نهي عنه بغير حجة.111
2. الإسبال
الإسبال في الثوب، والقميص، والسراويل، والأكمام حرام خارج الصلاة
وداخلها، صُحب بخيلاء أم لا، لأن فعله نفسه خيلاء، وتزداد حرمته في الصلاة، فقد ذهب
بعض أهل العلم إلى بطلان صلاة ووضوء المسبل، وذهب عامتهم إلى نقصان أجر صلاة
المسبل.
فليحذر المسلمون عامة من هذه العادة الرذيلة المغضبة للرب، الموسخة
للثوب، سيما في حال الصلاة، ويتأكد النهي على الأئمة المقتدى بهم لأن في إسبالهم في
الصلاة فتنة لمن خلفهم.
إليك هذا الدليل الخاص بتحريم الإسبال، وأنه مبطل لوضوء وصلاة
المسبل:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما رجل يصلي مسبلٌ إزاره، قال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ؛ فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال: اذهب
فتوضأ؛ فقال له رجل: مالك يا رسول الله أمرته أن يتوضأ ثم سكتَّ عنه؟ قال: إنه كان
يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل".
قال النووي في رياض الصالحين112:
رواه أبوداود بإسناد صحيح على شرط الشيخين.113
3. اشتمال الصماء
قال الجوهري: هي أن يتجلل الرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانباً، يكون
فيه فرجة فيخرج منها يده، وإنما سُمِّيت صماء لأنه إذا اشتمل بها سَدَّ على يديه
المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا شق.
4. التلثم وتغطية الفم
روى أبو داود بسنده ولم يضعفه عن أبي هريرة يرفعه: "نهى أن يغطي
الرجل فاه في الصلاة"، إلا في حال التثاؤب.
فيكره للمصلي أن يتلثم بثوب أوعمامة أوأن يغطي فاه لغير ضرورة.
ما يحرم على الرجال والصبيان
لبسه في الصلاة
كل ثوب نجس أومحرم، نحو المسروق، والمغصوب، والحرير بأنواعه، وما
فيه صورة، إلا أن يكون مضطراً.
رابعاً: ما يلبسه المحرم من الرجال
السنة أن يحرم الرجال والصبيان والغلمان في إزار ورداء أبيضين وفي
نعلين، فإن لم يجد الإزار والرداء أحرم في سراويله ولبس حذاءه.
وإحرام الرجل في رأسه فلا يغطيه إلا من عذر، ومن ثم فعليه الفدية،
ويرفع الإثم.
خامساً: ما يكفن فيه الرجل
يكفن الرجل وكذلك الصبي المميز إن لم يكن محرماً أوشهيداً في ثلاثة
أثواب بيض إن تيسر ذلك، وإن لم يتيسر كفن في أي لون وفي ثوبين أوواحد، جديدة كانت
هذه الثياب أم مغسولة.
أما المحرم فإنه يدفن في إحرامه، ولا يُغَطى رأسه ووجهه، فإن إحرامه
فيهما، ولا يُطيَّب، لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، هذا ما عليه العامة، ودلت عليه
السنة الصحيحة، وذهب مالك إلى أن الإحرام ينقطع بالموت، ولهذا يُكفن المحرم
ويُحنَّط كغيره من الناس، والصحيح القول الأول.
وكذلك الشهيد يُكَفن في ملابسه التي استشهد فيها، إلا إذا تمزقت
كُفن في ثلاثة أثواب أوفيما تيسر.
الفصل الثالث: لباس المرأة
أولاً: عورة114
المرأة
أ. الحرة المميزة والمراهقة
ذهب أهل العلم في حد عورة المرأة الحرة المميزة والمراهقة في غير
الصلاة والإحرام مذهبين:
1. كلها عورة بما في ذلك الوجه والكفين والصوت.
2. كلها عورة إلا الوجه والكفين.
ومردُّ هذا الخلاف راجع إلى اختلافهم في تأويل الزينة الظاهرة في
قوله عز وجل: "ولا يُبْدين زينتهن إلا ما ظهر منها"115،
إلى قولين، هما:
1. أن المراد بالزينة الظاهرة الثياب، وهذا مذهب ابن مسعود
رضي الله عنه ومن وافقه.
2. أن المراد بالزينة الظاهرة الوجه والكفين، وهذا مذهب ابن
عباس رضي الله عنه ومن وافقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والسلف قد تنازعوا في الزينة
الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه:
هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر
إلى المرأة الأجنبية، فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي
حنيفة والشافعي، وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة حتى
ظفرها، وهو قول مالك.
وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين، زينة ظاهرة وزينة غير
ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج والمحارم، وكانوا قبل أن تنزل
آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز
لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنها يجوز لها إظهاره، ثم
لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين
يدنين عليهن من جلابيبهن" حُجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش،
فأرخى الستر، ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر
قالوا: إن حجبها فهي في أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها.
فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه، وبناته،
ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن – و"الجلباب" هو الملاءة، وهو الذي
يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي
رأسها، فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح أن
المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالحجاب لئلا يُعرفن، وهو
ستر الوجه، أوستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها
للأجانب، فما بقي يحل للأجـانب النظـر إلا إلى الثياب الظاهـرة، فابن مسعود ذكر آخر
الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين.116
التوفيق الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن ابن مسعود ذكر آخر
الأمرين وأن ابن عباس ذكر أول الأمرين قبل الأمر بالحجاب والنهي عن السفور، أي قبل
عام خمس من الهجرة، هو الذي تؤيده الأدلة وعليه العلماء المحققون، وعليه العمل عند
أهل الإسلام، إلى أن عمَّ طوفان السفور والتبرج، بعد سيطرة وهيمنة الإنجليز
والفرنسيين، واستعمار ديار الإسلام، بعد سقوط الدولة العثمانية.
ولله در الشيخ بكر أبوزيد متع الله المسلمين بصحته وعافيته، فبعد أن
دلل على وجوب ستر الوجه والكفين بما يكفي ويشفي ختم كلامه: ونقول لكل مؤمن ومؤمنة:
فيما هو معلوم من الشرع المطهر، وعليه المحققون، أنه ليس لدعاة السفور117
دليل صحيح صريح، ولا عمل مستمر من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن حدث في
المسلمين حادث السفور في بدايات القرن الرابع عشر، وأن جميع ما يستدل به دعاة
السفورعن الوجه والكفين لا يخلو من حال من ثلاث حالات:
1. دليل صحيح صريح، لكنه منسوخ بآيات فرض الحجاب كما يعلمه من
حقق تواريخ الأحداث، أي قبل عام خمس من الهجرة، أوفي حق القواعد من النساء، أوالطفل
الذين لم يظهروا على عورات النساء.
2. دليل صحيح غير صريح، لا تثبت دلالته أمام الأدلة القطعية
الدلالة من الكتاب والسنة على حجب الوجه والكفين كسائر البدن والزينة، ومعلوم أن رد
المتشابه إلى المحكم هو طريق الراسخين في العلم.
3. دليل صريح لكنه غير صحيح لا يحتج به، ولا يجوز أن تعارض به
النصوص الصحيحة الصريحة والهدي المستمر من حجب النساء لأبدانهن وزينتهن، ومنها
الوجه والكفان.
هذا مع أنه لم يقل أحد في الإسلام بجواز كشف الوجه واليدين عند وجود
الفتنة ورقة الدين، وفساد الزمان، بل هم مجمعون على سترهما كما نقله غير واحد من
العلماء.118
شُبَه المجيزين لكشف
الوجه واليدين للمرأة ودحضها
المجيزون لكشف الوجه والكفين والقائلون بأن ذلك ليس من العورة
فريقان مختلفان وطائفتان متضادتان:
1. فريق يعمل بما أداه إليه اجتهاده، فهو إن شاء الله مأجور
وإن أخطأ الحق، لسلامة قصدهم، وحسن نواياهم، وهم الذين يعنوننا.
2. وفريق يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهم دعاة
التبرج والسفور، دعاة تحرير المرأة من القيود الشرعية الذين لا يهدأ لهم بال ولا
يقنعون من المرأة بحال إلا إذا تبرجت كتبرج الجاهليات قديماً وحديثاً، فهم يرفعون
كلمات حق يريدون بها باطلاً، وشعارات مضللة يزيفون بها على بعض المسلمين ولو إلى
حين، فهم يعملون في جلد وصبر، بتخطيط ومكر، فكشف الوجه والكفين لا يشفي غليلهم،
ولكنه الخطوة الأولى والبداية الطبيعية.
فهؤلاء ليس لهم غرض في الأدلة الشرعية، ولكنها إذا أتيحت لهم
استغلوها أسوأ استغلال، ورفعوها في أوجه الأخيار، ولبَّسوا بها على الجهلة
والأغرار، لهذا ينبغي لأهل العلم أن ينتبهوا لذلك، وأن لا يحدثوا بكل ما يعلمون،
ولا يظهروا كل ما يعتقدون، وعليهم مراعاة الحال، وتفويت الفرص على الانتهازيين،
وليكن لهم في رسولهم والسلف الصالح الأسوة الحسنة، فقد ترك رسول الله صلى الله عليه
وسلم هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم خوفاً من إرجاف المرجفين، ورحمة بغير
الراسخين، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
يتمسك المجيزون لكشف الوجه والكفين ببعض الأدلة، ويرفعون بعض الشبه،
لابد من الإشارة إليها ورد أهل العلم المحققين عليها.
والأدلة هي:119
1. حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عندما دخلت على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا
وهذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه.120
وهو حديث مرسل منقطع، حيث قال عنه أبو داود عقب روايته له: هذا
مرسل، خالد بن دُريك لم يدرك عائشة.
وأخرجه كذلك البيهقي في سننه الكبرى.121
اختلف أهل العلم في مراسيل كبار التابعين كسعيد بن المسيب، فمنهم من
أخذ بها إن لم يكن لها معارض، ومنهم من ردها، أما مراسيل صغار التابعين فلا تقبل،
كما قال الشافعي: مراسيل كبار التابعين لا تقبل".122
هذا بجانب علل أخرى في هذا المرسل بيَّنها أهل العلم المختصين.
وعلى فرض صحته فقد رده أهل العلم بردود منها كما قال ابن قدامة في
المغني123:
وأما حديث أسماء فيُحمل على أنه كان قبل نزول الحجاب.
2. ما راوه ابن جرير الطبري في تفسيره124
بسنده عن عائشة قالت: "دخلت عليَّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل
النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض، فقلت: يا رسول الله، إنها ابنة أخي وجارية؛ فقال:
إذا عركت125
المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا؛ وقبض على ذراع نفسه، فترك
بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى".
والحديث ضعيف جداً، والأحاديث الضعيفة لا يُعمل بها في أرجح قولي
العلماء، ولا في فضائل الأعمال، فكيف بالأحكام؟!
3. حديث عائشة وكانت عندها أسماء أختها، عليها ثياب شامية
واسعة الأكمام، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج، فسألته عائشة: لِمَ
قام؟ قال: أولم تر إلى هيئتها؟! إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا؛
فأخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على
صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه".
قال البيهقي: إسناده ضعيف126،
وعلته أن فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وبعض من صحيح أحاديثه إنما صححها من رواية
العبادة.
هذا بجانب أن في إسناده أيضاً ابن عبد الله الفهري، قال الحافظ في
"التقريب": فيه لين، كما قال المقدم.
4. أثر ابن عباس: "أن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح أن يرى منها
إلا هذا وهذا؛ وأشار إلى وجهه وكفيه".127
5. حديث السفعاء الخدين، كما رواه جابر في يوم عيد: ".. ثم مضى حتى
أتى النساء فوعظهن، وذكرهن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم؛ فتكلمت امرأة من سطة
النساء سفعاء الخدين، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن
العشير".128
قال من استدل على كشف الوجه: قول جابر في هذا الحديث "سفعاء الخدين"
يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم أنها
سفعاء.
قال الشنقيطي رحمه الله مدللاً على أن الحديث ليس فيه حجة لإثبات
كشف الوجه: وأجيب عن حديث جابر هذا بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه
وسلم رآها كاشفة عن وجهها وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابراً رأى
وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصداً، وكم من امرأة يسقط خمارها من غير قصد،
فيراه بعض الناس في تلك الحالن كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتنـاولته واتقتنـا باليـد
فعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم
رآها سافرة وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك.129
وما قاله الشنقيطي قرَّره التويجري في "الصارم المشهور"130
وغيره كثير.
ب عورة الأمَة
ذهب أهل العلم في عورة الأمة مذهبين، هما:
1. عورة الأمة كعورة الرجل من السرة إلى الركبة.
2. عورة الأمة كعورة الحرة.
قال الإمام النووي رحمه الله: المشهور من مذهبنا أن عورة الرجل ما
بين سرته وركبته، وكذلك الأمة.
إلى أن قال: وممن قال عورة الأمة ما بين السرة والركبة مالك وأحمد،
وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن البصري أنها إذا تزوجت أوتسراها سيدها لزمها ستر
رأسها في الصلاة.
إلى أن قال: قال الشيخ أبوحامد وغيره: وأجمع العلماء على أن رأس
الأمة ليس بعورة، مزوجة كانت أوغيرها، إلا رواية عن الحسن البصري أن الأمة المزوجة
التي أسكنها الزوج منزله كالحرة، والله أعلم.131
وقال القرطبي رحمه الله: وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديهـا،
ولها أن تبدي رأسها ومعصميهـا، وقيـل: حكمها حكم الرجـل، وقيـل: يكـره لها كشف
رأسهـا وصدرهـا، وكان عمـر رضي الله عنه يضـرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن، ويقول:
لا تشبهن بالحرائر؛ وقـال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من
الأمة عورة حتى ظفرها.132
في هذا العصر لا توجد إماء شرعيات، ولهذا يجب على جميع النساء أن
يتحجبن ويستترن إذا خرجن.
ثانياً: ما تلبسه المرأة في بيتها
للمرأة أن تلبس في بيتها ما تشاء إن كانت خالية أومع زوجها، وإن كان
في البيت أبناء وبنات كبار فعليها أن تستر بدنها، وتكشف عن عاتقها، ورأسها، ويديها،
وقدميها.
أما إن كان في البيت رجال أجانب عليها فعليها أن تحتجب وتستتر منهم
كما تحتجب خارج بيتها، اللهم إلا أن تكون من القواعد ولا تخشى الفتنة.
ثالثاً: ما تلبسه المرأة مع محارمها
المحارم درجات، فالأبناء وأبناؤهم، والإخوان، والأعمام لبس المرأة
معهم يختلف من لبسها مع ولد زوجها وأبي زوجها مثلاً، ولهذا عليها أن تتحرز في ذلك
ولا تتبسط، خاصة لو شعرت برقة دين أوريبة من أحدهم.
رابعاً: ما تلبسه المرأة مع
النساء المسلمات
أبيح للمرأة أن تبدي زينتها لأخواتها المسلمات، ولا تبدي ذلك
للكافرات حتى في حال العلاج والتوليد ما لم تكن هناك ضرورة، حيث لا تجد معالِجة
أوقابلة إلا من الكافرات.
قال تعالى: "ولا يبدين زينتهن إلا.. أونسائهن".133
قال القرطبي: قوله تعالى: "أونسائهن" يعني المسلمات، ويدخل في هذا
الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لامرأة
مؤمنة أن تكشف شيئاً من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله
تعالى: "أومـا ملكت أيمانهن"، وكان ابن جريـج وعبـادة بن نُسَيّ وهشام القارئ
يكرهون أن تقبِّل134
النصرانية المسلمة أوترىعورتها، ويتأولون "أونسائهن"، وقال عبادة بن نُسَيّ: وكتب
عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح أنه بلغني أن نساء أهل الذمة
يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنعمن ذلك، وحُل دونه، فإنه لا يجوز أن ترى
الذمية عِرْية135
المسلمة؛ قال: فعند ذلك قام أبوعبيدة وابتهل، وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير
عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسوَّد الله وجهها يوم تبيض وجوه؛ وقال ابن عباس رضي
الله عنهما: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية ولا نصرانية، لئلا تصفها لزوجها؛ وفي
هذه المسألة خلاف للفقهاء.136
ولهذا لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ولا لوليها أن تدخل
أحواض السباحة التي يدخلها الرجال أوالكافرات، بل لا ينبغي أن تذهب لهذه الاحواض
ولو كانت خالية من الرجال والكافرات لعدم الحاجة إليها، وإلا تشملها دعوة أبي عبيدة
بأن يسوِّد الله وجهها يوم القيامة.
خامساً: ما تلبسه المرأة خارج بيتها
الأصل للمرأة أن تقر في بيتها ولا تخرج منه إلا لضرورة تقدر بقدرها،
فإذا خرجت فعليها أن تخرج متحجبة غير متطيبة، متجنبة الاختلاط والخلوة بالرجال
الأجانب، والحجاب يشمل الوجه والكفين في أرجح قولي العلماء، وقد سبق ذكر أدلة ذلك.
ولها أن تلبس العباءة، أوالبالطو، أوالثوب السابل الذي ليس هو زينة
في ذاته، أوما تشاء، ولتحذر لبس "الإسكيرت والبلوزا"، والبنطلون، والأثواب الشفافة
الواصفة سيما خارج البيت.
سادساً: ما تلبسه المرأة في الصلاة
السنة أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب:
1. خمار تغطي به رأسها.
2. ودرع يغطي بدنها.
3. وملحفة تستر ثيابها.
والدليل على ذلك:
· ما روي عن أم سلمة موقوفاً ومرفوعاً أنها سألت النبي صلى
الله عليه وسلم: "أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع
سابغاً يغطي ظهور قدميها".137
· وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب:
درع، وخمار، وإزار".
· وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "تصلي المرأة في الدرع،
والخمار، والملحفة".
وتكشف عن وجهها في الصلاة، مع تغطية جميع بدنها حتى ظاهر قدميها،
ولو كانت تصلي في عقر دارها.
وقال القرطبي عن سترة المرأة في الصلاة: وقال أبوبكر بن عبد الرحمن
بن الحارث بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وروي عن أحمد بن حنبل نحوه،
وأما أم الولد138
فقال الأثرم: سمعتُه – يعني أحمد بن حنبل – يُسأل عن أم الولد كيف تصلي؟ فقال:
تغطي رأسها وقدميها، لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة.
وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها، ولها أن تبدي رأسها ومعصمها،
وقيل حكمها حكم الرجل، وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها.. وقال أصبغ: إذا انكشف
فخذها أعادت الصلاة.
ثم علق على ما قاله أبوبكر بن عبد الرحمن بن الحارث: وهذا خارج عن
أقوال الفقهاء لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها
مكشوف ذلك كله تباشر الأرض به، فالأمة أولى، وأم الولد أغلظ حالاً من الأمَة.139
وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على تبويب البخاري: "في كم تصلي المرأة
في الثياب، وقال عكرمة: لو وارت جسدها في ثوب لأجزأها": قال ابن المنذر بعد أن حكى
عن الجمهور أن الواجب على المرأة أن تصلي في درع وخمار: المراد بذلك تغطية بدنها
ورأسها، فلو كان الثوب واسعاً فغطت رأسها بفضله جاز، قال: وما رويناه عن عطاء أنه
قال: "تصلي في درع، وخمار، وإزار"، وعن ابن سيرين مثله وزاد: "وملحفة"، فإني أظنه
محمولاً على الاستحباب.140
قال ابن شاس المالكي وهو يتحدث عن ما تلبسه المرأة في الصلاة: أما
القسم الأول – يعني الحرائر – من الصنف الثاني – يعني النساء – فجميع أبدانهن عورة
إلا الوجه والكفين.
وأما القسم الثاني – أي الإماء – فعورتهن كعورة الرجل.
وقال في الكتاب141
في الأمة الكبيرة تصلي بغير قناع، قال: ذلك سنتها، وكذلك المُكاتَبَة، والمدبَّرة،
والمُعْتَق بعضُها؛ قال: ولا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب تستر به جسدها.
وقال في السراري اللاتي لم يلدن: هن إماء، يصلين كما تصلي الأمة
التي لم يتسرها سيدها.
وأما أمهات الأولاد فإنهن يصلين كالحرة بقناع ودرع142
أوقرقل143
يستر ظهور القدمين.
فإن صلت أم الولد بغير قناع، فأحبُّ إلي أن تعيد ما دامت في الوقت،
وليس ذلك بواجب عليها كوجوبه على الحرائر.144
قال صاحب نيل المآرب الحنبلي145:
ويستحب صلاة المرأة في قميص وخمار، وهو ما تضعه على رأسها وتديره تحت حلقها،
وملحفة، وتكره في نقاب وبرقع، ويجب على المرأة ستر عورتها في فرض ونفل، وإن انكشف
بعض عورة مصل – رجلاً كان أوامرأة – وفحش المنكشف عرفاً وطال الزمان أعاد، فإن قصر
الزمن أولم يفحش المنكشف لم يعد، إن لم يتعمده، أوصلى في ثوب محرم عليه كمغصوب كله
أوبعضه، وحرير، ومنسوج بذهب أوفضة إن كان رجلاً، واجداً غيره، وصلى فيه عالماً
ذاكراً لذلك وقت العبادة أعاد، وكذا إذا صلى بمكان غصب، أوصلى في ثوب نجس نجاسة لا
يُعفى عنها، ولو لعدم غيره، أعاد الصلاة وجوباً، ويصلي عرياناً146
مع وجود ثوب مغصوب، ويصلي في حرير لعدم غيره ولا يعيد، ومن وجد كفاية ستر عورته
سترها وجوباً، وترك غيرها وصلى قائماً، لأن سترها واجب في غير الصلاة، ففيها أولى،
وإن لم يجد ما يسترها كلها بل بعضها فليستر الفرجين لأنهما أفحش، فإن لم يكفهما بل
كفى أحدهما فالدبر أولى بالستر لأنه ينفرج في الركوع والسجود، إلا إذا كفت السترة
منكبه وعجزه فقط فليسترهما، ويصلي من لم يستر فرجيه جالساً – ندباً – يومئ بركوع
وسجود، ولا يتربع بل ينضم، فلو ركع وسجد جاز.
سابعاً: ما تلبسه المرأة في الإحرام
تلبس المرأة ما تشاء من أنواع الملابس إن كان ساتراً لبدنها غير
شافٍ ولا واصف، ولا يشبه لبس الرجال، كاشفة وجهها ويديها، لأن إحرامها فيهما، إلا
إذا مرت على رجال أومرَّ عليها رجال فعليها أن تسدل على وجهها شيئاً تجافي بينه
وبين وجهها كما كانت تفعل عائشة وأسماء رضي الله عنهما.
ويستحب للمرأة أن تتجنب الأبيض لأن غالب إحرام الرجال فيه، ولو
أحرمت في اللون الأسود كان أفضل لها.
ثامناً: ما تكفن فيه المرأة
يكفن الميت رجلاً كان أوامرأة في ثلاثة أثواب بيض يدرج فيها الميت،
فإن لم تتيسر الثلاثة كفن في ثوب أوثوبين، وإن لم يوجد البياض كفن في غيره، وإن زيد
في الكفن على الثلاثة للرجل والمرأة فلا بأس.
قال ابن شاس المالكي: والزيادة على الثلاثة إلى خمسة مستحبة للرجال
والنساء، وهي في حقهن آكد، والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف.
إلى أن قال: ثم إذا كفن في خمسة فعمامة، وقميص، ومئزر، ولفافتان
سابغتان، وإن كفن في ثلاثة فثلاث لفائف، قاله ابن القاسم، قال بعض المتأخرين: يجيء
على قول مالك: قميص، وعمامة، ولفافة.
وإن كفنت في خمسة فإزار، وخمار، ودرع، ولفافتان، واستحب أن يشد على
المئزر بعصائب من حقويها إلى ركبتيها، وإن كفنت في ثلاثة فكالرجل.147
وقال في نيل المآرب في تهذيب عمدة الطالب148:
وتكفن المرأة ندباً في خمسة أثواب بيض من قطن، وهي: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان.
قال ابن المنذر: أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة
في خمسة أثواب، فتؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر بالمقنعة، ثم تلف
باللفافتين.
الفصل الرابع: في أمور عامة
متعلقة باللباس
أولاً: النهي والتحذير عن الإسبال
ما من هدي ولا سمت أفضل ولا أحسن ولا أكرم ولا أصلح من هدي وسمت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، ومن تبعهم بإحسان من الأنام.
من هذا السمت الصالح والهدي الفالح تعاهد الأزر، والقمصان،
والسراويل، والعمائم، والأكمام، ألا تزيد وتتجاوز على ما كان عليه هدي سيد ولد
عدنان، وكان هديه في لبسه لما يلبسه، أنفع شيء للبدن، فإنه لم يكن يطيل أكمامه
ويوسعها، بل كان كُمُّ قميصه إلى الرُّسْغ، لا تجاوز اليد، فتشق على لابسها، وتمنعه
خفة الحركة والبطش، ولا تقصُرُ عن هذه فتبرز للحر والبرد.
وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذي
الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقه فتنكشف فيتأذى بالحر والبرد.
ولم تكن عمامته بالكبيرة التي يؤذي الرأس حملها ويضعفه، ويجعله
عُرضة للضعف والآفات كما يشاهد من حال أصحابها، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية
الرأس من الحر والبرد، بل وسط بين ذلك.149
ومن عجيب أمر غالبية الذكران من المسلمين تهاونهم في أمر تواترت فيه
الأحاديث والسنن تواتراً معنوياً، وزاد عدد رواتها عن ست وعشرين صحابياً، وورد فيه
من التحذير والتغليظ الشيء الكثير، نحو: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره
بطراً"150،
و"ما أسفل من الكعبين فهو في النار"151،
و"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم"،
وذكر منهم: "المسبل".152
وأعجب من إسبال الرجال، تشمير بعض النساء عن سوقهن بعد الإسفار عن
شعورهن ووجوهن، وقد أمرن بإسبال ذيولهن ذراعاً، مخالفات بذلك أمر رسولهن، ومخالفة
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح الصريح تورد المهالك، قال تعالى: "فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أويصيبهم عذاب أليم"153،
قال الإمام أحمد: الفتنة الشرك، لعله إن ترك بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ
فيهلك، ومخالفات لما سنته لهن هاجر أم إسماعيل عليها السـلام، كما ذكـر ذلك الحـافظ
ابن عبد البر رحمه الله في "الاستذكار"154:
أول امرأة جَرَّت ذيلها هاجر أم إسماعيل عليه السلام، فقد عكسن الآية كما يقولون.
ولله در أمنا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ما أطهرها وأعفها،
عندما خشيت أن يكون التشمير عاماً للرجال والنساء استفسرت عن ذلك في الحال، عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جرَّ ثوبه خُيلاء
لم ينظر الله إليه يوم القيامة؛ فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال:
"يرخين شبراً، فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن، فقال: يرخينه ذراعاً لا يزدن عليه".155
الإسبال يكون في كل الملابس
الإسبال يكون في جميع ما يلبسه الرجال، سيما في الآتي:
1. الإزار.
2. القميص، الثوب، الجلباب.
3. الكم.
4. السراويل.
5. العمامة.
6. العباءة، المشلح.
قال صلى الله عليه وسلم: "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة"156
.
القدر المستحب والجائز الذي يصل إليه حد الثوب في الإزار، والقميص،
والسراويل يختلف من نوع إلى آخر فيما فوق الكعبين، وإليك التفصيل:
1. الإزار
له ثلاثة حدود، وهي:
أ. عضلة الساق، وهي أعلاها.
ب. نصف الساقين، وهو أوسطها.
ج. فوق الكعبين، وهو أدناها، وما غطى الكعبين أوزاد فهو حرام.
2. القميص، الثوب، والجلباب، والعباء
هذه لها حدان:
أ. أعلاهما وأحبهما إلى نصف الساقين.
ب. وأدناهما إلى ما فوق الكعبين، وهو الجائز.
هذا في الطول، أما في العرض فينبغي أن لا يكون واسعاً فضفاضاً وأن
لا يكون ضيقاً واصفاً للعورة.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج ـ أولا جناح ـ فيما بينه وبين الكعبين،
فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار".157
3. الكُمّ
الإسبال يكون في طوله وعرضه، أما الطول فينبغي أن لا يتجاوز الرّسغ،
وأما العرض فلا يكون واسعاً.
قال ابن مفلح: سعة كم قميص المرأة شبر، وقصره قال ابن حمدان: دون
رؤوس أصابعها، وطول كم قميص الرجل عن أصابعه قليلاً دون سعته كثيراً؛ وقال في
"التلخيص": توسيع الكم في غير إفراط حسن في حق الرجال بخلاف النساء.158
4. العمامة
الإسبال يكون في طولها وعرضها على أن لا يزيد الطول على المعتاد 3-4
أمتار، وفي ذؤابتها أن لا تتدلى أكثر من شبر.
والتحنيك والذؤابة سنة، وإسبالها خلفه، قال ابن مفلح: والمراد
بالعمامة أن تكون متوسطة كما قاله بعض أصحابنا، فتقي الراس مما يؤذيه من حر وبرد،
ولا يتأذى بها، والتحنيك يدفع عن العنق الحر والبرد، وهو أثبت للعمامة ولا سيما
للركوب.. استحباب الذؤابة لكل أحد كالتحنيك، ومقتضى ذكر الإمام أحمد ما جاء عن ابن
عمر يقتضي اختصاص ذلك بالعالم، فإن فعلهاغيره فيتوجه دخولها في لبس الشهرة.. ولهذا
لا خلاف في استحباب العمامة المحنكة وكراهية الصماء، قال صاحب "النظم": يحسن أن
يرخي الذؤابة خلفه ولو شبراً أوأدنى على نص أحمد؛ وروى أن النبي عمَّم عبد الرحمن
بن عوف وأرخاها من خلفه قدر أربعة أصابع، وقال: "هكذا فاعتم فإنه أعرف وأجمل"، وعن
علي أرخاها شبراً"، وأرخاها ابن الزبير من خلفه قدر ذراع.159
5. السراويل
من نصف الساقين إلى ما فوق الرجلين.
6. العباءة والمشلح
من لبس عباءة عليه أن يدخل يديه في كميها فيضمها إلى جانبيه.
قال الشيخ بكر أبو زيد: وبه يُعلم أن من يلبس العباءة أي "المشلح"
فيرسله على جانبيه دون أن يدخل يديه في كميه، فيضمه، أويضم جانبيه، أن هذا من السدل
المنهي عنه، وهو مُشاهَد من عمل الروافض، ولدى بعض المترفين من المسلمين.160
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ
الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس
القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي، قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو
لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك، وفي تصوير جر العمامة نظر، إلا أن يكون
المراد ما جَرَتْ به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة في ذلك كان
من الإسبال، وقد أخرج النسائي من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: "كأني
أنظر الساعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة قد أرخى
طرفيها بين كتفيه"، وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل
نظر161،
والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل في ذلك.
قال شيخنا162
في شرح الترمذي: ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه؛ قال: ولو قيل بتحريم ما
زاد على المعتاد لم يكن بعيداً، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من
الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما
كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع163؛
ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة164
وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة.165
حكم الإسبال
أ حكم الإسبال للرجال
كل ما زاد على الكعبين أوالرسغين فهو حرام وكبيرة، وإن كان مصحوباً
ببطر وخيلاء فهذا مع كونه كبيرة فإنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة.
ب حكم الإسبال للنساء
ما زاد على الذراع فهو حرام.
الأدلة على ذلك
الأدلة على تحريم الإسبال على الرجال كثيرة جداً بلغت حد التواتر
المعنوي، وقد رواها ما يقارب الثلاثين من الصحابة، منها ما هو في الصحاح، ومنها ما
هو في السنن والمسانيد، ومنها ما هو في دواوين السنة الأخرى، وإليك طرفاً منها:
1. عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة؛ قال أبو بكر: يا رسول الله،
إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
لستَ ممن يصنعه خيلاء".166
2. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "ما أسفل عن الكعبين ففي النار".167
3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً".168
4. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: "بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يجلجل
إلى يوم القيامة".169
5. وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها قالت: "كان كُمُّ
قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرُّسغ".170
6. وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛
قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبوذر: خابوا وخسروا! من
هم يا رسول الله؟ قال: المسبل171،
والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".172
7. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه
يوم القيامة"173
.
8. وعن أبي جُرَي جابر بن سُليم رضي الله عنه يرفعه إلى
الرسول صلى الله عليه وسلم: "وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا
يحب المخيلة".174
9. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "مررتُ على رسول الله صلى
الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء، فقال: يا عبد الله ارفع إزارك؛ فرفعته، ثم قال:
زد؛ فزدتُ، فما زلت أتحراها بعد؛ فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف
الساقين".175
الإسبال حرام، سواء
كان فعله بطراً أم عادة وجهلاً
الإسبال حرام، فإن كان مصحوباً بخيلاء وبطر فهو كبيرة من الكبائر،
ولا ينظر إلى صاحبه يوم القيامة، والوصف بالخيلاء خرج مخرج الغالب، والقيد إذا خرج
مخرج الغالب فلا مفهوم له عند عامة الأصوليين كما قال الشيخ بكر أبو زيد، كما في
قوله: "وربائبكم اللاتي في حجوركم"176،
فبنت المرأة محرمة على زوجها، ربيبة كانت عنده أم لا، ونحو قوله: "ولا تأكلوا الربا
أضعافاً مضاعفة"، فالربا قليلُه وكثيرُه حرام.
والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
1. عن ابن عمر يرفعه: "وإياك وجر الإزار فإن جرَّ الإزار من
المخيلة".177
2. وعن أبي جري رضي الله عنه مرفوعاً: "وإياك وإسبال الإزار
فإنه من المخيلة".178
3. وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على جابر بن سليم رضي
الله عنه، وأنكر على عمرو الأنصاري رضي الله عنه ورفع إزاره.
4. وأنكر على رجل من ثقيف، ورفع كذلك.
قال الشيخ بكر أبو زيد: ورد النهي عن الإسبال مطلقاً في حق الرجال،
وهذا بإجماع المسلمين، وهو كبيرة إن كان للخيلاء، فإن كان لغير الخيلاء فهو محرم
مذموم في أصح قولي العلماء، والخلاف للإمام الشافعي والشافعية إنه إذا لم يكن
للخيلاء فهو مكروه كراهة تنزيه، على أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما
يقضي بأن مجرد الإسبال خيلاء.179
قلت: ليس كل خلاف يستراح له، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى
الله عليه وسلم، ومن أقوى الأدلة على تحريم الإسبال من غير خيلاء استفسار أم سلمة
رضي الله عنها، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها بأن تسدل المرأة ذيلها مقدار
شبرين معتدلين، أي حوالي ذراع.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقاً على استفسار أم سلمة: ويستفاد
من هذا الفهم التعقب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة
بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، قال النووي: ظواهر الأحاديث في تقييدها
بالجر خيلاء يقتضي أن التحريم مختص بالخيلاء، ووجه التعقيب أنه لو كان كذلك لما كان
في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة،
لأن جميع قدمها عورة180،
فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط، وقد نقل عياض
الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره صلى
الله عليه وسلم على فهمها.
إلى أن قال: والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقصر
الإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك النساء حال استحباب وهو ما
يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، ويؤيد هذا التفصيل في
حق النساء ما أخرجه الطبراني في "الأوسط"181
من طريق معتمد عن حميد عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة شبراً"،
ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم
ولو لمن شمر ثوبه.182
الحالات التي يجوز فيها الإسبال
الإسبال إما كبيرة من الكبائر إذا قرن بالبطر والخيلاء، بجانب عدم
نظر المولى إليه، وإما حرام إذا خلا من ذلك، ولا يحل إلا في بعض الحالات التي
استثناها الشرع، وهي:
1. للنساء لستر أقدامهن.
2. عند الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات، ولهذا فإن للضرورات
أحكام خاصة.
3. عند الاستعجال، حيث يغفل الإنسان ويسها عن بعض الأمور من غير
قصد، فإذا ذكر وجب عليه في الحال أن يرفع.
4. لمن يتعاهد ذلك دائماً، ولكن يسبل إزاره لنحافته، كحال أبي بكر
الصديق رضي الله عنه.
وإليك الأدلة على ذلك
1. الحديث السابق عن ابن عمر: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه
يوم القيامة؛ قال أبوبكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك
منه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لستَ ممن يصنعه خيلاء".
وأبوبكر في الحقيقة لا يفعله خيلاء ولا من غير خيلاء، ولكن لنحافته
فإن إزاره مهما شمره ينزل ما لم يتعاهده دائماً.
2. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خسفت الشمس ونحن عند النبي صلى
الله عليه وسلم، فقام يجر ثوبه مستعجلاً حتى أتى المسجد، وثاب الناس، فصلى ركعتين،
فجلي عنها، ثم أقبل علينا وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم
منها شيئاً فصلوا وادعوا الله183
حتى يكشفها"184،
والشاهد فيه: "فقام يجر ثوبه مستعجلاً"، وذلك لفزعه صلى الله عليه وسلم من هذه
التغييرات الكونية.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح185
معلقاً على هذا الحديث: فإن فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي.
وقال كذلك: ويستثنى من إسبال الإزار186
مطلقاً ما أسبله لضرورة، كمن يكون بكعبيه جرح مثلاً يؤذيه الذباب إن لم يستره
بإزاره، حيث لا يجد غيره187،
نبه على ذلك شيخنا في "شرح الترمذي"، واستدل على ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم رخص
لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحرير من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي
ما نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي.188
3. والدليل على إباحة ذلك للنساء استفسار أم سلمة السابق
وإقراره صلى الله عليه وسلم على ذلك.
أما لدقة الساقين أولعيب فيهما فلا يحل الإسبال، ويدل على ذلك ما
أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه: "بينما نحن مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حُلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول
الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله، ويقول: عبدك وابن عبدك
وأمتك؛ حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني حمش الساقين؛ فقال: يا عمرو إن الله
قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل" الحديث.
قال ابن حجر في الفتح189:
وأخرجه أحمد من حديث عمـرو نفسه، لكن قـال في روايته عن "عمرو بن فلان"، وأخرجه
الطبراني أيضاً عن "عمرو بن زرارة"، وفيه: "وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار؛ ثم ضرب بأربع أصابع تحت
الأربع، فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار" الحديث، ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرو
المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة.
وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال: "أبصر النبي صلى الله
عليه وسلم رجلاً قد أسبل إزاره فقال: ارفع إزارك؛ فقال: إني أحنف تصطك ركبتاي؛ قال:
ارفع إزارك، فكل خلق الله حسن"، وأخرجه مسدّد وأبوبكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من
ثقيف لم يسم، وفي آخره: "ذاك أقبح مما بساقك" أي الإسبال، وأما ما أخرجه ابن أبي
شيبة عن ابن مسعود بسند جيد: "أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني أحمش
الساقين"، فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف
الساقين، ولا يظن أنه جاوز به الكعبين، والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه
قصة عمرو بن زرارة، والله أعلم، وأخرج النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان من حديث
المغيرة بن شعبة: "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برداء سفيان بن سهل وهو
يقول: "يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين".
حكم وضوء وصلاة المسبل
ذهب أهل العلم في وضوء وصلاة المسبل مذهبين:
الأول: صحح وضوء وصلاة المسبل مع الكراهة، وهم العامة من أهل العلم.
الثاني: أبطل وضوء وصلاة المسبل، وهذا مذهب ابن حزم وأحمد بن حنبل.
استدل المبطلون لوضوء وصلاة المسبل بما يأتي:
1. بما أخرجه أبوداود بإسناد صحيح على شرط مسلم كما قال النووي في
رياض الصالحين190
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما رجل يصلي مسبل إزاره، قال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ؛ فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ؛ فقال له رجل: يا
رسول الله، مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكتَّ عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره،
وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل".191
2. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام".192
قال الشيخ بكر أبو زيد: لشدة تأثير الإسبال على نفس المسبل، وما
لكسب القلب من حالة وهيئة منافية للعبودية، منافاة ظاهرة، أمر النبي صلى الله عليه
وسلم المسبل بإعادة الوضوء، وأن الله لا يقبل صلاة مسبل، وحمل الفقهاء ذلك الحديث
على الإثم مع صحة الصلاة، كحال فيمن صلى في كل ثوب يحرم لبسه، وفي الدار المغصوبة،
وكما في تحريم آنية الذهب والفضة اتخاذاً واستعمالاً، وتحريم الوضوء منهما، خلافاً
لابن حزم، ومذهب أحمد القائل ببطلان وضوء المسبل وصلاته، وأن عليه الإعادة لهما غير
مسبل، نعم، لا يصلي المسلم خلف مسبل اختياراً.193
الخلاصة
1. أن ما زاد على الكعبين للرجال، ويقاس عليه ما زاد على الرُّسغين
من اليدين، من الأزر، والقمصان، والسراويل، والأكمام، ونحوها فهو في النار، أما
بالنسبة للمرأة فتجر مقدار شبر أوذراع.
2. لا فرق في الإسبال بين القميص، والإزار، والرداء، والعمامة،
والكم، والعباءة.
3. لا فرق في حرمة الإسبال بين من فعله خُيلاء وبطراً أم لا، إلا أن
من فعله بطراً إثمه أشد ووزره أكبر لأنه كبيرة، ويحتاج إلى توبة منه قبل اجتماع
سكرات الموت وحسرات الفوت عليه.
أدل دليل على عدم التفريق ما قاله الخليفة الراشد، والإمام العادل،
والعبقري الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو محتضر لذلك الشاب الأنصاري العاقل،
الذي أثنى على عمر خيراً، وعندما خرج قال عمر: ردوه عليّ؛ فعندما رُدَّ إلى عمر قال
له: "ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك".
قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله: لا يجوز للرجل أن
يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجرُّه خيلاء! لأن النهي قد تناوله لفظاً، ولا يجوز
لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول: لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيّ، فإنها دعوى غير
مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره.194
وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على ما قاله الإمام ابن العربي المالكي:
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس
الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه:
"وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة".195
4. الإسبال حرام، ولا يليق بأي مسلم ذكر، صغيراً كان
أم كبيراً، وتشتد حرمته ويقبح فعله من المنتسبين إلى العلم والدين، سيما الأئمة
منهم في الصلاة، لما يعرض وضوءهم وصلاتهم إلى النقصان إن لم نقل إلى البطلان،
فالحذر الحذر أخي الحبيب من الإسبال المؤدي إلى البطر والخيلاء والخسران، وعليك أن
تبادر باتباع أمر رسولك وحبيبك محمد، وعليك أن تقتدي بأصحاب رسولك في سرعة
الاستجابة لأوامره ونواهيه، وعليك أن يكون لك في خُريم الأسدي الأسوة الحسنة، عندما
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم الرجل خُريم، لولا طول جمته وإسبال
إزاره"، فأخذ خريم شفرة وقطع بها جمته، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.196
فعليك أخي المسلم أن تأخذ جلاليبك وسراويلك وقمصانك، وإن كنت
مبتلياً بلبس "البناطلين" فخذها كذلك واذهب بها إلى أقرب ترزي، وقص ما زاد على
الكعبين والرسغين، والله يسامحك على سعتها، واحذر أن تخيط ثياباً جديدة تزيد على
كعبيك ورسغيك، وإلا فاعلم أن النار ستسع ذلك كله، أعاذنا الله وإياكم من النار ومن
غضب الجبار.
5. لا ترغب أخي المسلم عن نظر الله إليك يوم القيامة، فهو من أعظم
النعم، وقد توعد الله أنه لا ينظر إلى من جر إزاره خيلاء وبطراً، واعلم أن مجرد
الجر هو خيلاء.
6. احذر اخي الكريم لباس الشهرة، ولا تشمر سراويلك، وقمصانك،
وجلاليبك أعلى من نصف ساقيك، فإسبال الثياب وسعتها شهرة وكذلك تشميرها الزائد عن
الحد الشرعي شهرة، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وخير الأمور الوسط، فلتكن ثيابك ما
بين نصف ساقيك إلى ما فوق كعبيك.
والشهرة في اللباس تكون في الإسبال، وفي التشمير المخل، وفي السعة،
واللون، والهيئة، والصفة، والتشبه بالكفار، وهو كل ما خرج عن العادة والعرف الشرعي،
خرَّج أبو داود بسنده عن ابن عمر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من لبس
ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوباً مثله"، زاد عن أبي عوانة: "ثم تلهب فيه
النار"197،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه كذلك: "من تشبه بقوم فهو منهم".198
قال الشيخ بكر أبوزيد: وتحصل الشهرة بتميز عن المعتاد: بلون، أوصفة
تفصيل للثوب، وشكل له، أوهيئة في اللبس، أومرتفع أومنخفض عن العادة، قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يحرم لبس الشهرة، وهو ما قصد به الارتفاع،
وإظهار الترفع، أوإظهار التواضع والزهد، لكراهة السلف لذلك.
وقال غير واحد من السلف: لباس الشهرة مما يزري بصاحبه ويسقط مروءته.
وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميص، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت
في طوله، وهي اليوم في تشميره.
وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هاني قال: دخلت يوماً على أبي عبد الله
أحمد بن حنبل، وعليَّ قميص أسفل من الركبة وفوق الساقين، فقال: أي شيء هذا؛ وأنكره،
وقال: هذا بالمرة لا ينبغي.
وإذا حملتك الغيرة في الإنكار على المسلمين، فتخلص قبلُ من لباس
الشهرة، كما يتعين على المسبل أن لا ينكر على المرتدي لباس الشهرة وهو متلبس
بالإسبال، ابدأ بنفسك فانهها عن غيها...199
7. أما حجاب المرأة فلا يدخل في هذا، فلها أن تلبس
العباءة أوأي لباس يغطي جميع جسدها، سواء كان معتاداً في بلدها أم غير معتاد،
فالمعروف ما عرفه الشرع، والمنبوذ ما نبذه الشرع.
8. كانت العرب في جاهليتها وبعد إسلامها تمدح تشمير
الإزار كما قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في "الاستذكار"200،
قال متمم بن نويرة في مدح ورثاء مالك أخيه:
تراه كنصل السيف يهتز للندى وليس على الكعبين من
ثوبه فضل
وقال العجير السلولي:
و كنتُ إذا داعٍ دعا لمضـوفة أشمر حتى
يَنْصُفَ السَّاقَ مئزري
وفي رواية:
وكنتُ إذا جاري دعا لمضوفة أشمـر حتى يبلغ
السَّـاقَ مئزري
بله قال عمر بن أبي ربيعة معرضاً برجل يجر ثوبه:
كتب القتـلُ والقتـالُ علينـا وعلى الغـانيـات
جـرُّ الذيـول
وأحب أن أختم هذا بما قال الحافظ الذهبي معلقاً على قول ابن عمر رضي
الله عنهما: "أخاف أن أكون مختالاً فخوراً، والله لا يحب كل مختال فخور"، لما فيه
من الرد على القائلين أن الإسبال ليس حراماً إلا إذا صُحِبَ بكِبْر وبطر:
قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخراً فتركه متعين ولو كان من
غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية201
الصوف بفرو من أثمان أربع مئة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن
نصحته ولمته برفق كابر، وقال: ما فيّ خيلاء ولا فخر؛ وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك
على نفسه، وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار"، يقول:
إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء؛ فتراه يكابر، ويبرئ نفسه
الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص
بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري؛ فقال: "لستَ يا أبا بكر ممن يفعله
خيلاء"، فقلنا: أبوبكر رضي الله عنه لم يكن يشد إزاره مسدولاً على كعبيه أولاً، بل
كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي، وقد قال عليه السلام: "أزرة المؤمن إلى
أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بين ذلك والكعبين"، ومثل هذا في النهي لمن فصل
سراويل مغطياً لكعابه، ومنه طول الأكمام زائداً، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء
كامن في النفوس، وقد يُعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار
على الجهلة، فإن خُلع على رئيس خلعة سِيَراء202
من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها، الشخص يسحبها
ويختال فيها، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يهنيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة
وزارة وظلم ونظر مَكَس203،
أوولاية شرطة، فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب، وفي الآخرة أشد عذاباً
وتنكيلاً، فرضي الله عن ابن عمر وأبيه، وأين مثلُ ابن عمر في دينه، وورعه، وعلمه،
وتألهه، وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاءُ من مثل عثمان فيرده،
ونيابة الشام لعليّ فيهرب منه؟ فالله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب.204
ثانياً: التواضع في اللباس
التواضع في كل شيء مطلوب ومرغوب، في الملبوس، والمأكول، والمركوب،
والمسكون، فمن تواضع لله رفعه، ومن ترفع على الله أذله، والتواضع سمة المتقين،
والإسراف سمة الجهلة والمتكبرين، ولهذا نهى الشارع الحكيم عن لباس الشهرة، وهو
الرفيع جداً أوالوضيع جداً.
لقد ضرب رسولنا الكريم وصحبه الميامين المثل الأعلى والقدوة المثلى
في التواضع، وركلوا الدنيا بحذافيرها، وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أويصلي الرجل في الثوب الواحد؟ قال مستنكراً ومتعجباً: أولكل واحد منكم ثوبان؟!
أصحاب الهمم العالية والنفوس الأبية لا يهتمون بالمظاهر، ولا يزينون
أنفسهم بالفاخر من الثياب، ولا العالي من اللباس، وإنما يزينونها بالتقوى والعفاف.
أنشد للشافعي رحمه الله:
عليَّ ثياب لو تبـاع جميعُهـا بفَلس لكان
الفلس منهن أكثـراً
وفيهن نفس لو يقـاس ببعضها نفوس الورى كانت
أجلَّ وأكبرا
وقال أبو الطيب:
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفَلسُ فلي فيه نفس دون
قيمتها الإنس
فثوبك بـدر تحت أنواره دُجَىً وثوبي ليل
تحت أطماره شمس
وقال آخر:
لا تنظـرن إلى الثيـاب فإنني خَلِقُ الثيـاب
من المروءة كاسِ
وقال محمود الوراق:
تَصَوَّف فازدهي بالصوف جهلاً وبعض النـاس بلبسه
مجـانة
يريك مجـانةَ ويُجَـنُّ كبـراً وليس
الكِبْر من شكـل المهانة
تَصَنَّعَ كي يقــــال له أمين ومـا معنى التصنع
للأمـأنـة
ولم يــرد الإله به ولــكن أراد به الطريق إلى
الخيــانة
وقال آخر:
لا يعجبنك من يصـون ثيابه
حذر الغبـار وعِرْضُه مبذول
ولربما افتقـر الفتى فيـرأيته
دَنِسَ الثيابِ وعِرْضُه مغسول
عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي عليه
جبة طيالسة مكفوفة بديباج، أومزرورة بديباج، فقال: "إن صاحبكم يريد أن يرفع كل راع
وابن راع، ويضع كل ذي فارس ابن فارس"، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً، فأخذ
بمجامع جبته فاجتذبه وقال: "ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل؟".
ولا يعني التواضع التبذل وعدم الاعتناء بالنظافة.
روى وكيع عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يعجبه إذا قام إلى
الصلاة الريح الطيبة، والثياب النقية.
وروي عن عمر رضي الله عنه قال: مروءة الرجل نقاء ثوبه.
وقال رجل لإبراهيم النخعي: ما ألبسُ من الثياب؟ قال: ما لا يشهرك
عند العلماء، ولا يحقرك عند السفهاء.
قال ابن مفلح: قال القاضي - أبويَعْلى – وغيره: يُستحب غسل الثوب من
العرق والوسخ، نص عليه في رواية المروذي وغيره، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "أما يجد هذا ما يغسل به ثوبه"205،
ورأى رجلاً شعثاً فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه؟".206
وقال بكر بن عبد الله المزني: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم
بالخشية؛ وكان الحسن يقول: إن قوماً جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكبرهم في صدورهم،
وشهروا أنفسهم بلباس الصوف، حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب
المِطرَف بمطرفه.
ثالثاً:
التزين
يجوز للمسلم ذكراً كان أم أنثى أن يتزين بما شاء إذا تجنب الآتي:
1. الحرام.
2. النجس.
3. لباس الشهرة.
4. ما فيه تشبه بالكفار.
5. ما فيه تشبه الرجل بالمرأة أوالمرأة بالرجل.
من أمثلة ما يحرم التزين به
للرجال والنساء
أ. الرجل والصبي
يحرم على الرجل المميز التزين بالآتي:
1. حلق اللحية.
2. حلق شعـر الرأس على طريقـة الكفـار، فالسنـة أن يُحلـق شعـر
الرأس كله أويُتـرك كله، أويُقصَّر كله.
3. لبس شيء من الذهب أوالحرير.
4. التزيي بلبس الكفار والعجم البنطلون والقميص والكرفتة.
5. الخضاب بالحناء للأرجل والأيدي، فلا يحل إلا لعلاج، أما تغيير
الشيب بالحناء فمن السنة.
6. الخضاب بالسواد.
ب. النساء
يحرم على المرأة أن تتزين بالآتي:
1. تصفيف الشعر على طرائق الكفار.
2. الذهاب إلى محلات الكوافير.
3. قص الشعر، أوحلقه، أوكيه.
4. استعمال المساحيق ونحوها لتبييض الوجه.
5. وصل الشعر بغيره، إلا القراميط، وهي الأشرطة من القماش والقطن.
6. النمص – تزجيج الحواجب أوحلقها.
7. الوشم.
8. تفليج الأسنان.
9. الصبغ بالسواد.
10. نقش الحنة أوالتطريف، يستحب للمرأة المتزوجة الاختضاب بالحناء
إذا كان زوجها حاضراً، ولكن ليس نقش الحناء وتطريفها.
قال ابن مفلح رحمه الله: ويُستحب للمرأة المزوجة الخضاب مع حضور
زوجها، ويكره النقش، قال ابن حمدان: والتكتيب ونحوه، والتطاريف، انتهى كلامه؛ فأما
الخضاب للرجل فيتوجه إباحته مع الحاجة، ومع عدمها يخرَّج على مسألة تشبه رجل بامرأة
في لباس وغيره، ويباح ما صبغ من الثياب بعد نسجه، وقال القاضي: يكره؛ قال ابن
حمدان: وهو بعيد.
وروى المروزي في "الورع" من طرق عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن
النقش والتطاريف زاد في رواية: ويختضبن غمساً، وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها
أنها سئلت عن الخضاب، فقالت: لا بأس، ما لم يكن نقشاً، وعن إبراهيم قال: يكره
النقش؛ ورخص في الغمسة، وروى أحمد بإسناده عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه أمر في الخضاب أن تغمس اليد كلها، وقال المروذي: وأخبرتني امرأة
قالت: نهاني أبو عبد الله عن النقش في الخضاب، وقال: اغمسي اليد كلها.207
الأدلة على تحريم
الوشم، والنمص، والتفليج، ووصل الشعر
1. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عُرَيْساً، ثم أصابتها
حصبة فتمرق شعرها، أفأصله؟ قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".208
2. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
"زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً".209
3. وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي
سفيان رضي الله عنهما عام حج وهو على المنبر، وتناول قصة من شَعْر كانت في يد حرسي210،
يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل
هذه، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".211
4. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله
الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؛
قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته،
فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات
للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما
وجدته؛ فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: "وما آتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا"؛ فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من ذلك على امرأتك الآن!
قال: اذهبي فانظري؛ قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً؛ فجاءت إليه فقالت:
ما رأيتُ شيئاً؛ فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها212".213
رابعاً: البدايات عنوان النهايات
الاهتمام بالنشء منذ الصغر والمحافظة عليه وتوجيهه ورعايته له دور
كبير في الاستقامة في الكبر، فمن شبَّ على شيء شاب عليه، والتهاون والتفلت من
الأحكام والآداب الشرعية من الصغر يؤدي إلى فساد الناشئة وانحرافهم، ومن ثم يصعب
عليهم التخلص مما شبوا وترعرعوا عليه.
فالأبناء أمانة في أعناق الآباء، فعليهم أن يراعوا لباس الصغار
والأوامر الشرعية، وأن لا يتهاونوا في ذلك، وأن يعودوا الأولاد ذكوراً وإناثاً على
التستر والحشمة، ويحذروهم من العري والتبرج، سيما البنات دون البلوغ وبعده، وأن
يجنبوهم الاختلاط بالأجانب والخروج والولوج على النساء.
ومما يؤسف له أن كثيراً من الآباء يتركون اختيار ملابس البنين
والبنات للأمهات ولا يراقبون تلك الملابس ويمنعون من لبس ما لا يجوز لبسه شرعاً،
نحو الملابس الضيقة والواصفة للأبدان، أوالتي فيها تشبه بملابس الجنس الآخر، أوتشبه
بالكفار.
والحذر كل الحذر من التهاون باختلاط البنين بالبنات ولو في رياض
الأطفال.
يقول الشيخ الدكتور بكر أبوزيد: إلباس الصغيرة المميزة الأزياء
المحرمة على البالغة، كالألبسة الضيقة، أوالشفافة، أوالتي لا تستر جميع بدنها،
كالقصير منها، أومافيه تصاوير، أوصلبان، أوتشبه بلباس الرجال، أوالكافرات، إلى غير
ذلك من ألبسة العري والتهتك، التي ثبت بالاستقراء أنها من لدن البغايا المتاجرات
بأعراضهن.214
من أخطر الأمور التي عمت بها البلوى في هذه الأيام مجاراة الناس
"للموضة" في اللباس، وتلقيهم لملابس الكفار، واحتجاج البعض بأن السوق ليس فيه إلا
هذا!! وهذا عذر أقبح من الذنب، فينبغي علينا أن لا نكون إمعات للكفار ولمصممي
الأزياء من الفجار، وعلينا أن نقوم بشراء القماش ثم تفصيله بما يناسب الطهر والعفاف
الذي أمر به ديننا.
خامساً:
التنعل
الترغيب والحض على لبس النعال
لقد رغب الشارع الحكيم في لبس النعال، وعد ذلك من النعم العظيمة،
لأن النعال تقي الرِّجْل الحر، والبرد، والنجاسات، الطين، والأوساخ؛ ويشترط في
النعال ما يشترط في غيرها من اللباس، نحو:
1. الطهارة: أن تكون المادة التي صنع منها النعل طاهرة، سواء كانت
من جلد أوغيره، فالجلد يشترط فيه التذكية والدبغ، حيث لا يطهر جلد الميتة إلا بعد
دبغه، واختلف أهل العلم في جلود السباع إذا دبغت، فمنهم من أجاز لبسها، ومنه من منع
من ذلك.
2. الحل: أن يكون الملبوس حلالاً ليس حراماً، نحو المسروق
والمغصوب.
3. أن لا تشبه نعال العجم والكفار، نحو الكعب العالي.
4. لا تشبه نعال الرجال نعال النساء.
5. نعال الشهرة: الرفيعة جداً أوالوضيعة.
6. لا يشترط في النعال لون معين، ولكن عليه تجنب الألوان الصارخة.
ما ورد في فضل النعل
عن جابر رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"استكثروا من النعال، فإن أحدكم لا يزال راكباً ما انتعل".215
قال ابن مفلح: قال القاضي216:
وهذا يدل على ترغيب اللبس للنعال، ولأنها قد تقيه الحر والبرد والنجاسات.
إلى أن قال: يكره للرجل والمرأة لباس النعال الصَّرارة، نص عليه،
وقال: لا بأس أن تلبس للوضوء؛ وقال له – لأحمد – المروذي: أمروني في المنزل أن
أشتري نعلاً سندياً للصبية؛ فقال: لا تشتر؛ فقلت: تكرهه للنساء والصبيان؟ قال: نعم
أكرهه؛ وقال: إن كان للمخرج والطين فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا؛ وقال عن شخص
لبسها: يتشبه بأولاد الملوك، وقال في رواية صالح – ابنه -: إذا كان للوضوء فأرجو،
وأما للزينة فأكرهه للرجال والنساء؛ وكرهه أيضاً في رواية محمد بن أبي حرب، وقال:
إن كان للكنيف والوضوء، وأكره الصرار؛ وقال: من زي العجم.
وروى أبوبكر الآجري من أصحابنا في "كتاب اللباس" بإسناده عن ابن عمر
رضي الله عنهما: أنه كان يلبس النعال السِّبْتية، ويتوضأ فيها، ويذكر أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ورواه أبوداود والنسائي، وأظنه في الصحيحين أوأحدهما.218
قال وكيع: السِّبْتية التي لا شعر فيها؛ وحكى ابن الجوزي عن ابن
عقيل: يحرم الصرير في المداس؛ ويحتمله كلام أحمد.
ويسن أن يكون الخف أحمر، ويجوز أسود، وروي عن يحيى بن أبي كثير أنه
قال: النعل السوداء تورث الهم؛ وأظن القاضي ذكره في "كتاب اللباس" فيؤخذ منه
الكراهة، ويسن أن يكون النعل سبتياً أصفر، وهو ما ليس عليه شعر؛ وروى أبومحمد
الخلال عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من لبس نعلاً صفراء لم يزل ينظر في سرور،
ثم قرأ: "صفراء فاقع لونها تسر الناظرين"219.
قال في "الرعاية"220:
ويباح المشي في قبقاب الخشب، وقيل: مع الحاجة؛ وذكر ابن تميم أن أحمد رحمه الله
قال: لا بأس بالخشب أن يمشي فيه إن كان حاجة؛ ونقلت من مسائل حرب عن أحمد أنه قيل
له: فالنعل من الخشب؟ قال: لا بأس بها إذا كان موضع ضرورة.221
السنة الاحتفاء أحياناً
من السنة أن يمشي الإنسان حافياً في بعض الأحيان إذا لم يخش ضرراً،
فعن فضالة بن عبيد أن بعض الصحابة قال له بمصر: "ما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض؟
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن كثير من الإرفاه؛ قال: فمالي لا
أرى عليكَ حذاء؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً".222
وعن عبد الله بن شقيق قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه فإذا هو شعث الرأس مشعار223؛
فقلت: مالي أراكَ شعثاً وأنت أمير؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن
الإرفاه؛ قلت: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم".224
يكره المشي في فردة نعل واحدة
يكره المشيء في فردة نعل واحدة، سواء كان بسبب إصلاح الأخرى أوغير
ذلك.
وإليك الأدلة:
1. عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "لا يمش أحدكم في نعل
واحدة".225
2. وفي رواية: "إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى
يصلحها".226
3. وفي رواية: "ولا تمش في خف واحد".227
قال ابن مفلح: ويكره المشي في فردة نعل واحدة سواء كان في إصلاح
الأخرى أولم يكن، نص عليه في رواية محمد بن الحسن والأثرم وجماعة، زاد في "الرعاية
الصغرى": وقيل كثيراً؛ ويكره المشي في نعلين مختلفين، ذكره صاحب التلخيص وابن تميم
وابن حمدان.228
لقد أجاز بعض أهل العلم المشي في نعل واحدة، منهم علي وعائشة.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها مشت في خف واحد وقالت: "لأحْنِثَنَّ
أبا هريرة، إنه قال: لا تمش في نعل واحدة ولا خف واحد"229،
والحديث يردُّ ذلك.
الانتعال
قائماً
اختلف أهل العلم في الانتعال قائماً، فمنهم من كرهه ومنهم من أباحه،
والراجح كراهية ذلك.
فعن جابر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن
ينتعل الرجل قائماً".230
وروي موقوفاً ومرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كره أن ينتعل
الرجل قائماً.
وروى أبومحمد الخلال عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم
ينتعل قائماً وقاعداً.
الصلاة
في النعال
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة في النعال مخالفة
لليهود، إذا كانت طاهرة وليس ثمة بسط، أما إن كانت غير طاهرة وكانت هناك بسط فلا
يصلي فيها.
سُئل أنس رضي الله عنه: "أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في
نعليه؟ قال: نعم"231.
وصح عنه أنه قال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم".
وتزال نجاسة النعل بدلكه بالأرض في أرجح قولي العلماء.
قال أبو العباس القرطبي في شرح حديث أنس هذا: هذا يدل على جواز
الصلاة فيهما، وهو أمر لم يختلف فيه إذا كانت النعل طاهرة من ذكي، فإن تحقق فيها
نجاسة مجمع على نجاستها، كالدم والعذرة من بول بني آدم، لم يطهرها إلا الغسل بالماء
عندنا232،
وعند كافة العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفاً فيها كبول الدواب وأرواثها الرطبة،
فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف أولا؟ قولان عندنا، وأطلق الإجزاء بمسح
ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبوثور، وقال أبوحنيفة: يزيله إذا يبس الحك
والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل، ما عدا البول فلا يجزئ عنده فيه إلا الغسل؛ وقال
الشافعي: لا يطهر شيئاً من ذلك كله إلا الماء؛ والصحيح قول من قال: بأن المسح يطهره
من الخف والنعل، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري: "إذا
جاء أحدكم المسجد فإن رأى في نعليه قذراً أوأذى فليمسحه، وليصلِّ فيهما"، أخرجه
أبوداود233
وهو صحيح، فأما لو كانت النعل أوالخف جلد ميتة، فإن كان غير مدبوغ فهو نجس باتفاق،
ومختلف فيه إذا دبغ، هل يطهر طهارة مطلقة، أوإنما ينتفع به في اليابسات؟ روايتان عن
مالك.234
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سئل عن الصلاة في النعال ونحوه: أما
الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم، والمداس، والزربول، وغير ذلك فلا يكره، بل هو
مستحب لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في نعليه، وفي
السنن عنه أنه قال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفهوهم"، فأمر بالصلاة في
النعال مخالفة لليهود، ومخالفة اليهود قربة.
وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا
تيقن نجاستها فلا يصلي فيها حتى تطهر.
لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك كما جاءت به السنة،
سواء كانت النجاسة عذرة أوغير عذرة، فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له،
فهو بمنزلة السبيلين، فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتاً بالسنة المتواترة فكذلك
هذا.
وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد
الصلاة أنه كان نجساً فلا إعادة عليه في الصحيح، وكذلك غيره كالبدن، والثياب،
والأرض235
.
أحذية
جلود النمور
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود النمور وعن الركوب
عليها، ويدخل في ذلك انتعالها، فعن معاوية رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطماً".236
وعند أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر".
قال الدُّمَيْري في حياة الحيوان238:
قال الشيخ أبوعمرو بن الصلاح في الفتاوى: جلد النمر نجس كله قبل الدباغ سواء كان
مذكى أم لا، فيمتنع استعماله امتناع نجس العين، ومعنى هذا أنه يحرم استعماله قطعاً
فيما يجب فيه مجانبة النجاسة من صلاة وغيرها.
وهل يحرم على الإطلاق؟ فيه وجهان، وأما بعد الدبغ فنفس الجلد طاهر
والشعر الذي عليه نجس، تبعاً لأصله، ولأجل انه غالب ما يستعمل منه، ورد الحديث
بالنهي عنه مطلقاً، وفي حديث آخر: "لا تركبوا النمور"، وفي حديث آخر: "نهى عن جلود
السباع أن تفترش"239،
ولا شك أن النمر من السباع، فهذه الأحاديث قوية معتمدة، والتأويل المتطرق إليها غير
قوي، وإذا وجد الموفق مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المضطرب
فهو ضالته، ومستروحه لا يرى عنه عدلاً.
وقال الشوكاني معلقاً على حديث معاوية السابق: أخرجه أبوداود في
الخاتم، والنسائي في الزينة بإسناد رجاله ثقات إلا ميمون القناد، وهو مقبول، وقد
وثقه ابن حبان.
إلى أن قال: وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيها من الزينة
والخيلاء، ولأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره.240
سادساً:
التختم
حكم التختم
للنساء مستحب، وللرجال مباح، إلا لذي سلطان فيستحب.
ما يتختم به
يجوز للنساء التختم بالذهب والفضة، أما الرجال فيحل لهم التختم
بالفضة.
ما يكره التختم به
يكره التختم بالحديد والنحاس والرصاص.
قال ابن مفلح: ويكره للرجل والمرأة خاتم حديد، وصُفر، ونحاس، ورصاص،
نص عليه – أحمد – في رواية إسحاق وجماعة، وقال في رواية مُهَنَّا: أكره خاتم الحديد
لأنه حلية أهل النار؛ وقال في رواية أبي طالب: كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم
من حديد241
عليه فضة، فرمى به، فلا يصلي في الحديد والصُّفر.
وقال في رواية الأثرم وقد سأله عن خاتم الحديد: ما ترى فيه؟ فذكر
حديث عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هذه حلية أهل النـار"242،
وابن مسعود قال: لبسة أهل النار؛ وابن عمر قال: ما طهرت كف فيها خاتم من حديد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة لرجل لبس خاتماً من
صُفر: "أجد منك ريح الأصنام؛ قال: فما أتخذ يا رسول الله؟ قال: فضة".243
وقال في "مسنده": حدثنا يحيى عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على بعض أصحابه خاتماً من ذهب، فأعرض
عنه، فألقاه واتخذ خاتماً من حديد، فقال: هذا أشرّ، هذا حلية أهل النار؛ فألقاه
واتخذ خاتماً من ورق، فسكت عنه"244،
حديث حسن، وقال بعض الحنفية: يحرم ذلك؛ ويحتمله كلام أحمد.
ظاهر كلام غير واحد من أصحابنا وغيرهم، وهو معنى كلام الشيخ موفق
الدين في كتاب الزكاة، إباحة خاتم الفضة للرجل والمرأة لاعتياد كل منهما لبسه، فلا
اختصاص، واختاره بعض الشافعية، وكرهه الخطابي للمرأة، لأنه معتاد للرجل.245
في أي اليدين يلبس الرجلُ الخاتم؟
وفي أي الأصابع؟
يجوز للرجل أن يتختم في يده اليمنى أواليسرى، لكن اليسرى أفضل،
والتختم يكون في الخنصر والبنصر منهما، ويكره التختم في السبابة والوسطى.
قال ابن مفلح: وقال أحمد في رواية صالح والفضل وسُئل عن التختم: في
اليمنى أحب إليك أم في اليسار؟ فقال: في اليسار أقر وأثبت؛ وما ذكره في التخيير
قدمه ابن تميم وابن حمدان.
وقال بعض الحفاظ: لم يصح في التختم في اليمنى شيء عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم، قال الدارقطني: اختلفت الرواية عن أنس، والمحفوظ أنه كان يتختم في
يساره246،
ويكره التختم في السبابة والوسطى، نص عليه، وزاد في "المستوعب" و"الرعاية"
للرَّجُل.247
ما يُكره أن يكتب على الخاتم
يكره أن يكتب على الخاتم اسم من أسماء الله أوأسماء رسوله لأنه يدخل
به الخلاء ويستنجي به، ويمكن أن يكتب فيها مثل: "كفى بالموت واعظاً"، و"رحم الله
امرءاً عرف قدر نفسه"، ونحو ذلك.
قال ابن مفلح: ويكره أن يكتب على الخاتم ذكر الله، قال ابن حمدان:
أورسوله؛ قال أحمد في رواية إسحاق: لا يكتب فيه ذكر الله؛ قال إسحاق: لا يدخل
الخلاء فيه؛ ويسن أن يجعل فصه مما يلي باطن كفه كفعل النبي صلى الله عليه وسلم.248
سابعاً: أدعية اللباس وآدابه
دعاء لبس الثوب الجديد
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه عمامة، أوقميصاً، أورداء، ثم يقول: اللهم لك
الحمد، أنت كسوتنيه – في رواية من غير حول مني ولا قوة - أسألك خيره وخير ما صنع
له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له".249
ما يقول من رأى على أخيه ثوباً
جديداً
عن ابن عمر رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على
عمر ثوباً فقال: ثوبك هذا غسيل أم جديد؟ قال: بل غسيل؛ فقال: البس جديداً، وعش
حميداً، ومت شهيداً".
التيامن في التنعل وفي اللباس
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله، في
ترجله، وتنعله، وتطهره.
فالسنة إدخال اليد اليمنى والرجل اليمنى والقدم اليمنى أولاً عند
اللباس، وفي الخلع العكس، خلع اليد والرجل والقدم اليسرى.
المراجع
· الآداب الشرعية والمنح المرعية للإمام الفقيه المحدث أبي
عبد الله محمد بن مفلح المقدسي المتوفى 763ﻫ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعمر القيام،
الطبعة الثانية 1417ﻫ، مؤسسة الرسالة.
· التمهيد لابن عبد البر.
· الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
· حياة الحيوان الكبرى للدُّمَيْري المتوفى 808ﻫ، الطبعة الأولى
1415ﻫ، دار الكتب العلمية.
· الرعاية الصغرى لابن حمدان.
· عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس المالكي.
· الغنية لطالبي طريق الحق للشيخ عبد القادر الجيلاني.
· فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حجر.
· الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر.
· المجموع شرح المهذب للإمام النووي.
· مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
|