تزوج البنت
إن جهل مكان ولي الأمر، أو طال غيابه، أو تعذر الوصول إليه، إذا خشي عليها
الفساد
من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر سفر بعض
الفتيات من بلد إلى بلد من غير محرم طلباً للدراسة أو للعمل، وسكن البعض في
مجمعات سكنية، والبعض الآخر كالعاملات والشغالات يسكن في سكن مختلط بين
الشباب والشابات مما يعرضهن للفتنة والفساد،وحتى أولئك الشغالات اللائي
يسكن مع الأسر قد يتعرضن لبعض الفتن من بعض أفراد تلك الأسر. وهذا كله من
المخالفات الشرعية البينة الناتجة من ضعف الوازع الديني، والجهل بالشرع،
والحرص على الدنيا من أولياء تلك الفتيات ومنهن.
في بعض الأحيان يتقدم أحد للزواج من إحدى هؤلاء الدارسات أو
العاملات، سواء كان من بلدها أو من غير بلدها، وقد يكون المتقدم على دين
وخلق يريد أن يعف نفسه فيحدث شيء من التمنع والعضل من بعض من له صلة قرابة
بهذه البنت، أو من منطقتها، أو جنسيتها، بحجة عدم وجود الولي، أو تعذر
الاتصال به لأخذ موافقته ونحو ذلك.
لا شك أن الولي شرط أساس في صحة النكاح لما ثبت عنه صلى
الله عليه وسلم أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهِدَي عدل" الحديث وقد أخذ
بذلك عامة أهل العلم.
لكن إن كان الولي غائباً، أو تعذر الاتصال به وأخذ موافقته
وتوكيل من ينوب عنه، مع تعرض هذه البنت وغيرها لشر مستطير، وفساد عريض،
وفتنة محققة فلا مانع من أن توكل هذه البنت من يزوجها من رجل مكافئٍ لها في
الدين مع الإشهاد على ذلك، والمهر وإن تعذر توثيق هذا النكاح في الجهات
الرسمية، درءاً للفتنة وخوفاً من الفساد فدرء المفاسد مقدم على جلب
المنافع.
هذا بجانب أن الولي الذي يسمح لوليته أن تسافر من غير محرم،
ولغير ضرورة شرعية، وأن تعيش غريبة بعيدة عنه، وأن تسكن مع شباب ورجال
أجانب يكون فاقداً للأهلية، عديماً للغيرة على محارمه، فقد قصر في أوجب
الواجبات نحو وليته فلا يلومن إلا نفسه.
ينبغي لولاة الأمر من الحكام والقضاة أن يتولوا ذلك ويوثقوا
تلك الأنكحة حماية للمجتمع من الفساد، وللأثر والقاعدة "السلطان ولي من لا
ولي لها" إذا استوثقوا من غياب الولي، وتعذر إرسال توكيل منه، واطمأنوا
لجدية الخاطب، وأنه يريد العفاف وليس العبث بأعراض المسلمين.
قال الونشريسي رحمه الله: (سئل السيوري عمن غاب أبوها
هارباً خوفاً على نفسه من القتل عمداً عدواناً، وبقيت ابنته في قرية، أو
مدينة لا تستطيع الوصول إليه، ولا يقدر هو على الاجتماع بها، فهل يصح
إنكاحها إذا خيف عليها الفساد؟ أعني الزنا، أو تضيع، أو يصعب إعلام الأب في
تحقيق إذنه، إما بتعذر العدول، أو المسافرين، أو تعذر الطريق، أو إهمال
الأب، أو إهمال أهل الموضع، القيام بالواجب في ذلك، أو يكون ذلك حسب
قدرتهم. فأجاب: تُزَوَّج على قدر الإمكان ولا ينتظر أبوها للخوف الذي ذكرت)1.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين
وعلى آله وصحبه والتابعين.
ã
|