تعقيب على مقال: "الغزالي وقضايا
المرأة"
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا
بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك رحمه الله، وكان صلاح أولها قائماً
على أمور أهمها:
1. الثبات على المبادئ والمسلمات وعدم التنازل والمداهنات.
2. الحذر من تقليد الكفار والتشبه بهم.
3. ذم البدع والمحدثات.
لكن عندما عاد الإسلام غريباً كما بدأ بل أشد غربة ـ بدأ
التشكيك في المبادئ والمسلمات، وطفق كثير من الناس يقلدون الكفار ويتشبهون
بهم، وتغيرت كثير من المفاهيم فأضحت السنة بدعة والبدعة سنة، والملتزم بشرع
الله متشدد متزمت والمتفلت منه مستنير، وسعى بعض المنتسبين إلى الدعوة في
منافقة المجتمع ومجاراتهم فيما يهون فحللوا لهم الغناء، والموسيقي، والرقص،
والتمثيل، والسينما، وما شابه ذلك، بل بلغت الجرأة بالدكتور يوسف القرضاوي،
أن نسب لإمام دار الهجرة مالك بن أنس شيئاً من ممارسة هذه القاذورات وعندما
سئل مالك عمن يمارس ذلك بالمدينة قال: (إنما يفعله عندنا الفساق).
هذا الخبر الصحيح الثابت عن مالك يترك ويؤخذ بما ورد في
(العقد الفريد) وغيره من كتب الأدب والمجون.
من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر مناداة بعض
المنتسبين إلى الدعوة مساواة المرأة بالرجل في تولي الإمامة الكبرى.
من الذين تولوا كبر هذه الدعوة الخبيثة الشيخ محمد الغزالي
سامحه الله في كتابه المذموم المشؤوم الموسوم بـ(السنة بين أهل الحديث وأهل
الفقه) الذي تطاول فيه على السنة وعلى فقهاء الحديث.
لقد ترك الغزالي بتأليفه لهذا الكتاب شراً مستطيراً، وخطراً
عظيماً، ووزراً جارياً عليه وعلى من انخدع به ولهذا قيل: (ويل لمن مات
وخلـَّف بدعته بعده). لقد سار على خطى الغزالي وسلك سبيله الوعر في هذا
الشأن تلميذه الدكتور القرضاوي وبعض المحبين المتعصبين له، على الرغم من
الردود الوافرة، والتفنيد لكل الشبه التي وردت على ما سطره المؤلف في حينه،
فجزاهم الله خيراً عن ذبهم عن السنة ونصحهم للأمة.
أما بعد...
فهذا تعقيب على ما كتبه الأستاذ الطيب مصطفى في عموده
(زفرات حرى) بصحيفة الانتباهة العدد رقم [1219] بتاريخ 2 شعبان 1430هـ
الموافق 25/7/2009م مؤيداً ومقرراً لما جاء به الشيخ في كتابه السابق
الذكر، ومكرراً نفس الشبه التي أوردها المؤلف.
وسيكون تعقيبي على ما جاء في هذا المقال في الآتي:
أولاً:
زعمه وهو يمدح الغزالي: (ويخرج علينا وعلى الأمة بفكر ثاقب ينفي عن الإسلام
ما علق به من تأويلات الجهال) في ذلك ذم وانتقاص لكل علماء السلف والخلف
الذين يخالفون الغزالي تولية المرأة الإمامة الكبرى بدءاً بالصحابة،
ومروراً بعصر التابعين ومن تبعهم، وانتهاء بعلماء الخلف أمثال الأئمة: محمد
بن إبراهيم آل الشيخ، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبد العزيز بن باز،
والعثيمين وهلم جراً.
وفي ذلك أذىً للمؤمنين الأخيار: "وَالَّذِينَ يُؤْذونَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"1
وقال صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"2
والعلماء هم الأولياء كما قال الإمامان الكبيران أبو حنيفة والشافعي رحمهما
الله.
ورحم الله ابن عساكر عندما قال ناصحاً لإخوانه المسلمين
ومحذراً لهم من لحوم العلماء: (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته
وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في
هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه
الله قبل موته بموت القلب) "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "3.
إذا كنت ستحاسب على مدحك لهذه الزلة التي سقط فيها الغزالي
فكيف بشتم وذم علماء السلف والخلف؟!
ثانياً:
زعمه: (وقد تتبعت ما قاله الشيخ: فلم أره خرج على نص مقطوع به، بل ولا نص
مجمع على صحة ثبوته، وصراحة دلالته).
لقد خرج الشيخ خروجاً سافراً على قوله عز وجل: "الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء"4
والغزالي يريد أن يمنح هذه القوامة التي حصرها الله عز وجل في الرجال
للنساء.
وعلى النص الصحيح الصريح المُحْكَم: "لن يفلح قوم وَلـَّوا
أمرهم امرأة"5
فقوم وامرأة نكرتان تفيدان العموم إلى يوم القيامة فقد نفى رسول الله صلى
الله عليه وسلم الفلاح عن كل قوم وَلـَّوا عليهم امرأة فالرسول صلى الله
عليه وسلم لم يبعث لجيل دون جيل بل رسالته عامة لكل الإنس والجن إلى يوم
القيامة.
وزعم الغزالي ومن يقلده، ومن سبقهم بأن هذا الحديث خاص
بالفرس وبوران بنت كسرى يكذبه ما قاله الصحابي الجليل أبو بكرة عندما طلب
منه أن يخرج مع أهل الجمل فأبى واستدل بهذا الحديث "لن يفلح قوم ولوا عليهم
امرأة" مع أن خروج عائشة للجمل كان لغرض الصلح بين الطائفتين كما قال
العلماء المحققون.
فهل هناك نصوص أصح وأصرح من ذلك؟! سبحانك لا وألف كلا.
ثالثاً:
زعمه: (وكذلك لم أره خرج على إجماع متيقن) لقد خرج الغزالي ومن أقره على
ذلك خروجاً صريحاً على الإجماع القولي زائداً العملي حيث لم تول امرأ قط،
بل لم تتطلع إليه عائشة وفاطمة وحفصة وغيرهن من النساء. وقد ندمت عائشة على
خروجها يوم الجمل ندماً شديداً فكانت إذا ذكرته أو ذكرت به بكت حتى يبتل
خمارها. بل لم تكن عائشة رضي الله عنها تؤم النساء لا في فرض ولا نفل وإنما
كان يؤمها مولاها ذكوان في صلاة القيام من المصحف.
ورداً على الذين يفترون الكذب على الأئمة أمثال أبي حنيفة
بأنه أجاز للمرأة أن تلي القضاء، فإن القاضي أبا يوسف رحمه الله كان قاضي
قضاة الدولة العباسية لمدة أربعين سنة لم يول خلالها امرأة، وكذلك فإن
الدولة العثمانية حكمت قرابة الخمسمائة عام وكان خلفاؤها على المذهب الحنفي
لم تتول فيها امرأة ولاية الرجال دعك ن القضاء أو غيره.
لم تظهر هذا البدعة في الإسلام إلا في هذا العصر الذي اختلت
فيه الموازين، واختلطت فيه المفاهيم، وقلد فيه المسلمون الكفار.
رابعاً:
قياسه اتهام أهل العلم الغزالي بأنه خرج على النصوص الصحيحة الصريحة وعلى
الإجماع العملي في هذا الأمر، باتهام المقلدة والمتعصبين لشيخ الإسلام ابن
تيمية قدس الله روحه قياس مع الفارق والفارق الكبير جداً حيث قال: (وبهذا
اتهم شيخ الإسلام ابن تيمية من قبل...بل اتهم صراحة بالخروج على الإجماع).
فابن تيمية رحمه الله من حماة حمى الدين ومن حماة الإجماع
وحاشاه أن يخرق إجماعاً قولياً أو عملياً.
والمسألتان اللتان أخذتا على ابن تيميه واتهمه فيهما
المقلدة بأنه خالف فيهما الإجماع هما:
1. مسألة شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة. وقد ذكر فيها
قولي العلماء، مالك وقد نهى عن ذلك، وبعض الشافعية والحنابلة وقد أجازوا
ذلك فرجح مذهب مالك واستدل له بالحديث الصحيح: "لا تشد الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد..." الحديث.
2. كان طلاق الثلاث في كلمة واحدة يعد طلقة واحدة على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر. وعندما
أكثر الناس منه في خلافة عمر أمضاه عليهم من باب التعزير والتأديب، وقد ندم
في آخر أيامه أنه لم يرد الناس إلى الأمر الأول.
فأين هذا مما ذهب إليه الغزالي في جرأة لا مثيل لها ونيل من
سلف هذه الأمة وخلفها نتيجة لردة فعل ومواقف شخصية للشيخ سامحه الله؟!
خامساً:
زعمه أن الغزالي (أعلن في كتبه مراراً: أنه يكره الشذوذ والخروج على
الإجماع، ويحب أن يبقى مع السواد الأعظم للأمة) هذا الإدعاء يكذبه الشذوذ
الذي جاء به في هذا المصنف المشؤوم وخروجه على إجماع الأمة العملي وعلى
النصوص الصحيحة الصريحة. فالادعاء وحده لا يكفي إلا إذا تبعه عمل.
سادساً:
زعمه: (أن الشيخ هنا لم يرد النص بل أوله بأنه ورد في مناسبة معروفة. وفي
سياق خاص. فلا ينبغي أن يعدى به عن موضعه) إن لم يكن في إجازة الغزالي
تولي المرأة للإمامة الكبرى رد للقرآن والسنة فليس هناك رد بعد.
وهذا الحديث لا يحتمل أي تأويل فهو واضح وضوح الشمس في
رابعة النهار. وإلا فلماذا لم تختلف الأمة في سائر عصورها في تأويله إلا في
هذا العصر؟ ومن نسب لبعض الأئمة إجازتهم للمرأة أن تلي أمر الرجال إما أن
يكون كذب وافتراء وإن صح فإنما هي زلات وعثرات لا يتابعون عليها لأن من
تتبع زلات العلماء وسقطاتهم تزندق أو كاد وتجمع فيه الشر كله.
سابعاً:
أما استدلال الغزالي ومن قلده بتولي بعض الكافرات أمثال بلقيس وفكتوريا،
وتاتشر وأنديرا غاندي لقومهن من الكفار ونجاحهن في إدارة دفة الحكم فإني
والله أستحي للغزالي من هذا الاستدلال الذي لم يسبقه عليه أحد من العالمين.
ثامناً:
نقل عن الغزالي قوله: (إننا نعشق شيئاً واحداً، أن يرأس الدولة، أو الحكومة
أكفاً إنسان في الأمة).
سبحان الله، هذا الكفء إن لم يوجد في الكثرة المستفيضة، هل
يمكن أن يكون في أقل القليل بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كمل من
الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع" الحديث؟
ثنتان من الأمم السابقة وهما مريم وآسيا، وثنتان في هذه
الأمة وهما خديجة وفاطمة رضي الله عنهن جميعاً.
تاسعاً:
من التناقض الذي لا يدانيه تناقض زعم الغزالي الذي نقل عنه: (وكل ما أبغي
هو تفسير حديث ورد في الكتب6،
ومنع التناقض بين الكتاب (القرآن) وبعض الآثار الواردة، أو التي تفهم على
غير وجهها؟ ثم منع التناقض بين الحديث والواقع).
هل قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم وَلـَّوا أمرهم
امرأة" مناقض لقوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء"؟
بل الواقع يصدق الحديث، وإن كنا لا نحتاج لشيء يصدق حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عاشراً:
زعمه: (أن قضية عدم تولي المرأة للوظائف العامة، لم يثبت فيها إجماع...).
رحم الله القائل: (لا تعتقد، فتستدل، فتضل) لأن الإنسان إذا
اعتقد عقيدة أو رأى رأياً يجتهد بعد ذلك بشتى الطرق أن يجد له دليلاً ولو
بلي أعناق الأي والأحاديث.
سبحان الله إذا الأمر جاء فيه صريح القرآن، وصريح وصحيح
السنة هل يحتاج بعد ذلك لدليل آخر؟
لو فرضنا جدلاً أن هذا ليس فيه إجماع فأين أصل الأصول
القرآن، والمصدر الثاني للتشريع السنة؟
فمصدر التشريع الأول هو القرآن. ومصدر التشريع الثاني هو
السنة.
ثم يأتي بعد ذلك الإجماع والقياس وهما يؤخذان من القرآن
والسنة.
الحادي
عشر:
زعمه: (أن الطبري، وابن حزم، والظاهرية يجيزون لها تولي القضاء بصفة عامة).
لو فرضنا جدلاً صحة هذه النسبة إليهم ولا أخالها تصح، فهل نحن مطالبون
باتباع السقطات والزلات والهفوات؟ فالحمد لله الذي لم يتعبدنا باختلاف
العلماء وإنما تعبدنا بكتابه وسنة نبيه، ومعلوم من الدين ضرورة أن كلاً
يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
أجاز أبو حنيفة للمرأة أن تقضي بين محارمها في البيوت في
الأموال. هذه هي التي يدندن حولها هواة تقليد الكفار في هذا الأمر.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم على من تركنا على
المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولم يحوجنا لشرائع
الكفار قديماً وحديثاً فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
واعلم أخي القارئ أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله له، ثم
بمدافعة أهل العلم وذبهم عنه، وهذه الزلات والهفوات والسقطات فلن تضر والله
إلا أصحابها إلا إذا تابوا عنها أو تجاوز الله عنهم، فويل ثم ويل لمن مات
وخلف بدعة وراءه.
4 شعبان 1430ﻫ ـ 26/7/2009م
ã
|