تعدد الزوجات أو الكارثة بإشاعة الفاحشة
"خير هذه الأمة أكثرها نساء"1 

 

 تعريف التعدد

حكم التعدد

دليل التعدد وأنه لا يحل للرجل أن يجمع تحته أكثر من أربع نسوة

حكم من أنكر مشروعية التعدد وحله وسعى لتحريمه

من حِكَم مشروعية التعدد

التعدد المطلوب

شبه يرفعها المانعون لتعدد ودحضها

أسباب هذا الانقلاب والتحول في أفهام البعض

البديل عن التعدد إشاعة الفاحشة

سبيل الخروج مما نحن فيه الآن

 

السمة الأساسية لهذا الدين هي الوسطية الحقة2، والاعتدال، والخيرية، تتمثل أصدق تمثيل في فقه الأسرة سيما في المجالات التالية:

1. التعدد.

2. الطلاق.

3. حقوق الزوجية.

ففي مجال التعدد فالإسلام وسط بين المفرِّطين المجيزين للرجل أن يتزوج ما شاء له من النساء كما كان الحال عند العرب في جاهليتهم وبعض القبائل الإفريقية وغيرها وبين فرق النـَّصارى المبدلين لشرع عيسى عليه السلام حيث كان التعدد جائزاً فيه ـ المحرمين للزوج أن يكون له أكثر من حليلة مع غضهم الطرف في اتخاذ ما يشاء من الخليلات، بينما نجد الإسلام أحل للرجل أن يجمع عنده أربعة من النساء فقط.

وكذلك الأمر بالنسبة للطلاق فبينما نجد أن الجاهليين القدماء من عرب وغيرهم لم يحدوا الطلاق بعدد نجد في الطرف الآخر الكاثليك يحرمونه فاعتدل الإسلام وتوسط بين طرفي النقيضين فقال عز من قائل: "الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ"3.

كذلك الأمر بالنسبة لحقوق الزوجية فإن الإسلام فيها وفي غيرها يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات فكما أن للمرأة حقوقاً على الزوج فعليها واجبات، بينما كانت المرأة في الجاهلية الأولى عبارة عن سقط المتاع لا يؤبه بها، بينما نجد الجاهليين المعاصرين يبالغون في حقوقها بل منهم منادون بتسويتها مع الرجل في كل شيء على الرغم من الفروق الخلـْقية والنفسية والشرعية بينها وبين الرجل.

هذه السنن الحسنة التي شرعها الإسلام واعتدل فيها في فقه الأسرة ـ سيما سنة التعدد ـ أضحت الآن من المنكرات، ومن البدع والمحدثات، ومن الأعمال القبيحات عند كثير من الرجال والنساء على السواء. رافعين في وجه ذلك شبه واهيات، وحجج داحضات. جاهلين أو متجاهلين أن ما ينكرونه وما يخوضون فيه رد لكتاب الله ولسنة رسول الله ومعلوم حكم من رد حكم الله ورسوله بل وصلت بهم الجرأة على الإسلام أن سنت إحدى الحكومات العربية قانوناً وتشريعاً يحرم التعدد مما حدا ببعض المنظمات المشبوهة أن تنادي بذلك وأن تسعى لتحقيق ما انحطت فيه تلك الدولة.

أما بعد...

فهذا بحث عن تعدد الزوجات في الإسلام، عن حكمه وأدلته، وعلل وحِكَم مشروعيته، وعن دفع بعض الشبه التي يرفعها دعاة تحرير المرأة من الأوامر الشرعية، وعن الأسباب الرئيسة التي أحدثت هذا التحول في مجتمعات المسلمين وما إلى ذلك.

والله أسأل التوفيق والسداد لما عزمت عليه فأقول:

  بداية الصفحة 

تعريف التعدد

وهو أن يجمع الرجل تحته اثنتين من النساء، أو ثلاثاً أو أربعاً من غير ملك اليمين، وأن لا يزيد على هذا العدد. فمن كان عنده أربع نسوة فطلق إحداهن طلاقاً رجعياً فلا يحل له أن يتزوج غيرها حتى تنقضي عدة المطلقة الرجعية، أما إن كانت الطلقة بائنة بينونة كبرى فله أن يتزوج الرابعة وكذلك إذا ماتت إحداهن.

  بداية الصفحة 

حكم التعدد

حكم تعدد الزوجات أنه حلال طيب، وقد يكون واجباً لمن كان تواقاً للنساء وعنده قدرة على الإنفاق عليهن كما هو الحال الآن مع كثرة النساء، وعزوف الشباب عن الزواج والمستطيعين عن التعدد.

  بداية الصفحة 

دليل التعدد وأنه لا يحل للرجل أن يجمع تحته أكثر من أربع نسوة

أدلة مشروعية التعدد الكتاب والسنة والإجماع:

فمن الكتاب

قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ"4.

وقوله تعالى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا"5.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وقوله: "مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ": أي أنكحوا ما شئتم من النساء سواهن6، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً كما قال تعالى: "جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ"7، أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربع، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة)8.

ومن السنة المطهرة

1. عن عائشة رضي الله عنها في تفسير قوله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا"9 قالت: (هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة عليَّ والقسمة لي)10.

2. قوله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل"11.

3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"12.

4. وعن الحارث بن قيس بن عميرة رضي الله عنه قال: (أسلمتُ وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "اختر منهن أربعاً")13.

5. وعن عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه قال: (أسلمت وتحتي عشر نسوة، أربع منهن من قريش، إحداهن بنت أبي سفيان، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعاً وخل سائرهن، فاخترت منهن أربعاً منهن ابنة أبي سفيان")14.

6. (أسلم غيلان بن سلمة الثقفي رضي الله عنه وتحته عشر نسوة في الجاهلية وأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعاً منهن)15.

7. وعن سعيد بن جبير رحمه الله أن ابن العباس رضي الله عنهما قال: (تزوجوا فإن خيرنا كان أكثرنا نساء)16.

وفي رواية عنه: (خير هذه الأمة أكثرها نساء) يعني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أن ابن عباس لا يقول ذلك برأيه، ولهذا فإن هذا الموقوف له حكم الرفع.

لقد أفاد قول ابن عباس هذا بجانب خبرية الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يدانيه فيها أحد من الخلق الثناء والخيرية للمعددين.

الإجماع

للأدلة السابقة من الكتاب وصحيح السنة أجمع علماء الإسلام، أهل الحل والعقد، في جميع العصور على مشروعية التعدد وحله وعلى أنه لا يحل للرجل أن يجمع تحته أكثر من أربع نسوة حرائر، اللهم إلا ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله: "مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ..." الآية: (أعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قال من بَعُدَ فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعاً، وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة الرافضة17 وبعض أهل الظاهر.

إلى أن قال: وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أن جمع في عصمته أكثر من أربع... وما أبيح من ذلك للنبي فذلك من خصوصياته)18.

ومن تزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالماً هذا ما ذهب إليه مالك والشافعي. وقيل إن كان عالماً عليه الرجم وإن كان جاهلاً عليه الجلد19.

  بداية الصفحة 

حكم من أنكر مشروعية التعدد وحله وسعى لتحريمه

إن كان جاهلاً بحكم الشرع عُلـِّم، وإن كان عالماً فقد كفر لرده للقرآن، وصحيح ومتواتر السنة، وإجماع الأمة.

  بداية الصفحة 

من حِكَم مشروعية التعدد

التعدد مشروع بل حلال طيب لمن استطاعه وإليك جانباً من هذه الحكم والعلل التي شرع الله عز وجل وأحل من أجلها التعدد وهي:

لم يشرع الله سبحانه وتعالى شيئاً إلا لحمكة وللتعدد فوائد وحكم كثيرة منها:

1. الرجل مستعد للإنجاب طول حياته والمرأة لا تنجب بعد سن الخمسين في الغالب والإنجاب من مقاصد الزواج.

2. قد تكون المرأة مريضة مرضاً مزمناً.

3. قد تكون المرأة الأولى التي تزوجها عقيم لا تنجب والإنجاب هو الغاية الأساسية للزواج.

4. بعض الرجال لا يستطيعون أن يكتفوا بامرأة واحدة وكما قيل: زوج الواحدة كالمرأة يحيض عندما تحيض، وينفس عندما تنفس، ويمرض عندما تمرض وهكذا ـ وإذا كان الحال هكذا فإما أن يعدد وإما أن يزني ليشبع هذه الرغبة الجامحة بالطرق غير الشرعية.

5. النساء يختلفن وكذلك الرجال فبعض النساء لا يرغبن في كثرة الوطء ويكون الزوج عكسها فماذا يصنع إن لم يعدد ؟

6. بعض النساء يستمر الحيض عندهن 10 أيام عند الأحناف و 15 يوماً عند الشافعية، وكذلك بعض النساء يحضن في الشهر مرتين، والبعض ثلاث حيضات.

7. قد يضطر الرجل إلى العمل بعيداً عن زوجته ولا يستطيع إحضارها معه فماذا يصنع إن لم يعدد ؟

8. النساء في معظم الأحيان أكثر من الرجال وكما جاء في الحديث من علامات الساعة الصغرى: "حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد".

9. ينقص عدد الرجال بصورة واضحة بسبب الأوبئة والحروب فلو حُظِر الزواج بأكثر من واحدة لشاعت الفاحشة في المجتمع.

10. التعدد في نظري في  مصلحة النساء أكثر منه مصلحة للرجال ومن العجب أن نرى بعض الجمعيات النسوية ممن لا خلاق لهن يعارضن ذلك ويطالبن بتعديل قانون الأحوال الشخصية الذي شرعه رب العالمين لكي لا يتسنى للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة. فالأفضل للمرأة أن تكون تحت مظلة زوج ولو كان نصيبها الربع منه بدلاً من أن تكون عانساً أو بدون زوج.

11. التكاثر: لقد رغب الإسلام في نكاح الولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" وقد روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد دفنت من ظهري من غير ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين ذكراً إلا ابنتين وإن أرضى لتثمر في العام مرتين وذلك ببركة دعاء الرسول له وبكثرة تعدده للنساء.

12. وقد فطن لذلك المغفور له أحمد أبلو عندما أراد أن يزداد عدد المسلمين في نيجيريا ليفوق عدد النصارى واللادينيين فأمرهم بالتعدد وشجعهم عليه وهم بطبيعة الحال راغبون فيه فتضاعف عددهم أضعافاً كثيرة.

13. وهكذا ينبغي للمسلمين أن يستغلوا هذه الرخصة ليضاعفوا أعدادهم خاصة في البلاد التي يكونون فيها أقلية كما هو الحال في الهند وغيرها، وقد فطنت لذلك رئيسة الهند الهالكة، انديرا غاندي- عليها لعنة الله- فكانت تطعم الرجال المسلمين كيلا ينجبوا.

  بداية الصفحة 

التعدد المطلوب

التعدد الذي شرعه رب العالمين، وسنة رسولنا الصادق الأمين، هو الذي يساهم في حل المشكلة الاجتماعية السائدة بزواج الأرامل، والمصبيات، والقريبات، ومن تقدمت بهن السن من العاملات ولهذا كان كل نساء نبينا التسع ثيبات سوى عائشة رضي الله عنهن.

أما زواج الصغيرات، والحسناوات، (والسكرتيرات) والحرص على من لا يلدن والمتمتعات20، والفنانات، والممثلات، والراقصات فلا يحل المشكلة القائمة بل ربما زادها وضاعف منها.

فقد شُرع التعدد بجانب قضاء الوطر لأغراض سامية، وأهداف نبيلة، ولحل مشكلة آنية، ولهذا حض رسول الله على زواج ذات الدين والخلق.

عندما تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطبة أم سلمة أعتذرت له بأنها مُصْبِيَة وأنها غيورة فقال لها: أما أولادك فأولادي، وأما غيرتك فنسأل الله أن يذهبها عنك.

وكانت أولى زوجاته صلى الله عليه وسلم خديجة وكان عمرها في رواية أربعين وفي رواية خمساً وأربعين، وكان عمره خمساً وعشرين سنة وكانت متزوجة قبله برجلين، فكانت من أحب نسائه إليه. وقد سعد بها وسعدت به.

فينبغي للمعدد أن يستوعب الحِكَم والعلل التي من أجلها شرع التعدد ولا يقصر الأمر على شهواته ورغباته.

  بداية الصفحة 

شبه يرفعها المانعون لتعدد ودحضها

المانعون للتعدد، الرادون لحكم الله ورسوله صنفان:

1. من لا خلاق لهم ولا دين ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

2. جهلة ومقلدة ومغرر بهم من الرجال والنساء.

يرفع هؤلاء والمقلدة لهم بعض الشبه لتضليل السذج والعوام والتلبيس عليهم لا بد من الإشارة إليها ودحضها وإن كانت هي مدحوضة ومردودة من غير رد.

سنشير إلى أمثلها وليس فيه مثيل:

1. كلمة حق يريدون بها باطل: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً"

يتشبث الرادون لحكم الله ورسوله في الدعوى والسَّعي لتحريم التعدد بسن قانون يمنع ذلك بقوله تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً" وبقوله: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ"21 ويشهد الله ونحن على ذلك من الشاهدين أن استدلالهم بهاتين الآيتين إنما هو استدلال بحق على باطل محض إذ الذي نهى عنه الله عز وجل هو تعمد الظلم وقصد الإضرار بالزوجة الأخرى، أما ما يصدر من الزوج من غير قصد ولا اضرار بالأخرى بعد القيام بما يكفيها شرعاً في الظاهر فليس هو مانع من التعدد.

فالعدل المطلوب من المعدد يكون في المبيت، والسكن، والإطعام، والملبس، أما الحب والجماع وميل القلب لإحداهن من غير إضرار بالأخريات فلا دخل له.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك")22 يعني القلب.

هذا إن لم تتنازل إحداهن عن حقوقها في المبيت والنفقة، أما إن تنازلت عن هذه الحقوق فلا حرج على الزوج في ذلك.

جاء في سبب نزول قوله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"23. عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (أنزلت هذه الآية في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتهما فيريد طلاقها، فتقول: لا تطلقني، وأمسكني، وأنت في حل من يومي).

المبيت تستوي فيه الحائض والنفساء، والمريضة والصحيحة، والصغيرة والكبيرة، ويمكن أن يكون ليلة ليلة، أو ليلتين ليلتين، أو أكثر من ذلك، وقوام القسم الليل والنهار تبع له، إلا لمن كان عمله ليلاً كالذين يعملون بالورديات والحراس ونحوهم.

لا مانع من الطواف والدخول على الأخريات في ليلة إحداهن فعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة)24 وإذا أراد سفر حج أو عمرة أو نزهة، إن لم يتمكن من أخذهما أو أخذهن معه فله أن يقرع بينهما أو بينهن.

يتوهم البعض أن العدل واجب في المسكن والمطعم والملبس والزينة بين الصغيرة والكبيرة في الملبس والزينة، وبين من لها عدد من الأولاد ومن ليس لها إلا ولد واحد، في المطعم والمسكن إذ الواجب أن يوفر لكل منهما ما تحتاجه.

فمثلاً ليس من العدل التسوية بين النساء في السكن والمطعم بين من لها عدد من الأبناء ومن ليس لها إلا ولد واحد، بحيث يُسكِّن كلاً منهما في شقة من غرفتين، أو يحضر لكل منهما نصف كيلو من اللحم، حيث تحتاج أم العيال لبيت أوسع ولكمية أكبر من الأطعمة.

وكذلك بالنسبة للملابس والزينة فليس من العدل الذي يحبه الله ورسوله أن يحضر للصغيرة نفس الثوب مثلاً الذي يحضره للكبيرة ولا العكس، ولا أن يوفر لها من أسباب الزينة ما يوفره للكبيرة وهكذا وإنما يوفر لكل منهما ما تحتاجه.

ما أشرنا إليه سابقاً هو الذي عليه أهل العلم المقتدى بهم. قال ابن قدامة رحمه الله: (وليس عليه التسوية في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن. قال أحمد في الرجل له امرأتان، له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسي إذا كانت الأخرى في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية، وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه، كالتسوية في الوطء)25.

الذي يترجح لدي أن الذي يعدد، وإن صدر منه بعض التقصير ـ من غير قصد ولا إضرار ـ خير من الذي يمتنع عن ذلك لهذا الوهم، فلا يمكن أن يترك واجب كفائي على المستطيعين لذلك مع الحاجة إليه، لمجرد هذه التوهمات والخوف والظنون الفاسدة.

 يقول الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله مبكتاً على أولئك المتلاعبين بشرع الله والجراء على حدود الله عز وجل ومعدداً لبعض شبههم وأباطيلهم وراداً عليهم: (فزعموا أن إباحة التعدد مشروطة بشرط العدل، وأن الله سبحانه أخبر بأن العدل غير مستطاع، فهذه إمارة تحريمه عندهم!! إذ قصروا استدلالهم على بعض الآية وتركوا باقيها: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ" وتركوا باقيها: "فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ" فكانوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!

ثم ذهبوا يتلاعبون بالألفاظ، وببعض القواعد الأصولية، فسموا تعدد الزوجات (مباحاً) وأن لولي الأمر26 أن يقيد بعض المباحات بما يرى من القيود للمصلحة! وهم يعلمون أنهم في هذا كله ضالون مضلون. فما كان تعدد الزوجات مما يطلق عليه لفظ (المباح) بالمعنى العلمي الدقيق: أي المسكوت عنه، الذي لم يرد نص بتحليله أو تحريمه، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" بل إن القرآن نص صراحة على تحليله، بل جاء إحلاله بصيغة الأمر التي أصلها الوجوب، "فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء".

وإنما انصرف فيها الأمر من الوجوب إلى التحليل بقوله: "مَا طَابَ لَكُم" ثم هم يعلمون ـ علم اليقين ـ أنه حلال بكل معنى كلمة (حلال) بنص القرآن، وبالعمل المتواتر الذي لا شك فيه، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى اليوم. ولكنهم قوم يفترون!

وشرط العدل في هذه الآية: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ" ـ شرط شخصي لا تشريعي، أعني أنه شرط مرجعه إلى الشخص المكلف، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء ـ فإن الله قد أذن للرجل ـ بصيغة الأمر ـ أن يتزوج ما طاب له من النساء، دون قيد بإذن القاضي، أو بإذن القانون، أو بإذن ولي الأمر أو غيره، وأمره أن إذا خاف ـ في نفسه ـ أن لا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة.

إلى أن قال: وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف، ومما يذهب ويجيء بما يدخل نفس المكلف، ولذلك لا يعقل أن يكون شرطاً في صحة العقد)27.

2.  عدم إذنه صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه أن يجمع بين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله أبي جهل

من الشبه التي يثيرها دعاة هذه الفتنة الساعون لمنع وتحريم التعدد بتشريعات أرضية رادين لتشريعات الله ورسوله عدم إذنه صلى الله عليه وسلم لعلي أن يجمع تحته بين بنت رسول الله وبنت عدو الله أبي جهل لعنه الله حين استأذنه آل أبي جهل في تزويج علي بنت أبي جهل على فاطمة فقال: "فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها"28 باترين نص الحديث الذي يرد زعمهم وافتراءهم: "وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً"29 فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن التعدد ولم يحرمه وإنما لم تطب نفسه أن تجتمع ابنته ومن أحب الخلق إليه مع بنت عدو الله.

قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله: (فمن ألاعيبهم: أن يستدلوا بقصة علي بن أبي طالب، حين خطب بنت أبي جهل في حياة فاطمة.

وعندي وفي فهمي: أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع علياً من الجمع بينه وبين بنت أبي جهل بوصفه رسولاً مبلغاً عن ربه حكماً شرعياً، بدلالة تصريحه بأنه لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً، وإنما منعه منعاً شخصياً بوصفه رئيس الأسرة التي منها علي ابن عمه وفاطمة بنته، بدلالة أن أسرة أبي جهل هي التي جاءت تستأذنه فيما طلب إليهم علي)30.

3.  ومن شبههم التي يرفعونها لتحريم ما أحل الله ادعاء شفقتهم على الأسر وعلى الأبناء بصفة خاصة وزعمهم الباطل، أن التعدد سبب لكثرة المتشردين من الأطفال على الرغم أنهم لم يستندوا على احصائيات دقيقة في هذا الشأن

فإهمال الأطفال والتقصير في شأن الأبناء قد يصدر من غير المعددين، فلا علاقة له بتحريم حكم شرعي أحله الله عز وجل وشرعه لحل مشكلة من أعوص المشاكل التي تعاني منها مجتمعات المسلمين اليوم، وهي العزوف عن الزواج وكثرة عدد النساء مقارنة بالرجال. وليس لهذه المشكلة حل سوى التعدد للمستطيعين لذلك وإلا الخراب والدمار وانتشار الفاحشة في الذين آمنوا.

  بداية الصفحة 

أسباب هذا الانقلاب والتحول في أفهام البعض

هذا الخلل الذي حدث في المجتمع الإسلامي، وهذه الجرأة الزائدة، والتمرد السافر على أحكام الله ورسوله له عدة أسباب نشير إلى أخطرها:

  • التقليد الأعمى والتشبه بالكفار، فطالما أن الكفار من اليهود والنصارى حرفوا دينهم وبدلوه وحَرَّموا التعدد، وأباحوا اتخاذ الخليلات، وفروا من تحمل المسؤوليات والتبعات فما الذي يمنعنا أن نسلك سبيلهم؟ فهم القوم في نظر البعض لا يشقى من تشبه بهم واقتدى بهم، منهم من يزعم ذلك بلسان الحال أوالمقال. على الرغم من التحذير والنهي عن ذلك "ومن تشبه بقوم فهو منهم"31.

  • الزخم الإعلامي والحملات الجائرة التي تشنها وسائل الإعلام المختلفة محلياً وعالمياً والتي يتولى السيطرة والتوجيه عليها اليهود ومن تربوا على أيديهم ومناهجهم ضد التعدد وإظهاره في أبشع الصور، ولا أدل على ذلك من المسلسل المشؤوم الذي تولى كبره نور الشريف وغيره (الحاج متولي) عليهم من الله ما يستحقونه في هذه الحياة وبعد الممات.

  • النظام التعليمي الاديني السائد في العالم العربي والإسلامي كذلك مسؤول مسؤولية مباشرة وكبرى عن تلك التحولات حيث جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، وجرأ المنتسبين للإسلام أن يسعوا لتحريف وتغيير كثير من السنن الحسنة.

  • طغيان الماديات في هذا العصر: جعل الكثير ينظرون إلى المواليد  بأنهم افواه تأكل وليسوا عقولاً مفكرة ولا أشخاصاً صالحين عاملين في المجتمع فأثاروا أباطيل مثل الإنفجار السكاني محذرين بذلك من كثرة المواليد ومشجعين على تحديد النسل والانفاق بسخاء ليس له مثيل في توفير موانع الحمل حيث غطت هيئة الصحة العالمية بذلك جميع قرى وهجر ديار الإسلام.

  • طغيان بعض النساء واستكبارهن:  خاصة أولئك اللائي ارتددن عن الإسلام بالدخول في الشيوعية وغيرها والتوسع في دعوى مساواة المرأة بالرجل في القوامة وغيرها زاد من جرأة نساء المسلمين على التمرد على الأوامر الشرعية.

  • الجهل بالإسلام: فمن جهل شيئاً عاداه وكما قيل مصيبة الإسلام تكمن في كيد أعدائه وجهل أبنائه.

  • الأنانية والأثرة الزائدة عند النساء المتزوجات وأولادهن التي أعمت الأبصار، وأفسدت الفطر، وعمقت الجهالات الأمر الذي ولد العقوق عند الأولاد والبنات بانحيازهم إلى جانب الأم إذا عدد الأب بل من هؤلاء الحمقى من يحول بين الأب والزواج حتى بعد وفاة الأمهات.

  بداية الصفحة 

البديل عن التعدد إشاعة الفاحشة

أيها المسؤولون من الحكام وأولياء الأمور، أيها الغيورون من الرجال والنساء أعلموا وعوا أنه لا بديل للعزوف عن التعدد إلا انتشار الفاحشة في الذين آمنوا.

لقد جعل الله لكم مخرجاً لمقابلة الفاقد في الزواج فلا تغبنوا أنفسكم ولا تعملوا على إفساد مجتمعاتكم بتقليد الكفار والمنافقين وبعصيان ومخالفة سنة سيد المرسلين والسلف الفالحين وسلوك واتباع سبيل أصحاب الجحيم.

فالتعدد هو الطريق فلماذا تأخذون ببنيات الطريق؟!

احذروا أن تكونوا من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالإسلام دين شامل كامل لا يتجزأ، ليس فيه لباب وقشور بل كله لباب وكله خير وبركة ولا يستخفنكم الذين لا يعقلون ولا يتعظون، لقد أعزكم الله بالإسلام فلا تبتغوا الخير في غيره.

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

  بداية الصفحة 

سبيل الخروج مما نحن فيه الآن

وأخيراً أذكر نفسي وأهل الغيرة من هذه الأمة رجالاً ونساءً أنه لا سبيل للخروج مما نحن فيه من الأوضاع المأساوية إلا بالعودة الصادقة لديننا ويكون ذلك بالآتي:

أولاً: المدافعة الجادة المستمرة الصادقة لقوى الشر والطغيان.

ثانياً: إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتسويق لها في كل أرجاء العالم الإسلامي.

ثالثاً: القدوة الصالحة وأن نبدأ الإصلاح بأنفسنا ومن نعول فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

رابعاً: السعي الجاد لتحكيم شرع الله في الأمة فهو العامل الأساس في كل ما أصابنا في عقيدتنا وأخلاقنا وسلوكنا وحريمنا.

خامساً: التعاون والتنسيق بين كل العاملين في مجال الدعوة إلى الله، فقد اتسع الخرق على الراقع ولا سبيل للعودة إلى ما كان عليه سلفنا الصالح إلا بالتعاون الصادق على البر والتقوى.

سادساً: الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل أن يردنا إليه جميعاً حكاماً وعلماءً وعامة رداً جميلاً، فالله بيده الخلق والأمر، وهو المالك لقلوب الخلق والمتصرف فيها.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على أكثر هذه الأمة نساء محمد بن عبد الله صادق الوعد المبين وعلى آله وأصحابه والتابعين.

اللهم أعن المعددين، اللهم أعن المعددين، اللهم أعن المعددين وأكثر منهم والمفردين.

 

 وكتبه

الأمين الحاج محمد أحمد

رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان

لثلاث ليالٍ خلت من  شعبان 1430ﻫ

  بداية الصفحة