|
|
||
التَّعَدّد: المرغوب فيه شرعاً المحمود عواقباً
علل وحِكَم التعددالتعدد المرغوب فيه شرعاً المحمود عواقباًشبه ودحضها
تعدد الزواجات مشروع مرغوب فيه، ودليل ذلك الكتاب والسنة القولية والعملية، وإجماع الأمة، ولهذا فمن أنكر مشروعيته فقد كفر، برده الكتاب والسنة والاجماع. قال تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ"1. قال الحافظ ابن كثير في تأويل "مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ": (أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن2، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً)3. فقد دلت الآية أنه يحل للرجل أن يجمع تحته أربع نسوة لا غير، وكذلك بيَّنت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما زاد على الأربع فهو من خصائص رسولنا صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: (قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ المبينة عن الله ـ أنه لا يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء إلاَّ ما حكى عن طائفة من الشيعة: أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر)4. الشيعة بطوائفهم المختلفة، لا يعتد بخلافهم، ولا يفرج بموافقتهم، ومما يدل على أنَّ ما زاد على الأربع من خصائصه صلى الله عيه وسلم، ما صح عن ابن عمر كما رواه أحمد5: (أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهم أربعاً"). إذا كان هذا بالدوام ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى كما قال ابن كثير. ومن أدلة مشروعية التعدد بجانب أمره لغيلان أن يمسك تحته أربعاً ما يأتي: 1. عن عروة بن مسعود قال: (اسلمت وتحت عشرة نسوة، اربع منهن من قريش، إحداهن بنت أبي سفيان، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعاً وخل سائرهن"، فاخترت منهن أربعاً، منهن ابنة أبي سفيان)6. 2. ما خرجه البخاري في صحيحه7 مرفوعاً: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". وفيه تقرير صريح لمشروعية التعدد. 3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"8. يفهم منه جواز الجمع بين المرأة وغيرها من الاجنبيات. 4. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "تزوجوا فإن خيرنا اكثرنا نساء"9. ولهذا اجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على مشروعية التعدد، ولم ينكر ذلك إلاَّ من لا خلاق له من المتفلتين عن شرع محمد صلى الله عليه وسلم، الرادين لحكمه ليس في هذه المسألة فحسب بل في جل شأنهم. بداية الصفحةعلل وحِكَم التعددما من شيء يشرعه الاسلام ويبيحه إلاَّ وله حِكَم وعلل، وفيه مصالح عدة للأمة في دنياها وآخرتها. ومما لا شك فيه أنَّ التعدد مباح لأي أمر مباح، لقوله تعالى: "فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء..." الآية، ولكن ينبغي لمن أراد الزواج بأولى أو ثانية أو ثالثة أو رابعة أن تكون له نيات خالصة، وأهداف سامية، وأغراض نبيلة بجانب قضاء الوطر. (من خشي على نفسه الآفات، ووفق له امرأة فيها بعض الخصال المحمودة، فالتزويج له أفضل، فليكن له حينئذ في التزويج نيات، لأنه من أكبر الأعمال، ولا يكون نكاحه من أجل هواه مجرداً، بل تكون نيته إقامة سنته، وصلاح قلبه، وسلامة دينه، وغض بصره، وتحصين فرجه، فقد أمر بذلك)10. من حكم وعلل التعدد ما يأتي: 1. الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، والسلف الأعلام، والجدود والآباء العظام عملاً بأثر ابن عباس: (خير هذه الأمة أكثرها نساءً). ومن العجيب الغريب أن بعض من يريد التعدد الآن يرغب في زواج العقيم، أو من غلب على ظنه أنها لا تلد. 2. السعي والعمل على تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"11. قال أنس رضي الله عنه: (لقد دفنت من ظهري من غير ولد ولدي مائة وخمساً وعشرين ذكـراً إلاَّ ابنتين)12. ما كان لأنس أن يكون له هذا العدد سوى من عاشوا بعده إلاَّ بالتعدد وملك اليمين الذي حُرِمَ منه المسلمون بركونهم إلى الدنيا، وتركهم لذروة سنام الإسلام، الجهاد. سمى ابن قتيبة عدداً من المكثرين من الأبناء13:
هذه الكثرة من الأبناء سببها بعد الله عز و جل راجع إلى كثرة نسائهم وتسرِّيهم. 3. من حكم التعدد أن النساء عادة أكثر من الرجال، خاصة في آخر الزمان كما أخبر الصادق المصدوق: "حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد"، وهذه العلامة وإن لم تستحكم بعد فقد ظهرت بوادرها. يقول مؤلف (تعدد الزوجات بين العلم والدين)14: (فجميع الاحصائيات السكانية تثبت تفوق نسبة النساء على الرجال، إذ بلغت في العالم 70%، وفي المجتمع السعودي تصل إلى 65%). وليس هناك طريق لاعفاف وصيانة هذا العدد الهائل من النساء إلاَّ التدد، فهو الطريق الشرعي والمأمون العواقب الوحيد. 4. يقل عدد ارجال كما هو مشاهد بسبب الجهاد والمخاطر التي يتعرض لها الرجال، فالجهاد في سبيل الله ماضٍ إلى يوم القيامة، وما يجري في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، وغيرها من الديار، ليس عنا ببعيد. 5. بعض الرجال لديهم رغبة جنسية جامحة، ربما لا تكفيه واحدة، فليس له إلاَّ التعدد، أو الكبت، أو الزنا. يقول سيد قطب رحمه الله: (من الحالات الواقعية ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية مع رغبة الزوجة عنها، لعائق من السن أو المرض، مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة وكراهية الانفصال... ثم قال: فإمَّا أنْ يكبت الرجل....، وإمَّا أن نطلق له من أنْ يخادن ويسافح من يشاء....، أو نبيح له التعدد)15. 6. الأرامل وممن لم يتيسر لهنَّ الزواج المبكر، فليس لهؤلاء الأيامَى من طريق إلى الاعفاف والصيانة سوى ما شرعه رب العالمين، ومارسه رسوله الأمين، وصحبه والتابعون، وهو التعدد. فأسماء بنت عميس رضي الله عنها لقبت بزوجة الشهداء، فكانت زوجاً لجعفر بن أبي طالب، فلما استشهد تزوجها أبو بكر، فلما قضى أبو بكر تزوجها بعده علي. 7. قد يكون للبعض قرائب بنات عم وعمات، وخال وخالات، وغيرهن طُلِّقن، أو مات عنهن أزواجهن، أو لم يتزوجن وهنَّ في حاجة إلى من يكفلهن، فليس لهؤلاء من سبيل سوى التعدد. 8. قد يضطر الرجل في أحايين كثيرة للسفر وللبقاء بعيداً عن زوجه لسبب من الأسباب، فليس له في مثل هذه الحال إلاَّ التعدد او الوقوع في المحظور وهو الزنا إنْ لم يتمكن من الصبر. بداية الصفحةالتعدد المرغوب فيه شرعاً المحمود عواقباًدواعي التعدد لا شك كثيرة، ومتنوعة ومختلفة باختلاف العباد، ولكن أجلها ما كان الغرض منه: 1. اعفاف الأرامل. 2. رعاية الأيتام والقصر بزواج أمهاتهم، وقد رغَّب في ذلك الشارع بقوله: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة"، وضمَّ بين اصبعيه السبابة والوسطى. 3. اعفاف القريبات والجارات ممن لم يتزوجن بعد. 4. الرغبة في زواج من تقدمت سنها. 5. الحرص على إعادة سنة حسنة اندثرت في المجتمع السوداني وفي غيره، وهي التي كان يعبر عنها بمقولة: (غطي قدحك)، أي تزوج قريبتك من بنات عمك وعماتك، وخالك وخالاتك، وإنْ كانت أقل جمالاً، وأدنى مكانة منك. أيها المسلمون ليكن لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقدوة صالحة، حيث لم يتزوج بكراً قط سوى عائشة، وكانت كل زيجاته إكراماً لأرامل ـ أم حبيبة ـ، أو إبطالاً لعادة جاهلية ـ زينب بنت جحش ـ، أو جبراً لخاطر أحد كبار أصحابه ـ حفصة وميمونة بنت الحارث ـ. واعلموا أن مجتمعنا المسلم مواجه بمشكلة اجتماعية خطيرة، وهي كثرة الأيامى ـ النسـاء غيـر المتزوجات ـ، وعزوف كثير من الشباب عن الزواج لظروفهم، وللعوائق التي ابتدعت في طريق الزواج، هذا كله مع كثرة التبرج والسفور، والاختلاط والخروج والولوج، مما نتج عنه إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وازداد نتيجة لذلك عدد اللقطاء وأبناء السفاح. وليس لهذه المشكلة من علاج سوى أمرين اثنين، هما: 1. تيسير أمر الزواج وأنْ تشرف الدولة عليه، وتجعله في مقدمة اهتماماتها، وكذلك ولاة الأمور من الآباء والاخوان، وأنْ لا يدعو الأمور إلى النساء، والبنات، والصبيان. 2. إحياء سنة التعدد التي قد اميتت وقوبلت بحرب شعواء من وسائل الإعلام المختلفة، ومن أفراد المجتمع نساءً ورجالاً. وليعلم الجميع، أنَّ التعدد الذي يعالج هذه المشكلة ويخفف من وطأتها، ويقلل من خطرها هو الذي يكون أصحابه مستصحبين للأغراض النبيلة، والنيات الحسنة التي من أجلها شرع الزواج. أمَّا التعدد الذي يهدف من ورائه قضاء الوطر فقط، لإشباع الرغبة دون الالتفات للأغراض الأخر، والذي يقتصر فيه على الزواج من الصغيرات والحسناوات و ـ السكرتيرات ـ، والممثلات وما شابه ذلك فإنه لن يحل المشكلة الاجتماعية التي تواجه المجتمع، بل ربما زاد منها. بداية الصفحةشبه ودحضها 16يرفع المتمردون على شرع الله عز وجل، الساعون لتحقيق البدعة ـ الكاثوليكية ـ، المحاربون لسنة خير البرية، شبهاً مدحوضة ومردودة من غير رد، ولولا أنْ ينخدع بها بعض العامة ما كان ينبغي أنْ تُسَوَّد بها الصفحات ولا تُضَّيع فيها اللحظات. وجلها كلمات حق يريدون بها باطلاً. وقد ردَّ هذه الشبه وفندها تفنيداً كافياً الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله، إليك ملخصها: الأولى: قوله سبحانه وتعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً"17، فهذا شرط شخصي وليس تشريعياً، ولا يكون مانعاً من التعدد، فقد يجور زوج الواحدة وقد يعدل المعدد. الثانية: من الشبه التي يرفعها المتمردون على شرع الله، المقلدون لما عليه الكفار ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عندما أراد أنْ يتزوج بنت عدو الله أبي جهل على فاطمة رضي الله عنها، وجاء أهلها يستأذنوه، فقال: "فلا آذن ثمَّ لا آذن"، فاخذوا بأول الحديث لزعمهم انه فيه متكئاً لما يرمون إليه وتركوا آخره: "وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً ابداً". فقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ التعدد حلال، ولكنه كَرِه أنْ يجمع علي بين بنت رسول الله وبنت عدو الله. الثالثة: الشفقة على أبناء المعدد: وهذه أيضاً حجة، ظاهرها رحمة وباطنها من قبلها العذاب لما تتضمنه من رد حكم الله ورسوله. وفي الحقيقة، فالتقصير في حق الابناء ليس قاصراً على المعددين فقد يصدر من المعدد ومن غيره. والممنوع شرعاً هو تعمد الظلم والإضرار، أمَّا إذا صدر من الشخص شيء من ذلك من غير تعمد ولا إضرار فأمره إلى الله، وعلى كل حال ليس هذا سبباً يُرَدُ به حكم الله ورسوله، فالذي شرع التعدد أرحم بالابناء بل وبجميع الخلق من امهاتهم وآبائهم. الرابعة: ما يصوره ويضخمه الاعلام المتفسخ المتمرد على الفضيلة والخير، المأجور المبتور كما صور في مسلسل (الحاج متولي)، على من افترى ذلك وقام بتمثيل تلك الأدوار ما يستحقه من العذاب والوعيد الشديدين. هذه أمثل شبه القوم. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم من أراد إسلامنا بسوء اللهم فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، وعجل عقوبتك عليه في الدنيا قبل اللآخرة يا منتقم يا جبَّار، يا كبير يا متعال، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا وأمهات المؤمنين الأطهار، وعلى الآل والمهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
وكتبه الأمين الحاج محمد رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان لثلاث ليال خلت من شعبان 1431هـ
بداية الصفحة
|
||